
الصبح طلع على القصر تقيل. سليم ما نامش طول الليل. كان قاعد في مكتبه قدام شاشات المراقبة، وكل كاميرا في القصر قدامه. لكن عينه كانت كل شوية تروح ناحية شاشة واحدة بس…الشاشة اللي بتجيب باب أوضة منة. فارس دخل عليه.”لسه صاحي؟” سليم ما ردش. فارس قرب.”لقيت حاجة؟”
سليم حط الموبايل قدامه.”الرسالة دي وصلت لي الساعة أربعة.”
فارس قراها.”يبقى عايزين يبعدوك عنها.”
سليم قال:
“مش بس كده.”
“إيه؟”
“عايزينها تكرهني.”
فارس سكت. سليم كمل:
“كل خطوة بيعملوها محسوبة. موضوع أبوها، الرسالة، المخزن… كل ده علشان يزرعوا الشك جواها.”
فارس قال:
“يبقى لازم تقول لها كل اللي تعرفه.”
سليم هز راسه.”هقول.”
منة كانت قاعدة على سريرها، ماسكة صورة قديمة لأمها. كل الكلام اللي سمعته كان بيلف في دماغها. أمك كانت السبب. لكنها ما كانتش مصدقة. أمها كانت أحن إنسانة عرفتها. مستحيل تكون عملت حاجة تخلي أبوها يختفي.
سمعت خبط على الباب.”منة؟”
كان صوت سليم.”ادخل.”
دخل وقعد بعيد عنها. منة قالت:
“عايزة أعرف كل حاجة.”
سليم بص لها.”أبويا كان داخل في شغل كبير مع رجال أعمال وسياسيين. أبوكي اكتشف إن فيه ناس بتسرق من الكل.”
منة سألته:
“وأمي؟”
“أمك كانت شاهدة على حاجة.”
“إيه؟”
“مش عارف.”
منة اتنهدت.”إنت بتقول مش عارف كتير.”
سليم ابتسم بحزن.”عشان دي الحقيقة.”
وبعدين حط قدامها ملف قديم.”ده كل اللي قدرت أوصله.”
منة فتحت الملف. صور. أسماء. تواريخ. وفي آخر ورقة…صورة لأمها.
ومكتوب تحتها:
الشاهدة رقم 7. منة شهقت.”إيه ده؟”
سليم قال:
“دي أول مرة أشوف الصورة دي.”
منة قلبت الورقة. وكان فيه عنوان قديم.”العنوان ده فين؟”
سليم أخد الورقة. وسكت.”في بيت قديم في السيدة زينب.”
منة قالت:
“لازم نروح.”
سليم رد فورًا:
“مش لوحدنا.”
بعد ساعات، خرج سليم ومنة مع حراسة مشددة.
لكن اللي ما كانوش يعرفوه إن حد كان بيراقبهم. العربية وقفت قدام البيت القديم. منة نزلت. كانت العمارة متهالكة، لكن أول ما شافت الباب، حسّت بإحساس غريب. كأنها شافته قبل كده. دخلوا. في الدور التالت، لقوا شقة مقفولة. سليم كسر القفل. دخلوا. الغبار مالي المكان. منة بدأت تبص حواليها. وفجأة…شافت دولاب خشب قديم. قربت منه. فتحت درج صغير. لقيت صندوق. جواه شريط كاسيت قديم. ومكتوب عليه بخط أمها:
“لمنة… لما تكبري.”
إيد منة بدأت ترتعش.”سليم…”
أخد الشريط. كان فيه جهاز قديم في الصالة. شغلوه. وصوت أمها خرج من السماعة.
“لو إنتي بتسمعي التسجيل ده، يبقى أنا ماقدرتش أقول لك الحقيقة بنفسي.”
منة بدأت تبكي. الصوت كمل:
“أبوكي بريء.”
سليم بص لها.”كنت عارفة إنهم هيحاولوا يبعدوه… وعشان كده خليته يهرب.”
منة شهقت.”لكن الشخص اللي خاننا…”
الصوت انقطع لحظة. وبعدين رجع:
“كان أقرب شخص ليا.”
