روايات وقصص

دهبى امانى السيد

جوزي تاجر موبيليا وعنده فروع. جه في مرة وقال لي:

“هاتي دهبك كله، هبيعه عشان عايز أفتح فرع في مكان جديد.”

وافقت بدون تردد، ودخلت جبت علبة الدهب وادتهاله.

أخد العلبة من إيدي وعينيه بتلمع بفرحة، باس راسي وقالي:

“حقك عليا يا أم العيال، والله أول ما الفرع الجديد يقف على رجليه لأعوضك بالجرام وأجيبلك طقم ألماظ مش بس دهب.”

ابتسمت وطبطبت على كتفه. مكنش فارق معايا الدهب ولا الزينة، كان كل همي أشوفه ناجح وأكون في ضهره وسنده زي ما اتعودت.

مرت كام شهر وهو مسحول في التجهيزات، يخرج من الفجر ويرجع وش الصبح، والموبايل مبيفصلش رن. كنت بأعذره وأقول معلش، الشغل في الأول بيبقى تقيل، وكنت شايلة البيت والولاد لوحدي عشان ميشيلش هم حاجة.

لحد ما جه يوم الافتتاح الكبير.

لبست أحسن ما عندي وروحتله. المعرض كان آية في الجمال والفخامة، أنوار وديكورات والناس كلها جاية تبارك وتهني، وهو واقف وسط التجار زي الطاووس.

مش لوحده.

كانت إيدها متعلقة في دراعه بكل دلال. واحدة متزوقة ولابسة فستان سهرة لافت، ودهب الدنيا كله بيلمع في إيديها ورقبتها، نفس الدهب اللي بعتُه من شقاي وتنازلي عشان يلبسهولها.

وقفت متسمرة في مكاني، عيني مش مصدقة اللي شايفاه، ورجلي كأنها اتغرست في الأرض من هول الصدمة.

كان ماشي بيها بفخر، يضحك في وش التجار والمعازيم ويشاور عليها بصوت عالي وواثق ويقول:

“أحب أعرفكم بمدام نيرمين، شريكتي في الفرع الجديد، وشريكة حياتي ونور عيني.”

التصفيق والتهاني انهالت عليهم، وهي بترد بدلع وابتسامات نصر وتبص للحاضرين كأنها ملكت الدنيا.

في اللحظة دي، عينه جت في عيني.

وشه اتخطف، والضحكة ماتت على شفايفه للحظة، لكنه بلع ريقه ورجع رسم نفس البرود على وشه وكأنه ميعرفنيش، ولا كأني الست اللي شالت معاه الطين من الصفر، وباعت دهبها عشان يفتح الباب اللي يدخل منه غيرها.

حسيت بألم شديد في صدري، بس مسكت نفسي بالعافية، رفعت راسي ومسحت أي دمعة كانت هتنزل.

مشيت بخطوات تقيلة وسط الزحمة، الأرض كانت بتلف بيا وصوت المزيكا والضحك بيتحول لوشيش عالي في ودني، بس رفعت راسي وقربت منه ووقفت قباله بالظبط.

أول ما شافني قدامه، عينيه زاغت لثانية.

على الناحية التانية، كانت الدنيا بتلف بعبد الله بطريقة ميعلمش بيها إلا ربنا.

نيرمين أول ما حست إن الفلوس بتقل والبريق طفى، بدأت تعمل خناقات يومية وتطالبه بمصاريف خيالية ومظاهر هو مابقاش قادر عليها.

هو دخل في فخ الطمع، بدأ يسترخص في الخامات ويغش في التشطيبات عشان يلحق يسد الالتزامات اللي عليه، فبدأت البضاعة ترجعله بعيوبها، والزباين تشتكي، وسمعته في السوق بقت في الحضيض.

خلال سنة واحدة بس، التجار قفلوا الحنفية ومحدش رضي يديله متر خشب واحد بالآجل، والعمال سابوا ورشته لما اتأخرت مستحقاتهم.

اضطر يعرض أول فرع للبيع بثمن قليل عشان يسدد التزاماته، ونيرمين في أول لحظة ضيق رفعت عليه قضية انفصال وأخذت اللي قدرت تحصل عليه منه وغادرت.

وفي يوم كنت واقفة في الفرع الرئيسي بتاعي، لابسة أرقى ما عندي ووسط العمال والزباين والطلبيات بتتست على العربيات، لمحته واقف على الرصيف المقابل من ورا زجاج المعرض.

كان متبهدل، ضهره محني، ووشه شاحب والهم واكل ملامحه، باصص للنجاح والخير اللي ربنا كرمني بيه بعد ما كان فاكر إنه دفني.

بصيتله لثواني معدودة، من غير شماتة ولا كره، مجرد شفقة على راجل فكر إن الغدر ممكن يبني بيه بيت أو يصنع بيه اسم.

ورجعت أدير ضهري للشباك وأكمل شغلي، بعد ما ربنا كتبلي الرد العملي اللي مفيش أبلغ منه.

ممرتش دقايق ولقيت باب المعرض بيتفتح وصوت الجرس بيرن.

دخل بخطوات مترددة، باصص في الأرض. هدومه اللي كانت زمان من أغلى الماركات بقت مبهدلة وباهتة، ووشه شاحب وعينيه مكسورة، مفيهاش أثر للغرور اللي كان بيفرده عليا زمان.

العمال أول ما شافوه سكتوا وبصوا لبعض. كان في نظراتهم ألف معنى، نفس العمال اللي استغنى عنهم زمان، دلوقتي واقفين بكرامتهم وبياخدوا شقاهم أول بأول.

شاورت ليهم بإيدي يكملوا شغلهم، ووقفت ورا مكتبي بكل هدوء وثبات.

قرب عبد الله من المكتب، حط إيده المرتعشة على الحافة وسكت لثواني كأنه بيدور على صوت ضاع منه، وبعدها نطق بنبرة ذليلة تقطع القلب:

“إزيك يا أم العيال؟ ما شاء الله، ربنا يزيدك ويباركلك في رزقك ورزق ولادنا.”

بصيتله ببرود من غير ما أرد ولا أقطع صمته.

بلع ريقه وصوته انكسر أكتر:

“أنا…”

الكلمات طلعت منه بصعوبة، نفس الراجل اللي وقف وسط معازيمه يقول عليا “شغالة وجاية تشحت”.

سكت شوية، ورجعت ضهري لورا، وبصيت في عينيه وقولتله بصوت هادي ومسموع وواثق:

“زمان قلتلك إن المال الحرام مبيثمرش، وقلتلك إن حق الغلابة مبيضيعش بالفهلوة. إنت مكنتش شايف غير المظاهر والنفخة الكدابة، ودلوقتي بتدوق نفس الكاس اللي سقيتهولي، بس بفرق واحد… أنا لما اتكسرت وقفت على رجلي بشرفي وشقاي، لكن إنت وقعت عشان أساسك كان غدر وخيانة.”

قرب خطوة برجاء وقال:

“عشان خاطر العيال يا فوزية… هيرضيكي أبوهم يدخل في مشكلة كبيرة؟”

رديت بحسم مفيش فيه رجوع:

“العيال ليهم مصاريفهم ونفقتهم اللي القانون بيجيبها لهم. ميعرفوش عنك غير إنك أبوهم، ومش هدخلهم في تفاصيل قلة أصلك. لكن تدخل شريكتي أو تمد إيدك في لقمتي بعد ما خنت الأمانة؟ ده عشم إبليس في الجنة.

باب المعرض ده اتفتح بشقاي، وميدخلوش غير ولاد الأصول اللي بيعرفوا يحافظوا على العيش والملح.”

فتحت الدرج، طلعت ورقة بمبلغ صغير يكفيه ياكل بيه كام يوم، وحطيتها قدامه على المكتب:

“ده مش عطف عليك، ده ثواب لله عشان بس اسمك على شهادات ميلاد ولادي. تاخده وتخرج، ومتعتبش الباب ده تاني.”

بص للفلوس وبصلي، شاف في عيني نهاية حكايته.

وأنا وقفت وسط معرضي، وسجدت لربنا شكرًا، وأنا حاسة إن كل وجع وكل دمعة وكل لحظة صعبة عدت عليا، ربنا عوضني عنها بأيام أهدى ورزق أوسع وكرامة محدش يقدر ياخدها مني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى