
عايز أشوفك.
صوتها اتغير:
بس أنا تعبانة يا ابني.
طارق ضحك ضحكة صغيرة، بس كانت ضحكة تخوف:
معلش يا ماما… افتحي.
مش قادرة أقوم.
افتحي الباب وأنا أطلع.
سكتت تاني.
وبعدين قالت:
طارق، روح بيتك يا حبيبي.
ماما.
نعم؟
لو ما فتحتيش الباب، أنا هكسر الباب.
الصمت اللي حصل بعدها كان مرعب.
أنا بصيت له.
هو كان مركز في باب العمارة.
بعد حوالي عشر ثواني، قالت:
إنت ليه بتكلمني بالطريقة دي؟
افتحي يا ماما.
حاضر.
قفلت.
دخلنا.
طلعنا للدور بتاعها.
وأول…
ما طارق خبط، محدش رد.
خبط تاني.
ماما!
ولا صوت.
خبط بعنف.
ماما افتحي!
وفجأة سمعنا صوت المفتاح بيتحرك.
الباب اتفتح سنة صغيرة.
مديحة ظهرت قدامنا.
والله ما أنسى شكلها لحد النهارده.
لابسة جلابية بيت قديمة، وشعرها منكوش، ووشها عامل نفسه شاحب.
بس أول ما شافتني، عينيها لمعت لحظة.
لحظة واحدة بس.
وبعدين رجعت تعمل نفسها منهارة.
ـ إيه اللي جابكم دلوقتي؟
طارق دخل من غير ما يستنى إذن.
ـ كنتِ فين؟
ـ فين يعني؟
ـ في البيت؟
ـ آه.
ـ طول اليوم؟
ـ أيوه.
ـ من الساعة ستة؟
ـ آه.
قرب منها.
ـ طب ليه عربيتك مش تحت؟
اتوترت.
ـ عربيتك؟
ـ آه.
قالت بسرعة:
ـ أنا… أنا خليت عماد ياخدها.
طارق اتجمد.
أنا بصيت له.
ـ عماد مين؟
مديحة اتلخبطت.
ـ عماد… جارنا.
طارق قرب منها أكتر.
ـ عماد جارنا؟
ـ آه.
ـ عماد اللي أنا شفته في الصورة؟
وشها اصفر.
ـ صورة إيه؟
طارق طلع الموبايل وفتح الستوري.
حط الشاشة قدامها.
مديحة بصت.
ولأول مرة من يوم ما عرفتها…
شفت الرعب الحقيقي على وشها.
مش تمثيل.
مش مرض.
رعب.
حقيقي.
رجعت خطوة لورا.
ـ إنت جبت الصورة دي منين؟
طارق قال:
ـ جاوبيني.
ـ إنت بتراقبني؟
ـ أنا سألتك سؤال.
ـ دي صورة قديمة.
ضحكت غصب عني.
ـ قديمة إزاي وهي نازلة من عشرين دقيقة؟
مديحة بصتلي بحدة.
ـ وإنتِ مالك؟
ـ مالي؟ ده جوزي!
طارق رفع إيده.
ـ نورهان، سيبيني أنا.
وبعدين رجع لأمه.
ـ مين عماد؟
ـ واحد أعرفه.
ـ تعرفيه من إمتى؟
ـ من زمان.
ـ من قبل ما أبويا يموت؟
سكتت.
طارق صوته اتغير.
ـ ماما… ردي.
ـ معرفش.
ـ يعني إيه معرفش؟
ـ معرفش.
ـ طب الدوسيه؟
عينيها اتحركت ناحية الترابيزة.
وهنا فهمت.
كان في دوسيه فعلاً على ترابيزة الصالون.
نفس الدوسيه اللي ظهر في الصورة.
طارق اتجه ناحيته.
مديحة جريت قبله.
ـ سيبه!
مسك الدوسيه.
ـ ليه؟
ـ ده بتاعي.
ـ فيه إيه؟
ـ ورق شغل.
ـ شغل إيه؟
ـ مالك إنت؟
طارق فتحه.
وأول ورقة كانت عقد.
بص فيه.
وشه اتغير.
أنا قربت.
ـ إيه؟
قال بصوت منخفض:
ـ عقد بيع.
مديحة مدت إيدها.
ـ هاته.
طارق رفع الورقة بعيد عنها.
ـ باسم مين؟
سكتت.
بص في الورقة.
وبعدين قال:
ـ باسم أمي.
بصيت له.
ـ وبتبيع إيه؟
قلب الصفحة.
سكت.
قلب صفحة تانية.
وبعدين بصلي.
ـ الشقة.
حسيت رجلي مش شيلاني.
ـ شقتنا؟
هز راسه.
ـ لأ.
ـ أمال؟
ـ شقة أبويا.
مديحة بدأت تعيط.
ـ أنا كنت بحاول أحافظ على حقك.
طارق لف لها.
ـ تحافظي على حقي ببيعها؟!
ـ اسمعني.
ـ إنتِ قلتيلي إن الشقة اتباعت من تسع سنين!
ـ الظروف اتغيرت.
ـ يعني إيه الظروف اتغيرت؟!
ـ أنا كنت خايفة عليك.
ـ خايفة عليا من إيه؟
سكتت.
ـ من مين؟
مديحة قعدت على الكرسي.
وبدأت تمسح دموعها.
ـ أبوك قبل ما يموت كان عليه ديون.
طارق قال:
ـ أنا عارف.
ـ بس الديون ما كانتش كلها.
سكت.
ـ كان في فلوس تانية.
ـ فلوس إيه؟
ـ فلوس ناس.
ـ يعني؟
ـ أبوك كان داخل في شراكة.
ـ مع مين؟
ـ مع عماد.
طارق اتجمد.
بصيت له.
ـ عماد اللي في الصورة؟
هز راسه ببطء.
مديحة قالت:
ـ آه.
ـ شريكه؟
ـ آه.
طارق قعد.
حط إيده على دماغه.
ـ بس أبويا كان موظف.
ـ كان بيشتغل بعد الشغل.
ـ في إيه؟
مديحة بصت في الأرض.
ـ استثمار.
ـ إيه نوع الاستثمار؟
سكتت.
طارق انفجر:
ـ ماما!
قالت:
ـ أراضي.
ـ أراضي فين؟
ـ مناطق كانت لسه بتتبني.
ـ وبعدين؟
ـ المشروع وقع.
ـ وفلوس الناس؟
ـ ضاعت.
ـ وضاعت إزاي؟
ـ مش عارفة.
ـ وإنتِ عرفتي منين؟
ـ أبوك حكالي.
طارق بص لها.
ـ قبل ما يموت؟
ـ بأيام.
الصمت نزل علينا.
أنا سألت:
ـ طب ليه عماد ظهر دلوقتي؟
مديحة ما ردتش.
طارق بصلي.
وبعدين لأمه.
ـ إنتِ بتقابليه من إمتى؟
ـ بقالنا فترة.
ـ قد إيه؟
سكتت.
قلبي دق.
ـ سنتين؟!
طارق قام.
ـ من وقت جوازي أنا ونورهان؟
مديحة سكتت.
طارق ضحك.
ـ يا نهار أسود.
قالت بسرعة:
ـ مكنش قصدي أضرك.
ـ مكنش قصدك تضريني؟!
ـ أنا كنت بحاول أحل المشكلة.
ـ أي مشكلة؟
ـ المشكلة اللي أبوك سابهالي.
ـ وإيه علاقتها بنورهان؟
أول ما قال اسم نورهان، حماتي بصتلي.
النظرة دي تحديدًا خلت جسمي كله يتجمد.
كأنها كانت مستنية السؤال ده.
قالت:
ـ هي ما لهاش علاقة.
ـ أمال ليه كنتِ بتراقبي مواعيدنا؟
سكتت.
ـ ماما!
مديحة قامت.
ـ أنا كنت خايفة.
ـ من إيه؟
ـ إن حد يدخل الشقة.
أنا ضحكت.
ـ يدخل شقتنا؟!
ـ آه.
مين؟
ما ردتش.
طارق بصلي.
وبعدين قال:
ـ ماما… حد كان بيحاول يدخل شقتي؟
هزت راسها.
ـ آه.
ـ مين؟
ـ مش عارفة.
ـ ماما!
ـ معرفش اسمه.
ـ طب إنتِ عرفتي منين؟
ـ كنت بشوفه.
ـ فين؟
ـ قدام العمارة.
ـ إمتى؟
ـ بالليل.
ـ وإنتِ عملتي إيه؟
ـ ولا حاجة.
ـ ليه؟
ـ كنت خايفة.
طارق قرب منها.
ـ وإنتِ كنتِ بتخليني أسيب نورهان لوحدها وأجيلك عشان تحميني من واحد واقف قدام العمارة؟
مديحة قالت:
ـ كنت خايفة عليكي.
ـ عليا أنا؟!
ـ آه.
ـ ولا على حاجة تانية؟
سكتت.
أنا حسيت إن الموضوع بيتفتح طبقة ورا طبقة.
قلت:
ـ طارق، افتح الدوسيه كله.
مديحة صرخت:
ـ لأ!
طارق بص لها.
ـ ليه؟
ـ عشان فيه حاجات تخص أبوك.
ـ أبويا مات من تسع سنين.
ـ بس أسراره لسه عايشة.
الكلمة دي خلتنا نسكت.
طارق فتح الدوسيه.
كان فيه عقود قديمة.
صور بطاقات.
إيصالات.
أوراق بنكية.
وصور.
صور كتير.
طارق بدأ يقلب.
وفجأة وقف.
سحب صورة.
بص فيها.
أنا قربت.
الصورة كانت قديمة.
أبو طارق واقف جنب عماد.
وفي الخلفية مبنى تحت الإنشاء.
وعلى الصورة تاريخ من حوالي عشر سنين.
طارق قال:
ـ دي فين؟
مديحة ردت:
ـ في مشروعهم.
ـ مشروع إيه؟
ـ مشروع النخبة.
طارق عقد حواجبه.
ـ المشروع اللي اتوقف؟
ـ آه.
قلب الصورة.
وراها كان مكتوب بخط اليد: “الأرض باسم مديحة”.
طارق رفع عينه.
ـ ليه الأرض باسمك؟
مديحة ما ردتش.
قلب صورة تانية.
نفس الأرض.
نفس المشروع.
وبعدين لقينا صورة لشخص ثالث.
راجل في منتصف العمر.
واقف مع أبو طارق وعماد.
طارق قرب الصورة من عينه.
ـ ده مين؟
مديحة بصت.
وشها اتغير.
ـ معرفوش.
قلت:
ـ واضح إنك عارفاه.
ـ قلتلك معرفوش.
طارق حط الصورة قدامها.
ـ ماما، أنا عارف وشك.
ـ إنت مش فاهم حاجة.
ـ يبقى فهميني.
ـ مش وقته.
ـ إمتى وقته؟
ـ لما تكون لوحدك.
طارق سكت.
أنا بصيت له.
ـ تقصد إيه؟
مديحة قالت:
ـ نورهان لازم تروح.
اتخنقت من جوايا.
ـ أنا؟!
ـ آه.
ـ ليه؟
ـ الموضوع عائلي.
ضحكت.
ـ من سنتين وأنا عيلتك لما تكوني تعبانة، ولما الموضوع بقى فيه عقود وراجل غريب وصور، بقيت مش من العيلة؟
مديحة بصتلي بحدة.
ـ إنتِ مش فاهمة.
ـ يمكن عشان محدش بيقولي.
طارق قال:
ـ نورهان هتفضل.
مديحة قامت.
ـ طارق، اسمع كلامي.



