روايات وقصص

حكايه مراد ونور الجزء الثاني للكاتبه ميمو صلاح

كأنها شافت عزرائيل نفسه داخل من الباب.

​دخل راجل في أواخر الخمسينات، لابس بدلة رمادي فخمة جداً، ملامحه كلها كبر وغرور، ماسك تليفونه على ودنه، ووراه اتنين حراس ضخام زي الحيطة.

​عاصم !

​عاصم نزل التليفون من ودنه ببرود وهو بيبص لمراد اللي واقف متصلب مكانه، عروق رقبته نافرة وعينيه بتطلع شرار كأنها جهنم، وقال بابتسامة صفرا مستفزة:

“مبتردش على تليفونك ليه يا مراد بيه؟ قولت أوفر عليك المجهود وأجيلك بنفسي لحد عرينك.. المستشفى بتاعتك نظامها الأمني ضعيف أوي على فكرة.”

​مراد كان بيتنفس بصعوبة بيحاول يسيطر على بركان الغضب اللي جواه، قبض إيده بقوة لحد ما عقل صوابعه ابيضت، وقال بصوت :

“خطوتك جوه المستشفى دي تمنها غالي أوي يا عاصم.. خروجك منها على رجلك هيبقى معجزة.. إيه اللي جابك هنا؟”

​عاصم ضحك بسخرية، ولسه هيتكلم، عينه وقعت على نور اللي واقفة جنب حنين، ووشها أبيض زي . ملامح عاصم اتغيرت، الابتسامة اختفت وحل مكانها نظرة ، وتقدم خطوتين ناحيتها.

​”إيه ده؟ نور؟ بنت زينب؟” قالها عاصم كأنه لقى كنز مفقود: “أنا قالب عليكم الدنيا بقالي شهرين.. كتر خيره مراد بيه وفر عليا وجمعني بيكم.”

​نور مقدرتش تستحمل، الرعب اتحول لغضب أعمى، وقفت قدام أختها كأنها لبؤة بتحمي شبلها، وصرخت بصوت مبحوح:

“اطلع برررره! إنت إيه اللي جابك هنا؟ إنت ميت بالنسبة لنا! من يوم ما رميت أمي في الشارع وهي في حنين عشان ترضي الهانم بتاعتك وإنت ! جايلنا ليه دلوقتي؟!”

“وطي صوتك وانتي بتكلميني.. أنا لسه أبوكي! وبعدين أنا مش جايلك إنتي، أنا جاي للي نايمة على السرير دي.. حنين.”

عاصم اتنهد بضيق، وطلع سيجار من جيبه وبدأ يولعه ببرود مستفز:

“ريان ابني.. أخوكي من شيرين هانم.. جاله لوكيميا في الدم وحالته متأخرة جداً.. الدكاترة قالوا الحل الوحيد هو زرع نخاع، وطبعاً أنا وأمه طلعنا مش متطابقين، وإنتي كمان مش متطابقة.. الوحيدة اللي تحاليلها متطابقة معاه بنسبة ١٠٠٪؜ هي حنين، عشان كده كنت بدور عليكم.”

​نور برقت عينيها بصدمة، مكنتش مصدقة البجاحة دي.. يعني هو سايبهم سنين من الجوع ، ودلوقتي جاي ياخد حتة من لحم أختها اللي لسه بتفوق من غيبوبة عشان ينقذ ابنه هو؟!

​”إنت شيطان.. إنت مستحيل تكون بني آدم!” صرخت نور بانهيار وهي بتضرب على صدرها: “ريان ابنك .. يغور في داهية! زي ما سيبت أمي تموت بوجعها.. زي ما سيبتني ألف في الشوارع أشتغل خدامة عشان أجيب لحنين الدوا! تموتوا كلكم ولا شعرة واحدة من أختي تتلمس.. ده على جثتي!”

​عاصم وشه احمر من الغضب، مفيش حد بيجرؤ يكلمه كده، رفع إيده بكل وكان هينزل بيها على وش نور بقلم ..

​بس قبل ما إيده تلمسها.. كانت في إيد تانية أقوى من الحديد مسكت دراعه ولواه ورا ضهره بحركة سريعة ​مراد!

​مراد كان واقف ورا عاصم، عينيه سودة من الغضب، وصوته طالع كأنه رعد:

“إيدك دي لو فكرت ترفعها عليها تاني، هقطعهالك وأرميها لكلاب الشوارع يا عاصم!”

​عاصم وهو بيتوجع وبيحاول يفلت من مراد، صرخ بغل:

“إنت يا مراد؟! بتتدخل في عيلة وبعضها ليه؟ دي بنتي.. واللي نايمة دي بنتي..  الوصي عليها، وهاخدها أعملها العملية غصب عنك وعنها.. واللي هيقف في طريقي هسحقه!”

​مراد زق عاصم بقوة خلاه يخبط في الحراس بتوعه، ووقف قدام نور وحنين كأنه جبل محدش يقدر يهدّه، وبص لعاصم بنظرة كلها تحدي واحتقار.

​”قانون إيه اللي بتتكلم عنه يا عاصم؟ قانون الغابة بتاعك؟ البنت دي دخلت مستشفى الألفي، ومحدش يقدر يخرج مريض من هنا من غير إذن مديره.. وإذني مش هيطلع لو السما انطبقت على الأرض!”

عاصم عدل بدلته وهو بينهج، وابتسم بخبث وشر:

“هتندم يا مراد.. بيني وبينك  أبوها والولي الطبيعي عليها، وساعتها مش هتقدر تفتح بوقك بكلمة.. أنا الجارحي، ومفيش حاجة تقف قصادي!”

​لف عاصم عشان يمشي، ونور وقعت على ركبها في الأرض ، حاسة إن الدنيا كلها اتقفلت في وشها. الراجل ده نفوذه كبير، وممكن فعلاً ياخد حنين عشان ينقذ ابنه المدلل. مسكت في بنطلون مراد وهي بتبكي بوجع يقطع الحجر:

“مراد بيه.. والنبي متخليهوش ياخدها.. هيموتها.. والنبي يا مراد بيه أنا مستعدة أشتغل خدامة تحت رجلك طول عمري بس احميها منه!”

​مراد نزل لمستواها، ومسك إيديها اللي بتترعش، قومها وقفها وراه، وبص لعاصم اللي كان لسه عند الباب وبيبصلهم بشماتة.

​مراد اتكلم بصوت هادي جداً، بس صدى صوته زلزل الأوضة كلها:

​”مش هتحتاج تجيب أمر نيابة يا عاصم.. ولا هتقدر تقرب منها ولا من أختها.”

​عاصم ضحك باستهزاء وهو بيبص لمراد من فوق لتحت: “ليه بقى؟ هتعمل إيه يعني؟ هتخطفهم؟ ولا مفكر نفوذك هيقف قدام حقي القانوني كأب؟”

​مراد حط إيده ورا ضهر نور، وضمها ليه بحماية قصاد عينين عاصم المصدومة، وقال كلمته اللي نزلت زي الصاعقة على الكل:

​”لأن نور من الليلة دي.. هتبقى حرم مراد الألفي.. المأذون في الطريق وهكتب عليها دلوقتي حالا! وبصفتي جوزها، أنا اللي هتكفل بيها وبأختها، وقانوناً مش هتقدر تاخد حنين أو تلمس شعرة منها إلا بموافقتي أنا.. ووريني هتقربلهم إزاي!”

​نور بصت لمراد بصدمة عمرها، أنفاسها وقفت، وقلبها دق بسرعة جنونية. جواز؟! من مين؟ من الراجل اللي لسه عارفاه من كام ساعة؟!

​عاصم عينيه جحظت من المفاجأة كأنه أخد ضربة على راسه، بس بسرعة استعاد توازنه وضحك ضحكة عالية كلها غل:

“بتلعب بالنار يا مراد! جواز متفصل في ساعتها عشان تحميها مني؟ أنا هثبت في المحكمة إنه جواز صوري، وساعتها هسجنك بتهمة التزوير والتلاعب في أوراق رسمية.. إنت مفكرني هسيب ابني يموت عشان حتة عيلة زي دي؟!”

​مراد ساب نور، وقدم خطوة ناحية عاصم، وعينيه بقت سودة من الغضب المكتوم:

“جرب تقرب من حرم مراد الألفي يا عاصم.. جرب بس ترفع قض.ية أو تبعت كلابك وراها.. وساعتها هفتح الدفاتر القديمة، وهخلي فضايحك وبلاويك اللي في المخازن تتصدر الجرايد.. إنت عارف كويس أنا أقدر أعمل إيه. خروجك من الباب ده دلوقتي هو الحاجة الوحيدة اللي هتخليك ترجع بيتك على رجلك!”

عارف إن مراد الألفي مش بيهوش، وإنه لو فتح النار عليه هيدمره. بص لنور بنظرة كلها وعيد وقسوة، ووجه كلامه ليها:

“هترجعيلي يا نور راكعة على ركبك وتترجيني أرحمك إنتي وأختك.. الألفي مش هيحميكي مني كتير!”

​لف عاصم وخرج بسرعة، ورجالته وراه، والباب اتقفل وراهم.بقلم الكاتبه ميمو صلاح

​أول ما الباب اتقفل، نور كأن الكهربا مسكت في . بعدت عن مراد بعنف، وصرخت فيه بصوت من الغضب والخوف:

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى