
الجزء الثاني والاخير
الباب اتفتح ببطء…
وقلبي دق بعنف.
كنت مستعدة أشوف عمتي سامية.
لكن الشخص اللي ظهر قدامي ماكانش هي.
كان عم «حسن»، أقدم عامل في المزرعة.
الرجل اللي اشتغل مع أبويا أكتر من 30 سنة.
وقف عند الباب وبصلي للحظات، وبعدين قال بصوت منخفض:
—إنتِ لقيتي الجواب؟
حسيت إن الدم اتسحب من وشي.
—إنت كنت عارف إنه موجود؟
بص ناحية الممر بسرعة، وقفل الباب وراه.
—وطّي صوتك.
—ليه؟
—عشان لو سامية عرفت إنك لقيتيه، الموضوع مش هيقف على بيع المزرعة.
وقفت من مكاني.
—أنا عايزة أفهم. إيه اللي حصل هنا؟
عم حسن قرب من المكتب، وبص للجواب اللي في إيدي.
—أبوكي كان عايز يقولك الحقيقة.
—إمتى؟
سكت.
—قبل ما يموت بأيام.
—وليه ماقالش؟
عم حسن بلع ريقه وقال:
—لأن عمك فؤاد هدده.
اتجمدت.
—عمي فؤاد؟
—أيوه.
عمي فؤاد كان أخو أبويا الأكبر.
كان عايش في الإسكندرية، وعمري ما كنت بشوفه غير في المناسبات الكبيرة.
سألته:
—هدده بإيه؟
عم حسن هز رأسه.
—ماعرفش كل التفاصيل. لكن سمعتهم بيتخانقوا ليلة قبل ما أبوكي يدخل المستشفى.
—عن إيه؟
—عن ياسر.
قربت منه.
—قول لي كل اللي تعرفه.
بص لي طويلاً، وبعدين قال:
—بعد حادثة ياسر، أبوكي كان مقتنع إن اللي حصل مش حادث عادي.
اتسعت عيني.
—يعني إيه؟
—قال إن فرامل العربية اتلعب فيها.
رجعت خطوة للخلف.
—إيه؟
—وأنا شخصيًا كنت اللي شفت العربية قبل ما تتسحب.
صوتي خرج بصعوبة:
—وليه محدش قال لي؟
—لأن أبوكي منعنا نتكلم.
—ليه؟
—قال إن الكلام ده لو طلع برا المزرعة، ناس كتير هتتأذي.
قبل ما أقدر أسأله أكتر، سمعنا صوت عربية دخلت من البوابة.
عم حسن بص للساعة.
—المشتري.
قلت بسرعة:
—أنا مش هبيع.
بصلي وكأنه كان مستني الجملة دي.
—كنت عارف إنك هتوصلي للنقطة دي.
—إنت عارف مين المشتري؟
سكت.
—عم حسن!
قال أخيرًا:
—شركة اسمها النور للتنمية الزراعية.
الاسم ماكانش غريب.
أنا كنت سمعت عنه قبل كده.
شركة كبيرة بتشتري الأراضي الزراعية وتحولها لمشروعات سكنية.
لكن اللي غريب إن السعر المعروض كان أقل من قيمة الأرض بكتير.
قلت:
—أبويا عمره ما كان يوافق يبيع بالسعر ده.
عم حسن رد:
—أبوكي ماكانش ناوي يبيع أصلًا.
قبل ما أسأله، سمعنا خبط على الباب.
فتحته.
لقيت رجل في الخمسينات واقف ومعاه اتنين.
ابتسم وقال:
—مساء الخير. أنا الأستاذ مراد، ممثل الشركة.
رديت ببرود:
—أهلًا.
مد إيده بملف.
—جايين نخلص الإجراءات.
بصيت للملف.
—مش النهارده.
ابتسامته اختفت.
—لكن كان متفق إن البيع يتم بكرة.
—الاتفاق ده كان مع مين؟
سكت ثانيتين.
—مع عمتك.
—عمتِي مالهاش حق تمضي عقد بيع من غيري.
—إحنا عندنا توكيل.
مد إيده بورقة.
أخدتها.
ولما قرأتها…
لقيت توقيع أبويا.
لكن فيه حاجة خلتني أشك.
أنا كنت عارفة توقيع أبويا كويس جدًا.
والتوقيع ده…
كان شبهه.
لكن مش هو.
قلت:
—سيب الورقة عندي.
الرجل اتوتر.
—دي أصلية.
—وأنا هتحقق منها.
رجع خطوة.
—لو رفضتي البيع، هتتحملي المسؤولية القانونية.
بصيت له وقلت:
—لو الورقة سليمة، مافيش مشكلة.
لكن لو مزورة…
سكت.
وبعدين أخد رجاله ومشي.
بعد ما خرجوا، عم حسن قال:
—دلوقتي فهمتي ليه أبوكي كان خايف.
لكن قبل ما أرد، سمعت صوت من ورايا.
—إنتِ لسه بتدوري ورا حاجات مالكيش دعوة بيها؟
لفيت.
كانت عمتي سامية.
واقفة عند آخر الممر.
بصت لي وبعدين بصت لعم حسن.
—اطلع بره.
عم حسن ما اتحركش.
قلت:
—هو مش موظف عندك.
عمتي قربت.
—إنتِ مش فاهمة حاجة.
—يبقى فهميني.
—المزرعة عليها ديون.
—وأنا هراجع الديون.
—لو راجعتي كل حاجة، ممكن تخسري أكتر مما تتخيلي.
—إيه اللي ممكن أخسره؟
وشها اتغير.
—عيلتك.
الجملة دي خلتني أسكت.
لكن قبل ما أتكلم، ظهرت نجلاء من بعيد.
كانت واقفة عند مدخل البيت.
سمعت آخر جملة.
بصت لعمتي وقالت:
—كفاية يا سامية.
عمتي التفتت لها.
—إنتِ مالك؟
نجلاء قربت.
—عندي.
—إنتِ أصلًا ماكانش المفروض ترجعي هنا بعد اللي حصل.
نجلاء ردت:
—وأنتِ عارفة كويس ليه أبو محمود سمح لي أفضل.
عمتي وشها اصفر.
أنا لاحظت.
وسألت:
—إيه اللي حصل؟
نجلاء ما ردتش.
عمتي قالت بسرعة:
—ولا حاجة.
وبعدين دخلت غرفتها وقفلت الباب.
فضلت أبص لنجلاء.
—إنتِ عارفة حاجة.
قالت:
—أيوه.
—عن منة؟
سكتت.
—عن ياسر؟
دموعها لمعت.
—أيوه.
—مين أبو منة الحقيقي؟
نجلاء بصت ناحية البيت، وكأنها خايفة حد يسمعنا.
وبعدين قالت:
—أنا كنت مستنية اليوم اللي تسأليني فيه.
قلبي دق أسرع.
—يبقى قولي.
هزت رأسها.
—مش هنا.
—ليه؟
—لأن فيه ناس بتسمع.
بصيت حواليّ.
—مين؟
قربت مني وقالت بصوت يكاد يكون همسًا:
—الراجل اللي ياسر… كان بيدور على منة كمان.
اتجمدت.
—إنتِ بتقولي إيه؟
—أنا مش عايزة أخوفك.
—إنتِ خوفتيني فعلًا.
مسحت دموعها.
—في ليلة وفاة ياسر، هو اتصل بيا.
—مين؟
—أبو منة.
سألتها وأنا مش مصدقة:
—يعني إنتِ كنتِ تعرفيه قبل وفاة ياسر؟
هزت رأسها.
—أيوه.
—مين هو؟
فتحت بؤها عشان تجاوب…
لكن فجأة سمعنا صوت زجاج بيتكسر ناحية الصوبة الزراعية.
جريت أنا ونجلاء ناحية الصوت.
لقينا باب الصوبة مفتوح.
والأرض مليانة زجاج مكسور.
لكن الغريب…
إن ماكانش فيه أي حد.
دخلت جوه.
على الأرض كان فيه صندوق خشب صغير.
فتحته.
لقيت جوابات قديمة.
وتحتهم صورة.
رفعت الصورة.
كانت صورة ياسر واقف جنب رجل ماعرفوش.
لكن الرجل كان شايل طفلة صغيرة.
طفلة عمرها حوالي سنة.
منة.
قلبت الصورة.
وكان مكتوب على ظهرها:
«لو حصل لي أي حاجة، خلي سارة تعرف إن ده أبو منة.»
وتحت الجملة…
كان فيه اسم.
قرأت الاسم مرة.
ومرة تانية.
وساعتها فهمت إن السر مش بس هيقلب قصة العيلة…
ده ممكن يقلب حياتي أنا كمان.
لأن الاسم المكتوب على الصورة كان اسم شخص أعرفه جيدًا.
شخص كنت فاكرة إنه مات من سنين.
نكمل من لحظة اكتشاف الاسم، ومع كل إجابة هتظهر أسئلة أخطر.
فضلت ماسكة الصورة في إيدي وأنا مش قادرة أصدق اللي شايفاه.
اسم الرجل كان واضح:
«خالد عبدالسلام».
أخويا الكبير.
أخويا اللي كلنا كنا فاكرين إنه مات من أكتر من عشر سنين!
رفعت عيني لنجلاء.
—ده مستحيل.
وشها كان مليان خوف.
—أنا كنت عارفة إن اليوم ده هييجي.
—إنتِ عارفة إن خالد عايش؟
هزت رأسها ببطء.
—أيوه.
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
—من إمتى؟
—من يوم وفاة ياسر.
—وليه محدش قال لي؟
نجلاء سكتت.
صرخت:
—ليه محدش قال لي؟!
ردت بصوت مكسور:
—لأن أبوكي هو اللي طلب مني ماقولش.
—وأبويا كان عارف إن خالد عايش؟
—أيوه.
—وعمتي سامية؟
—كانت عارفة.
بصيت للصورة تاني.
ياسر واقف جنب خالد، وخالد شايل منة وهي طفلة.
لكن السؤال الأكبر كان:
لو خالد هو أبو منة…
إيه علاقته بنجلاء؟
وليه ياسر كان عارف؟
قلت:
—إنتِ كنتِ متجوزة ياسر… إزاي خالد يبقى أبو منة؟
نجلاء قعدت على كرسي خشب قديم.
—القصة بدأت قبل جوازنا.
قعدت قدامها.
—احكي.
تنهدت.
—قبل ما أتجوز ياسر، كنت أعرف خالد.
—يعني كان بينكم علاقة؟
هزت رأسها.
—أيوه.
سكتت لحظة.
—ولما عرفت إني حامل، خالد كان عايز يتجوزني.
—طيب؟
—أبوكي رفض.
—ليه؟
—قال إن خالد كان داخل في مشاكل كبيرة، وإنه لو اتجوزني هيضيع مستقبله ومستقبل العيلة.
—وده كان سبب جوازك من ياسر؟
دموعها نزلت.
—أيوه.
اتجمدت.
—يعني ياسر كان عارف؟
—كان عارف إن منة مش بنته.
فضلت ساكتة.
كل حاجة بدأت تركب فوق بعض.
السرية.
الجوابات.
خوف أبويا.
اختفاء خالد.
وموت ياسر.
لكن كان فيه سؤال أهم.
—لو ياسر كان عارف، ليه وافق يتجوزك؟
نجلاء مسحت دموعها وقالت:
—لأنه كان بيحبني.
الكلمة رغم إني ماكنتش طرف في الموضوع.
—وقال إنه هيعتبر منة بنته.
—وفعلًا؟
—أيوه.
—طيب ليه ؟
نجلاء بصتلي في عيني.
—عشان عرف حاجة ماكانش المفروض يعرفها.
—إيه؟
—عرف إن خالد مش مختفي بسبب المشاكل اللي أبوكي قالها.
قربت منها.
—يعني إيه؟
—خالد كان شاهد على عملية تزوير كبيرة تخص أرض المزرعة.
بصيت للصورة.
—مين زور إيه؟
—عمك فؤاد.
اتصدمت.
—فؤاد؟
—أيوه.
—بس ليه؟
نجلاء ردت:
—لأن فيه جزء كبير من أرض المزرعة ماكانش ملك أبوكي أصلًا.
حسيت بدوخة.
—إزاي؟
—الأرض كانت باسم جدتك.
—أيوه، وبعد وفاتها انتقلت لأبويا.
—مش كلها.
سكتت لحظة.
—كان فيه 18 فدان المفروض يتوزعوا بين أولادها.
—يعني بين أبويا وعمي فؤاد؟
—وأخوك خالد.
بصيت لها بعدم تصديق.
—خالد كان له نصيب في الأرض؟
—أيوه.
—وعشان كده اختفى؟
—مش بس كده.
نجلاء مدت إيدها للصورة.
—قبل وفاة ياسر بأسبوع، خالد رجع للمزرعة.
—ورآه؟
—قابل ياسر.
—واتكلموا؟
—واتفقوا إنهم يواجهوا أبوكي وفؤاد.
—وبعدين؟
نجلاء سكتت.
—نجلاء، وبعدين؟
قالت:
—بعدها بثلاث أيام حصل حادث ياسر.
سكتنا.
الهواء نفسه بقى تقيل.
قلت:
—إنتِ بتقولي إن ياسر؟
—أنا ماقلتلكيش كده.
—بس إنتِ قلتي إن الفرامل اتلعب فيها.
—لأن عم حسن شاف العربية.
—مين عملها؟
نجلاء هزت رأسها.
—ماحدش يعرف.
وقفت.
—طيب خالد فين دلوقتي؟
قالت:
—آخر مرة شفته كانت من ست سنين.
—يعني كان عايش بعد وفاة ياسر؟
—أيوه.
—وفين راح؟
—قال لي إنه هيسافر بعيد.
—ليه؟
—عشان يحمي منة.
في اللحظة دي، سمعنا صوت حركة بره الصوبة.
أنا ونجلاء بصينا لبعض.
—حد سمعنا؟
ما ردتش.
خرجنا بسرعة.
لكن المكان كان فاضي.
بس على التراب قدام الصوبة كانت فيه آثار عجلات عربية.
عربية كانت واقفة هنا من دقائق.
رجعت للبيت وأنا حاسة إن حد بيراقبنا.
أول ما دخلت، لقيت عمتي سامية واقفة في الصالة.
قالت:



