
وفي نفس الوقت، بدأت الشائعات تنتشر في البورصة وفي الصحف الاقتصادية. “الرجل الذي بات يحتاج إلى مساعدة ليقف على قدميه، لن يقدر على إدارة إمبراطورية بهذا الحجم طويلاً.”
جابر كان عارف كويس إن المستثمرين المنافسين مستنيين اللحظة اللي يقع فيها لتقسيم التركة. قال بنبرة حاسمة:
— جهز العربيات فوراً.
ليث بص له باستغراب وقلق:
— هنروح فين في هذا الوقت المتأخر يا باشا؟
جابر وقف بالعافية مستنداً إلى حافة المكتب.
— مش عارف تحديداً.
وبعد لحظة صمت أضاف:
— بس ابعدوني عن المكاتب، عن الأوراق، وعن كل المنافقين في محيط العمل.
الفصل الثالث: اللقاء في المطعم المنسي
بعد عشرين دقيقة، كانت ثلاث سيارات سوداء فخمة تسير ببطء وسط مياه الأمطار الغزيرة التي تغسل شوارع المدينة. جابر قاعد في المقعد الخلفي، ساكت تماماً، وباصص من شباك السيارة بصمت عميق.
المباني الفخمة للشركات الكبرى اختفت تدريجياً. الشوارع النظيفة والمضاءة أنوارها بدأت تفسح المجال لأزقة الأحياء الشعبية التي لم يعد جابر يهتم بها منذ سنوات طويلة.
فجأة، أشار لسائقه بصوت هادئ:
— اركن هنا، على جنب.
السواق بص وراه بدهشة:
— هنا يا باشا؟ في هذا الحي البسيط؟
— أيوه، هنا.
قدامهم كان فيه مطعم شعبي قديم، ولافتة النيون بتاعته نصها مطفي، تحمل اسم “مطعم عم صبري”. شكله مكان الناس بتروحه لما ميبقاش قدامها اختيار تاني، مكان يعبق بالبساطة والدفء الإنساني المفقود.
رجال جابر دخلوا الأول بحذر وتأكدوا من هدوء المكان وخلوه، وبعدها دخل هو بخطوات متعبة.
ريحة المكان كانت مختلفة تمامًا عن قصره الفخم وعن رائحة المكاتب المعقمة. رائحة قهوة تركية بايتة، زيت طهي خفيف، ودفء بشري حقيقي.
صاحب المطعم، عم صبري، وقف جنب الثلاجات وهو يفرك يديه بتوتر وترعش. جابر قعد في ترابيزة بسيطة في ركن هادئ وقال:
— اقفل الباب يا ليث، وخليه مطفأ الأنوار قليلاً من الخارج.
ليث قفل الباب الخشبي ونزل الستارة البسيطة. جابر بص لصاحب المطعم بنظرة متعبة ولكنها حازمة:
— اطبخلي حاجة بسيطة من عندك.
الرجل بلع ريقه باحترام:
— تحت أمرك يا فندم… عندنا أطباق منزلية خفيفة، شوربة، يخنة لحمة بالخضار…
جابر قاطعه بصوت خافت:
— عايز مكونات طازة ونظيفة، وبلاش تعقيد. أي طعام جاهز لا أريده.
عم صبري هز راسه بسرعة وراح باتجاه المطبخ الداخلي.
وراء باب المطبخ البسيط، كنت أنا واقفة أراقب ما يجري بفضول وقلق. اسمي نور. عندي 24 سنة، بدرس بجهد كبير عشان أخلص امتحانات التمريض النهائية، وبشتغل ورديات ليلية في هذا المطعم البسيط عشان أقدر أصرف على نفسي وأساعد عائلتي.
كل اللي كنت عايزاه الليلة دي إني أخلص ورديتي بسلام وأرجع لشقتي الصغيرة لأنام. لكن فجأة، دخل المطعم رجال ببدلات رسمية سوداء تبدو عليهم هيبة السلطة والمال.
عم صبري قرب مني وهمس بصوت مرتعش:
— يا بنتي، دول مش زبائن عاديين… ده جابر ح.، رجل الأعمال المعروف في البلد!
بصيت من فتحة الباب الصغير للمطبخ. كنت متوقعة أشوف شخصية متغطرسة ومغرورة. لكن اللي شوفته كان راجل مكسور من كثرة المسؤوليات. وجهه شاحب، كتافه محنية من ثقل الأعباء، وعينيه فاضية من البهجة.
فكرني بالكلاب الضالة الطيبة التي كنت أؤويها وأطعمها زمان ورا عمارة بيتنا القديم؛ خائفة، متعبة، وتحمل هموماً أكبر بكثير من طاقتها.
عم صبري كان بيحاول يجهز مكونات اليخنة وإيده بتترعش من الخوف والهيبة.
قلت له بهدوء:
— سيبه يا عم صبري، وأنا هكمل الطبخة بنفسي.
بص لي بخوف وتردد:
— نور، لأ، دول ناس كبار مش هينفع…
— لو فضلت بتترعش كده، هيشكوا فينا كلنا. خليني أتعامل.
دخلت المطبخ وبدأت أدور على مكونات نظيفة وبسيطة. قطعت قطع لحمة طازة، بطاطس، جزر مقطع بعناية، مرقة صافية، ورشة زعتر عطري، مع رشة قرفة دافئة وفلفل أسود مطحون طازج.
وأول ما ريحة اللحمة المحمرة بالبهارات والتوابل وصلت لأنفي… افتكرت فوراً الشقة رقم 4 القديمة. ورق الحيطان المتقشر. الدفاية القديمة اللي كانت بتبوظ كل شوية في الشتاء. وست اسمها روزا.
الست الطيبة اللي كانت بتقعد معايا وأنا صغيرة لما كانت أمي تشتغل ورديات مزدوجة في المستشفى. روزا علمتني أكلة واحدة عمري ما نسيتها أبداً: يخنة اللحمة بالطريقة المنزلية الخاصة.
كانت روزا دايماً تقول لي بابتسامة دافئة:
— السر مش في اللحمة الغالية يا نور، السر الحقيقي في التوابل وإيد اللي بيطبخ بحب وإخلاص.
حطيت المكونات في الحلة، وابتديت أقلبها بحرص. بعد حوالي خمس وثلاثين سنة… قصدي خمس وثلاثين دقيقة، رفعت الطبق البسيط بإيدي الاثنتين.
خمسة من رجال الحراسة كانوا بيراقبوني بعيون متيقظة وأنا ماشية بخطوات ثابتة نحو الطاولة.
وصلت للطاولة الخشبية البسيطة. حطيت الطبق قدام جابر برفق.
رفع عينه البهتة وبص لي، وبعدين نزل نظره للطبق. ريحة الزعتر، والثوم المحمر برقة، والقرفة الدافئة وصلت لأنفه المنهك.
قال ليث بصوت هادئ ومطمئن:
— كل مكونات الطبق طازة ومجهزة قدامنا يا باشا.
جابر مسك المعلقة ببطء شديد. إيده كانت تترعش قليلاً من الإرهاق. قرب المعلقة من فمه، وأخذ أول قمة.
سكت المكان كله في المطعم الصغير. ثانية… إثنين… تلاتة…