منة بصت لسليم. وفجأة…سمعوا صوت باب الشقة بيتقفل. سليم قام بسرعة.”مين هناك؟!”
ولا رد. الحراس انتشروا. وفجأة النور انطفى. صرخة منة اتسمعت. سليم جرى ناحية صوتها.”منة!”
لكنها ما كانتش هناك. على الأرض كان فيه بس الموبايل بتاعها. وسليم لأول مرة في حياته… فقد هدوءه. صرخ:
“منة!”
وفي نفس اللحظة وصلته رسالة:
“لو عايز تشوفها تاني، تعالى لوحدك.”
وتحت الرسالة عنوان. سليم بص لفارس. فارس قال:
“دي خدعة.”
سليم رد:
“عارف.”
“يبقى مش هتروح.”
سليم بص له.”دي منة.”
“بس ممكن تكون نهايتك.”
سليم لبس جاكيته.”لو نهايتي تمن رجوعها، هدفع.”
في مكان بعيد…منة فتحت عينيها. كانت قاعدة على كرسي، وإيديها مربوطين.
قدامها رجل في الخمسينات. ولما شافت وشه…اتجمدت.”إنت؟!”
الرجل ابتسم.”فاكراني؟”
منة قالت:
“إنت كنت صاحب بابا.”
الرجل ضحك.”وأكتر من كده.”
منة بصت له بخوف.”إنت اللي خنتهم.”
ابتسامته اختفت.”أمك كانت السبب.”
“كداب.”
“أمك خانتني.”
منة هزت راسها.”أمي ما كانتش خاينة.”
الرجل قرب منها.”هتعرفي الحقيقة بنفسك.”
وفي اللحظة دي…باب المخزن اتفتح. وسليم دخل لوحده. من غير حراسة. من غير سلاح ظاهر. الرجل ابتسم.
“أهو جه.”
سليم وقف قدامهم.”سيبها.”
الرجل ضحك.”أول مرة أشوفك مستعد ترمي نفسك في النار عشان حد.”
سليم بص لمنة. وقال:
“أنا مش برمي نفسي.”
وبعدين رجع بص للرجل.”أنا جاي آخد اللي يخصني.”
منة دموعها نزلت. لأنها فهمت من نظرة سليم إن الليلة دي…يا إما هتنتهي الحرب…يا إما واحد منهم مش هيخرج من المكان ده حي.
الرجل ضحك وهو بيبص لسليم.”اللي يخصك؟”
سليم ما رمش حتى.”أيوه.”
الراجل قرب من منة وحط إيده على كتفها.”هي مش ملكك.”
سليم صوته بقى أبرد.”شيل إيدك عنها.”
منة كانت بتبص لسليم، وشايفة في عينيه غضب. لكن الغريب إن صوته كان هادي. الراجل ضحك.”إنت فاكر إنك تقدر تدخل هنا لوحدك وتخرج بيها؟”
سليم قال:
“أنا ما دخلتش علشان أخرج بيها بس.”
“أمال؟”
“دخلت علشان أنهي اللعبة.”
في اللحظة دي، باب المخزن اتفتح بعنف. دخل فارس ومعاه رجالة سليم من كل ناحية. الراجل اتصدم.”إنت قلت إنك جاي لوحدك!”
سليم ابتسم.”قلت كده.”
فارس ضحك.”هو ما قالش إن رجاله مش هيبقوا هنا.”
حصل اشتباك سريع. الحراس سيطروا على المكان، وسليم جرى ناحية منة وفك إيديها. أول ما اتحررت، وقعت في حضنه. سليم شد عليها بقوة.
“إنتي كويسة؟”
منة كانت تبكي.”كنت عارفة إنك هتيجي.”
سليم سكت لحظة. وبعدين قال:
“ما كانش ينفع ما أجيش.”
الرجل اللي خطفها كان بيصرخ من بعيد:
“إنت فاكر إنك كده عرفت الحقيقة؟!”
سليم بص له.”الحقيقة إيه؟”
الرجل ضحك.”اسأل أمك.”
سليم اتجمد.”أمي ماتت.”
الرجل رد:
“ماتت؟ ولا إنتو اتقال لكم إنها ماتت؟”
منة بصت لسليم. الصمت نزل على المكان.



