
كان باقي ثلاثة أيام على عيد ميلادها التاسع والثلاثين، عندما دخلت ندى مكتب زوجها لتبحث عن الشاحن. لم تكن تبحث في أغراضه، لكن جهاز الكمبيوتر كان مفتوحًا على محادثة بين طارق ووالدته، الحاجة فوزية.
لفت نظرها اسمها في المحادثة.
كتبت فوزية:
“ها يا طارق، هتجيبلها إيه في عيد ميلادها؟”
رد طارق:
“أي حاجة يا أمي، هشوف.”
فكتبت والدته:
“متتعبش نفسك ومتدفعش فلوس كتير عليها. مهما حاولت تظهر نفسها كمهندسة ناجحة، هتفضل بنت الست اللي كانت بتشتغل في البيوت.”
قرأَت ندى الكلمات أكثر من مرة.
أما رد طارق فكان قصيرًا:
“خلاص يا أمي، متبدأيش. إنتي عارفة إنها لما تسمع الكلام ده.”
أغلقت ندى الكمبيوتر بهدوء.
لم تكن المشكلة في كلام فوزية وحده، فقد اعتادت خلال السنوات الماضية على بعض التلميحات التي تقلل من شأنها، لكنها كانت تتوقع من زوجها موقفًا واضحًا.
كانت تتمنى أن يقول لأمه إن احترام زوجته أمر لا يقبل النقاش.
لكن طارق اختار الصمت.
كانت ندى تذاكر على طاولة خشبية صغيرة، حتى حصلت على مجموع مرتفع ودخلت كلية الهندسة بجامعة عين شمس من خلال منحة تفوق.
ثم بدأت العمل والتدريب، حتى أصبحت مهندسة ديكور ناجحة ومديرة مشروعات في شركات كبيرة.
وقبل زواجها من طارق بسنوات، كانت قد اشترت شقتها من مالها الخاص.
لم تخجل يومًا من والدتها، ولم تعتبر العمل الشريف عيبًا.
لكن فوزية كانت ترى الأمور بطريقة مختلفة.
منذ أن التقت بندى، كانت تكرر عبارات عن “الأصول” و”العائلات الكبيرة”، وكأن النجاح والشهادة لا قيمة لهما إذا لم يولد الإنسان في عائلة معينة.
وعندما كانت ندى تشتكي لطارق، كان يرد دائمًا:
“أمي ست كبيرة وبتغير عليا، عدي كلامها.”
مرت أربع سنوات وندى تحاول الحفاظ على الهدوء.
وعندما كانت فوزية تأتي إلى منزلها دون موعد، كانت ندى تطلب منها بلطف أن تخبرها قبل الزيارة.
وعندما طلبت نسخة من مفتاح الشقة، رفضت ندى بأدب.
وعندما أرادت أن تجعل كل عطلة أسبوعية مناسبة عائلية تقوم فيها ندى بكل أعمال الضيافة، قالت لها:
“أنا بحب أزوركم، لكن لما أجي أحب أكون ضيفة زي باقي الناس.”
ومع ذلك، كان طارق يعود إليها ويلومها:
“حاولي تمشي الأمور مع أمي.”
لكن ندى بدأت تشعر أن المشكلة لم تعد مجرد خلاف عادي بين زوجة وحماتها.
كانت المشكلة في أن زوجها لم يكن يقف معها عندما تحتاج إليه.
وفي اليوم التالي، ذهبت ندى إلى صديقتها سارة، وهي محامية تعرفها منذ أيام الجامعة.
حكت لها ما حدث.
سألتها سارة:
“الشقة مسجلة باسمك لوحدك؟”
قالت ندى:
“أيوه، اشتريتها قبل الجواز بثلاث سنين.”
نظرت إليها سارة وقالت:
“يبقى لازم تعرفي الحقيقة كاملة قبل ما تاخدي أي قرار.”
مرت الأيام، واقترب موعد عيد ميلاد ندى.
وفي مساء الاحتفال، اجتمعت الأسرة داخل المنزل.
لكن الأجواء لم تستمر طويلًا.
ظهر موضوع قديم يتعلق برجل اسمه مدحت.
سألت ندى:
“مين مدحت؟”
فوزية تغيرت ملامحها.
قالت:
“واحد أعرفه من زمان.”
سأل طارق والدته:
“تعرفيه إزاي؟”
سكتت فوزية للحظات.
ثم قالت:
“مدحت كان زوج أختي.”
نظر طارق إليها بدهشة.
“يعني جوز خالتي؟”
أومأت برأسها.
لكن ندى كانت قد حصلت على معلومات أخرى جعلتها أكثر حذرًا.
كانت هناك تحويلات مالية وصلت إلى حساب باسم فوزية على مدار سنوات.
والأغرب أن بعض هذه التحويلات جاءت من حساب مرتبط بشركة يتعامل معها طارق في عمله.
لم تتهم ندى أحدًا.
كانت تريد أولًا أن تعرف الحقيقة.
في تلك الليلة، وبعد أن غادر الجميع، بقي طارق وندى وحدهما.
قال طارق:
“ندى، إحنا لازم نتكلم.”
أجابته:
“اتفضل.”
قال:
“إنتي ناوية تسيبيني؟”
نظرت إليه بهدوء.
“لسه مقررتش.”
سألها:
“يعني في فرصة؟”
قالت:
“على حسب.”
“على حسب إيه؟”
“الحقيقة.”
تنهد طارق وقال:
“أنا بحبك.”
ابتسمت ندى بحزن.
“الحب لوحده مش كفاية.”
سكت قليلًا ثم قال:
“أعمل إيه؟”
أجابته:
“متطلبش مني أصلح حاجة إنت ساعدت في إنها تتكسر.”
شعر طارق بثقل كلماتها.
قال:
“أنا آسف.”
ردت:
“أنا عارفة.”
ثم أضافت:
“بس أنا محتاجة أشوف موقف حقيقي، مش مجرد .”
وبعد لحظات، قالت:
“أنا لسه عندي أسئلة عن مدحت.”
أجاب طارق:
“هسأل أمي.”
لكن ندى هزت رأسها.
“لا. الموضوع أكبر من كده.”
سألها:
“يعني إيه؟”
قالت:
“التحويلات المالية اللي وصلت لوالدتك كانت مرتبطة بشركة بتتعامل معاها في شغلك.”
تغيرت ملامح طارق.
“إنتي متأكدة؟”
“أنا مش باتهم حد. أنا بس بقول إن في حاجة محتاجة تفسير.”
ظل طارق صامتًا.
دخلت ندى .
وبعد دقائق، رن هاتفها.
كان رقمًا غريبًا.
ردت:
“ألو؟”
جاءها صوت رجل:
“مدام ندى؟”
توقفت للحظة.
“أيوه، مين حضرتك؟”
قال:
“أنا مدحت.”
شعرت ندى بالارتباك.
“حضرتك عايز إيه؟”
صمت مدحت للحظات، ثم قال:
“أنا لازم أقابلك.”
“ليه؟”
“عشان أقولك الحقيقة قبل ما فوزية تقولها بطريقتها.”
زاد قلق ندى.
“حقيقة إيه؟”
قال:
“الحقيقة اللي لو طارق عرفها، هتغير نظرته لأمه تمامًا.”
سألته:




