روايات وقصص

رقصت لوحدها بقلم شروق خالد 1

زعيم المافيا شاف المربية بترقص لوحدها في المطبخ نص الليل… وفضل بيتفرج عليها في صمت كانت أرضيات الرخام الباردة في قصر عيلة المنشاوي الواسع دايمًا قاسية ومفيهاش ذرة رحمة، بتعكس الواقع البارد والخطير للإمبراطورية اللي اتبنت فوقها. لكن في الساعة اتنين بعد نص الليل، ومن وسط الظلال التقيلة اللي كانت مالية الممرات الواسعة، وقف سليم المنشاوي، أخطر رجل في عالم الجريمة في مصر، ثابت تمامًا مكانه. هو ماكانش بيواجه واحد من خصومه.

 

كان بيتفرج على منة، مربية ابنه الصغير، وهي بترقص لوحدها تمامًا. كانت بتتمايل على إيقاع حميمي ماحدش غيرها كان سامعه، من غير ما تكون مهتمة إن حد يشوفها، ومن غير ما تحاول تخبي نفسها، وبطريقة كانت غريبة وساحرة في نفس الوقت وسط إضاءة المطبخ الخافتة. قصر المنشاوي، اللي كان مستخبي ورا بوابات حديد ضخمة في منطقة راقية ومعزولة في التجمع الخامس بالقاهرة، ماكانش شبه البيت قد ما كان شبه قلعة عسكرية.

كان محاط بسور حجري عالي، وكاميرات مراقبة في كل ركن، وحراس بيتحركوا طول الوقت في صمت، وأسلحتهم مخبّية تحت البدلات السودا الغالية اللي لابسينها. المكان كله كان بيفرض حاجة واحدة بس… الطاعة التامة. كان عالم مقفول على نفسه، الصمت فيه قانون، وكل موظف بيتحرك جواه كأنه شبح، والخوف كان متعلق في الحيطان زي الهوا. لكن بالنسبة لـمنة عبد الرحمن، اللي عندها ستة وعشرين سنة، القصر ده ماكانش غير مهرب.

مهرب بمرتب كبير جدًا، لكنه في نفس الوقت كان مكان منعزل بشكل مؤلم. منة، أو “منون” زي ما كان القليل جدًا من الناس بينادوها، قضت تمن شهور وهي بتعتني بـآدم المنشاوي، ابن سليم الصغير اللي عنده خمس سنين.

وفي الجو النضيف والبارد والمثالي زيادة عن اللزوم داخل القصر، وسط سيدات المجتمع الراقي اللي كانوا دايمًا حوالين عيلة المنشاوي، كانت منة حاسة إنها مختلفة عن المكان ده تمامًا. لكن اللي سليم ماكانش يعرفه… إن البنت اللي شايفها دلوقتي بترقص لوحدها في المطبخ، كانت بتخبي جواها حكاية أكبر بكتير من مجرد إحساسها إنها مش شبه الناس اللي حواليها. وكانت اللحظة دي بالذات… هي أول مرة سليم المنشاوي يشوف منة على حقيقتها. من غير خوف. من غير ارتباك. ومن غير ما تحاول ترضي أي حد. فضل واقف في الضلمة، ساكت، وعينيه ثابتة عليها. أما منة، فكانت لسه بترقص ومش عارفة إن أخطر رجل في مصر واقف على بعد كام خطوة منها… وبيشوف كل حاجة.#حكايات_شروق_خالد

سليم فضل واقف مكانه ثواني طويلة، عينيه ما اتحركتش من على منة. كان مستغرب. مش عشان هي بترقص، ولا عشان الوقت متأخر. لكن عشان دي أول مرة يشوفها بالشكل ده. منة طول تمن شهور كانت بالنسبة له مجرد اسم في ملف الموظفين. مربية آدم. بتشتغل، بتربي ابنه، وبعدين تختفي في أوضتها. لا بتطلب حاجة، ولا بتشتكي، ولا بتحاول تلفت نظره. لكن دلوقتي كانت مختلفة. لابسة تريننج واسع، وشعرها مرفوع بعشوائية، وفي إيدها معلقة خشب بدل الميكروفون، وكانت بتغني بصوت واطي وهي بتضحك لوحدها.

وفجأة… منة لفت حوالين نفسها، وخبطت في الكرسي. الكرسي وقع على الأرض بصوت عالي. اتجمدت مكانها. وبعدين سمعت صوت من وراها:

“خلصتي الحفلة؟”

الصوت كان هادي. هادي بشكل يخوف. منة بصت وراها، ولما شافته واقف عند باب المطبخ، وشها قلب ألوان.

“يا نهار أبيض!”

حطت إيدها على بقها بسرعة.

“إنت هنا من إمتى؟!”

سليم رفع حاجبه.

“من أول الأغنية.”

منة اتمنت الأرض تنشق وتبلعها.

“أنا… أنا كنت…”

“بترقصي.”

“عارفة.”

“لوحدك.”

“عارفة برضه.”

“والساعة اتنين الصبح.”

منة سكتت. سليم قرب خطوتين.

“طب ليه؟”

منة بصت للأرض وقالت:

“عشان آدم نام.”

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى