روايات وقصص

خطيبي القديم حكايات محمد نور

خطيبي القديم وأخويا دخلوا المحل يشتروا ورد. ابتسمت وقلت 380 جنيه.
من ست سنين، أخويا طردني من البيت وشنطة هدومي فاضية.
وفي نفس اليوم، الراجل اللي كان المفروض أتجوزه فسخ خطوبتنا قدام العيلتين.
أنتِ مش الست اللي كنت فاكرها يا إلهام.
بعد ست سنين، هما الاثنين ظهروا مع بعض قدام محل الورد الصغير بتاعي.
ومن شكل وشوشهم، كان باين كأنهم شافوا واحدة طالعة من القپر.
أنا اسمي إلهام السويفي، عندي تمانية وعشرين سنة، ومن ثلاث سنين بقيت صاحبة محل ورد اسمه روقان، في قرية صغيرة في الصعيد اسمها الوادي الهادي.
اخترت الاسم ده لسبب بسيط جداً.
بعد كل اللي عشته، كان كل أملي في الدنيا إن مفيش حاجة تحصل.
ولا حاجة غريبة.
ولا حاجة توجع.
ولا أي حاجة ليها علاقة بعيلتي.
كنت ببيع ورد، وأدفع الإيجار، وأشتري فستان كل ما أقدر، وأتعشى معظم الليالي مع خالة أم أحمد، ست الطيبين اللي ماسكة محل الكشري اللي جنبي.
محدش كان بيسألني أنا جاية منين.
وأنا كمان ما كنتش بحكي لأي حد.
لحد العصر ده في شهر يونيه.
الجو كان حر جداً لدرجة إنني كنت قاعدة قدام المحل، بقص وردة بلدي وشعري ملزق في رقبتي، لما سمعت صوت موتور هادي زيادة عن اللزوم على إنه يكون بتاع حد من أهل القرية.
رفعت عيني.
عربية مايباخ سودة وقفت قدامي.
نمرة القاهرة.
أربع تمانات في الآخر.
إيدي أتمشلت.
ثانية واحدة بس.
وبعدين كملت قص في الورق.
الباب الأولاني اتفتح.
نزل منه أدهم الألفي، خطيبي القديم.
طويل، شيك، بدلة كحلي متفصلة على المقاس، ونفس نظرة العين الباردة اللي فاكراها.
بعدها الباب التاني اتفتح.
وظهر طارق السويفي.
أخويا الكبير.
الراجل اللي من ست سنين رمى شنطتي في الشارع وقال لي
من النهاردة، ما أسمعش صوتك بتقولي لي يا أخويا.
خالة أم أحمد بصت لي
إلهام تعرفيهم يا بنتي؟
مسحت المقص بحتة قماشة.
لا.
هما الاثنين دخلوا.
طارق كان أول واحد ينطق
إلهام؟
نطق اسمي كأنه بيتأكد إنني حقيقة ومش خيال.
رفعت عيني وابتسمت بنفس الابتسامة اللي ببتسمها لأي زبون
مساء الخير. أؤمروا، محتاجين ورد إيه؟
وشه اتشنج
أنتِ قاعدة هنا طول الوقت ده؟
لو حابين تتكلموا، محل الكشري اللي جنبنا فيه كراسي. محلي صغير وحضراتكم مغطيين على النور.
خالة أم أحمد اضطرت تلف وشها عشان تخبي الابتسامة.
طارق كان شكله كأنه أكل قلم على وشه.
أدهم بقى، ما شالش عينه من عليا.
بص على المريلة بتاعتي

اللي متوسخة طين.
ذراعاتي اللي اسمرت من الشمس.
والتعويرات الصغيرة اللي في صوابعي.
من ست سنين بص لي بنفس الطريقة.
بس ساعتها، وقدام عيلتنا، زق علبة الخاتم ناحيتي وقال
إلهام، أنتِ ما تستاهليش تكوني مراتي.
أنا عيطت الليلة دي.
عيطت كتير أوي.
بس ست سنين كافيين يعلموا البني آدم حاجات كتير.
ومن ضمنها، إن في دموع غالية أوي على إننا ننزلها مرتين على نفس الشخص.
شاورت على بوكيه ورد
ورد بلدي أبيض، وياسمين، وفل. ثلاثمية وثمانين جنيه.
أدهم طلع محفظته وطلع فلوس كاش
هاتيه.
جهّزت البوكيه في عشر دقائق.
محدش فيهم اتكلم.
لما خلصت، سلمتهوله
غير المية كل يوم واقص الأطراف بالورب. ممكن يعيش معاك أسبوع.
أدهم مسك الورد.
صوابعنا حتى ما لمستش بعض.
وبعدين قال بصوت واطي
خسيتي أوي.
ابتسمت
الجملة دي المفروض تقولها للشخص اللي رايح تديله الورد.
حطيت الفاتورة على الكاونتر
شكراً لزيارتكم. طريق السلامة.
طارق أخد نفس عميق
إلهام، إحنا جايين ندور عليكِ.
خلاص لقيتوني.
أبونا عيان.
صوابعي اتسمرت على الخزنة.
بس ما رفعتش راسي
ألف سلامة عليه.
الحالة حرج جداً.
يبقى المفروض تكونوا جنبه.
طارق قفل إيده بجامد
عايز يشوفك.
المرة دي بصيت له بجد
من ست سنين أنا كمان كنت عايزة أشوفه.
طارق وشه اصفر.
أدهم نزل بوكيه الورد بالراحة.
وأنا كملت
قعدت اثنا عشر ساعة قاعدة قدام البيت. كانت بتمطر. كنت سخنة وما كانش معايا فلوس تكفي أجر أوضة في لوكاندا. اتصلت سبعة وثلاثين مرة.
وش طارق اتغير
إيه؟
ضحكت ضحكة خفيفة
باين كده الحتة دي ما تحكتلكش.
فتح بقه، بس مفيش كلمة طلعت.
ساعتها أدهم سأل
مين كان معاه تليفونك اليوم ده؟
طارق بص له.
أنا قفلت الخزنة
الموضوع ده ما بقاش يفرق خلاص.
إلهام
الحساب ثلاثمية وثمانين جنيه. والفلوس دفعتوها كاش. البيعة تمت.
طارق قرب مني خطوة
في حاجات لازم تعرفيها عن اللي حصل من ست سنين.
بصيت له من غير أي مشاعر
وأنا كمان عندي حاجة أنتوا لازم تعرفوها.
هما الاثنين اتسمروا مكانهم.
قلعت المريلة، طبقتها وحطيتها على الكاونتر وقلت
الست اللي أنتوا جايين تدوروا عليها دي ما بقتش موجودة خلاص.
وقبل ما طارق يلحق يصر على كلامه، صوت طفلة صغيرة جه من ورا المحل
يا ماما! خلصتي ولا لسة؟
وش أدهم جاب ألوان واصفر تماماً.
بنت عندها خمس سنين طلعت بتجري ناحيتي.
كانت ماسكة بوكيه صغير من ورد النرجس بين إيديها.
وعينيها كانت شبه
عينيه بطريقة تخوف.
أدهم نفسُه اتقطع
إلهام همس بصوت مكسور، مين البنت دي؟
يتبع…
حكايات محمد نور
البنت وقفت قدامي وهي بتضحك، ورفعت بوكيه النرجس الصغير ناحيتي.
ماما، بصي! أنا عملته لوحدي.
ابتسمت ومديت إيدي أخدته منها.
برافو يا حبيبتي بس إنتِ قصيتي الساق قصيرة أوي.
ضحكت.
عشان يبقى شبه اللي عندك.
حطيت إيدي على شعرها وقبلت راسها.
لكن لما رفعت عيني، لقيت أدهم واقف مكانه.
ما كانش بيبص للبنت بس.
كان بيبص لي أنا.
وبعدين للبنت.
وبعدين رجع لي تاني.
طارق كان واقف وراه، ووشه اتبدل تمامًا.
قال بصوت متقطع
اسمها إيه؟
رديت بهدوء
نور.
أدهم بلع ريقه.
نور نور إلهام إيه؟
نور إلهام السويفي.
المكان كله سكت.
حتى خالة أم أحمد بطلت تحرك المعلقة في كباية الشاي.
طارق قرب خطوة.
السويفي؟
بصيت له.
أيوه. بنتي.
أدهم حط إيده على طرف الكاونتر كأنه محتاج يسند نفسه.
بنتك عندها كام سنة؟
نور ردت قبلي
خمسة ونص.
عين أدهم اتثبتت عليها.
خمسة ونص.
حسبها في دماغه.
وشه اتغير.
لكن قبل ما يقول أي كلمة، أنا اتكلمت
لو جايين تشتروا ورد تاني، أنا تحت أمركم. لو جايين تسألوا أسئلة يبقى مش هنا.
طارق قال بسرعة
إلهام، لازم نعرف الحقيقة.
ضحكت بسخرية هادية.
الحقيقة؟
فتحت درج صغير تحت الكاونتر وطلعت منه ظرف بني قديم.
حطيته قدام طارق.
دي الحقيقة اللي كنتوا محتاجين تعرفوها من ست سنين.
طارق بص للظرف.
ما مدش إيده.
إيه ده؟
وصلات وتحويلات ومكالمات مسجلة.
أدهم رفع عينه لي.
مكالمات لمين؟
لأبوك.
طارق اتجمد.
أبويا؟
هزيت راسي.
أبوك ما كانش ساكت يوم طردني.
سكت لحظة، وبعدين قلت
هو كان فاكر إني خرجت من البيت بمزاجي.
طارق فتح الظرف بإيد مرتعشة.
أول ورقة كانت صورة إيصال.
التاريخ كان نفس يوم طردي.
وتحتها تحويل مالي.
وبعدها ورقة تانية.
وثالثة.
أدهم أخد نفس طويل.
مين كان بيبعتلك الفلوس؟
بصيت له.
ولا حد.
أمال التحويلات دي؟
كانت فلوس باسمي بس عمرها ما وصلتني.
طارق رفع عينه.
إلهام
قاطعت كلامه
حد كان بيسحبها قبلي.
السكوت وقع عليهم زي الحجر.
نور شدت في إيدي.
ماما إحنا هنروح البيت؟
ابتسمت لها.
آه يا حبيبتي.
أدهم فجأة قال
استني.
وقفت.
إيه؟
بص لنور.
ممكن أسألك سؤال؟
حطيت إيدي على كتف بنتي.
لأ.
صوته اتهز
بس أنا محتاج أعرف.
إنت مش محتاج تعرف أي حاجة تخصها.
طارق بص له باستغراب.
لكن أدهم ما اهتمش.
طلع من جيبه صورة قديمة.
وحطها
على الكاونتر.
الصورة كانت ليا.
من ست سنين.
واقفة جنب أدهم يوم كتب الكتاب اللي ما تمش.
لكن في ظهر الصورة كان مكتوب بخط إيد واضح
لو إلهام اختفت، محدش يدور عليها.
بصيت للصورة.
أول مرة من ست سنين إيدي بدأت تترعش.
أدهم

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى