
كل الناس حاولوا يخلّوه ياكل، ففشلوا. أغلى الأكلات وأكثرها تعقيداً اتحطت قدامه في قصره المنيف، وأشهر الطباخين العالميين طبخوا له بنفسهم ليقدموا له أطباقاً تليق برجل أعمال يتربع على عرش الاقتصاد والمال. رجاله ومساعدوه الشخصيون كانوا يختبرون كل طبق قبله، ليثبتوا له أنه آمن من أي تلاعب في المكونات، وأن طعامه خالٍ من أي مفاجآت غير سارة.
لكن جابر لم يكن يبحث عن الأمان الغذائي، بل كان يصارع شبحاً أعمق بكثير.
جابر كان شايف الشك والتآمر في كل لقمة. لم يكن يخاف من مواد سامة أو عقاقير، بل كان يخاف من الخيانة، من الطعنات التي تأتي من خلف الكواليس، ومن صراعات الشركات الضارية التي استنزفت روحه وأوصلته إلى حافة الانهيار العصبي والنفسي. لقد نسي طعم الراحة وطعم الأمان تماماً وسط دوامة الاجتماعات الطارئة، والصفقات المشبوهة التي دبرها منافسوه الفاسدون للإيقاع بشركاته.
لحد ما في ليلة مطيرة، وجد نفسه يشعر باختناق داخلي شديد. غادر قصره الفخم دون أن يخبر أحداً، وركب سيارته الفارهة ليقود بلا هدفا واضح، باحثاً عن مكان ينتمي إلى العالم الحقيقي، عالم بعيد عن لغة الأرقام، والأسهم الهابطة، والخصوم الذين لا ينامون.
دخل مطهراً شعبياً قديماً، تخطت جدرانه عقوداً من الزمن، وقعد في زاوية بعيدة قدام بنت بسيطة بتشتغل نادلة لتكسب قوت يومها بجهدها وعرق جبينها.
البنت حطت قدامه طبق يخنة عادي جدًا، ينبعث منه بخار دافئ ورائحة توابل منزلية بسيطة، وقالت بهدوء:
— جرب… الأكلة دي مفيهاش حاجة تخوف، ولا وراها صفقات ولا عقود مبرمة.
أول معلقة دخلت بقه، جابر اتجمد تماماً.
لأن طعم الأكلة رجّعه بلمح البصر لذكرى عميقة من طفولته… ذكرى كان فاكر إنه دفنها للأبد تحت ركام السنين والنجاح المهني.
والأغرب؟ إنه رفع عينه للبنت المذهولة وهمس باسم شخص هي عمرها ما سمعته منه قبل كده.
الفصل الثاني: الاحتراق الوظيفي والعزل الإنساني
اسمي نور، وعندي 24 سنة. عمري ما كنت أتخيل إن وردية واحدة في مطعم شعبي منسي في آخر المدينة، هتخليني أقابل واحد من أهم وأثقل رجال الأعمال في البلد، رجل أحدث اسمه هزة في سوق المال.
اسمه جابر ح. الناس كانت بتقول إن جابر بنى إمبراطوريته التجارية على الذكاء الحاد، والعمل الشاق، والانضباط المطلق. لكن في الفترة الأخيرة، الضغط العصبي الهائل والاحتراق الوظيفي (Burnout) بدؤوا يقتلوه من الداخل.
قدامه في البنتهاوس الفاخر، كان فيه طبق ستيك عالمي غالي جدًا، سعره ممكن يساوي إيجار شقة ناس كتير لشهور طويلة. لكن جابر مكنش شايف أكل. كان شايف ضغوطاً متراكمة. ميزانيات مهتزة. صفقات فاشلة دبرها له مجلس الإدارة المنافس للإطاحة به. تسريبات سرية كادت تطيح بشركاته في السوق.
قبل أسبوعين، أقرب مساعديه التنفيذيين، بولي، انهار فجأة ونقل إلى المستشفى بسبب إجهاد حاد وإرهاق عصبي أدى به إلى هبوط إجمالي. ومن يومها، جابر فقد ثقته المطلقة في كل من حوله داخل بيئة العمل.
قال له ليث، أقدم مساعديه ومدير مكتبه المخلص:
— يا باشا، أرجوك لازم تاكل وتريح نفسك. أنت لم تذق طعماً حقيقياً منذ أيام.
جابر بص للطبق الفاخر من غير ما يلمسه بأي اهتمام. مد إيده الباردة، وبعدين رجعها بسرعة، وزق الطبق بعيد عنه.
صوت الخزف الفاخر وهو بيحتك بالترابيزة الخشبية الثقيلة كان الصوت الوحيد المسموع في الغرفة الواسعة.
— شيله من هنا، يا ليث. ماليش نفس.
— جابر، بالله عليك، صحتك تهمنا جميعاً…
قرب ليث خطوة بحذر.
— الكل قلقان عليك في الشركة، السوق كله بيراقب تحركاتك.
جابر رفع عينه له وقال بصوت متعب ونبرة باردة:
— السوق مش بيراقبني يا ليث، السوق مستني اللحظة اللي أنهار فيها تماماً عشان ينهشوا في شركتي.
في سن الثامنة والثلاثين، جابر نجا من أزمات اقتصادية طاحنة، ومطاردات مالية، وحروب استثمارية شرسة. بنى اسمه من الصفر، ونجح في فرض احترامه على الجميع. لكنه الآن وجد نفسه محبوساً جوه قصره المعزول… بيموت من الجوع العاطفي والنفسي، غير واثق في أي شريك أو موظف يحوم حوله.
عدت 8 أيام كاملة من غير ما ياكل وجبة حقيقية دافئة. بقى يشك في كل وعد، وكل تقرير مالي، وكل شخص يقرب من دائرته الضيقة.


