
حَماتي كانت بتتمارض في كل مرة أنا وجوزي نعمل فيها أي خروجة أو خطة على مدار سنتين كان يجري يلحقها وأنا أفضَل قاعدة لوحدي. لحد ما جه ليل، وقالت إنها مش قادرة حتى تقوم من على السرير… أنا اسمي نورهان، عندي 33 سنة، وعايشة في التجمع مع جوزي طارق… من ساعة ما اتجوزنا، وحماتي مديحة جالها مرض غريب ومريب جدًا.
المرض ده مكنش بيظهر إلا لما نقرر نخرج أو نسافر.
لو حجزنا في مطعم، يجيلها نغزة في صدرها وتتعب فجأة.
لو حجزنا سينما أو مسرح، تحس بدوخة وهبوط.
لو قررنا نسافر الساحل أو العين السخنة نقضي الويك إند، تقول حرارتها أربعين وبتترعش.
وطارق دايماً كان رد فعله واحد: “دي أمي يا نورهان، مش هقدر أسيبها كده لوحدها”.
حاولت أستحمل وأتفهم الموقف. في الأول كنت بروح معاه، أعملها أكل وأقترح نطلب دكتور أو ننزل على المستشفى. لكن حماتي كانت بترفض دايمًا وبإصرار، وتاني يوم الصبح تصحى زي الحصان ومفيهاش الهوا.
في ليلة، وكنا رايحين نحتفل بعيد جوازنا، الموبايل رن: “يا طارق، الحقني يا بني، صدري مقفول ومش قادرة أتنفس”.
لغينا الحجز طبعًا، وأول ما وصلنا بيتها، لقيناها متغطية بالبطانية ونايمة بتأن.
“تحبي نطلب إسعاف حالاً يا طنط؟” سألتها بقلق. لقيتها قامت قعدت فجأة من غير أي أثر للتعب وقالت: “لأ لأ، متكبريش الموضوع، أنا بقيت أحسن خلاص”.
رجعت البيت ليلتها لوحدي، وماتخانقتش مع طارق، بس قررت أتأكد من شكوكي.
الأسبوع اللي بعده قولنا لها إننا رايحين حفلة كبيرة في الأوبرا، بس في الحقيقة مكنش فيه أي خروج ولا حجز. ويوم السبت، قبل ميعاد الحفلة المزعومة بساعة واحدة بالظبط، اتصلت وهي بتعيط من ألم فظيع مهدود حيلها منه.
طارق بصلي وأنا بصيتله. المرة دي مروحنلهاش. بعد ساعتين أخدت طارق بالعربية وعدينا قدام عمارتها. الشقة كانت كحل ومفيش نور شغال، وعربيتها مكانتش راكنة تحت العمارة.
طارق بدأ يفرك ويتوتر: “يمكن راحت طوارئ المستشفى؟”.
وفجأة الموبايل عندي رن بإشعار ستوري على إنستجرام لواحدة صاحبة حماتي. فتحت، ولقيت حماتي مديحة! لابسة فستان أحمر شيك، قاعدة في روف كافيه على النيل وبتضحك ملء شداقها وماسكة كاس في إيدها.
طارق اتسمر قدام الشاشة ومش مستوعب، بس الصدمة الأكبر مكنتش الفسحة، الصدمة كانت في اللي قاعد جنبها.
“ده عماد!”.
“مين عماد ده؟!”.
ماردش عليا، واتصل بأمه في ثانية:
“إنتِ فين يا ماما؟”.
“في سريري يا حبيبي، هموت من التعب والله”.
طارق لف شاشة الموبايل ناحيتي، والستوري كانت نازلة من تمان دقايق بالظبط.
“ماما، قوليلي تاني إنتِ فين بالظبط؟”.
سكتت لحظة، وبعدها قفلت السكة في وشه.
افتكرت طارق خلاص استوعب إن كل المرض ده كان تمثيل وفشخرة كدابة، بس ملامحه كانت مرعبَة من حاجة تانية خالص.
“فيه إيه يا طارق؟ مالك؟”.
عمل زووم على الصورة. ورا حماتي على الترابيزة كان فيه دوسيه مفتوح، ومكتوب عليه اسم شركة استثمار عقاري معروفة، وتحته مكتوب بخط الإيد: “شقة طارق م.”.
جسمي كله قشعر: “ليه فيه دوسيه مكتوب عليه شقة باسمك؟!و”.
طارق وشه شحب تماماً: “عشان دي شقة والدي الله يرحمه”.
“شقة والدك؟!و”. بصلي وقال بصوت مخنوق: “أبويا مات من تسع سنين، وماما قالتلي إنها باعتها علشان تسد ديونه ومصاريف تركاته!”.
بصينا في الصورة تاني بتركيز؛ عماد كان بيشاور على أوراق وعقود، ومديحة بتبتسم ومستعدة تمضي. طارق رن عليها كذا مرة، ماردتش.
وفجأة، جاتله رسالة SMS من رقم غريب ومش متسجل: “طارق، لو شفت الصورة والستوري، إياك تخلي أمك تمضي على أي حاجة”.
ورقة الليلة دي.
وقبل ما نستوعب، اتبعتت وراها رسالة تانية:
وقبل ما تسألها عن الشقة… اسألها ليه بقالها سنتين محتاجة تعرف بالدقيقة وبالثانية الأوقات اللي أنتوا مش موجودين فيها في البيت!
طارق رفع عينه وبصلي ودموعه محبوسة وصدمته شلتنا إحنا الاتنين و و و……حكايات_مني_السيد
الفصل الثاني
طارق رفع عينه وبصلي، ودموعه محبوسة جواها، وصدمته كانت أكبر من إنه حتى يحاول يخبيها.
فضل ماسك الموبايل في إيده، وعينه رايحة جاية بين الرسالتين والصورة.
أنا قربت منه وقلت:
طارق… إنت عارف مين اللي بعت الرسالة دي؟
هز راسه بالنفي:
لأ.
طب إزاي عرف إننا شفنا الستوري؟ وإزاي عرف موضوع الشقة؟ والأهم… إزاي عارف إن مامتك بقالها سنتين بتسأل عن مواعيد خروجنا؟
سكت.
سكت بطريقة خوفتني أكتر من أي إجابة ممكن يقولها.
بص قدامه من خلال إزاز العربية، وبعدين قال:
نورهان… أنا عايزك ترجعي العربية البيت.
نرجع؟!
آه.
وإنت؟
أنا هنزل.
مسكت إيده بسرعة:
هتنزل فين؟
عند أمي.
دلوقتي؟!
لازم أعرف الحقيقة.
وإنت لسه مصدق إنها في البيت ومريضة؟!
بصلي بنظرة غريبة:
لأ.
أمال؟
بلع ريقه وقال:
أنا مش خايف من اللي ماما عملته في موضوع المرض.
سكت شوية، وبعدين كمل:
أنا خايف من اللي كانت بتحاول توصله من ورا المرض ده.
كلامه خلاني أسكت.
لأول مرة من سنتين، حسيت إن كل المواقف اللي كنت باعتبرها مجرد تصرفات غريبة من حماتي، ممكن تكون أجزاء من حاجة أكبر بكتير.
قلت له:
يعني إنت كنت عارف إن في حاجة؟
كنت حاسس.
من إمتى؟
من أول شهر تقريبًا بعد جوازنا.
اتصدمت:
من أول شهر؟!
آه.
وفضلت ساكت سنتين؟
لأني كنت بفسر كل حاجة لصالحها.
ضحكت ضحكة قصيرة من كتر الصدمة:
لصالحها إزاي يا طارق؟! الست كانت بتعيى كل مرة نخرج فيها!
كنت بقول يمكن الوحدة بتخوفها… يمكن بعد وفاة أبويا بقت متعلقة بيا… يمكن بتخاف لما أسيبها لوحدها.
ولما تلاقيها تاني يوم زي الحصان؟
كنت بقول يمكن حالتها النفسية.
بصيت له وأنا مش مصدقة:
وإنت دكتور نفسي يعني؟
ابتسم ابتسامة مكسورة:
لا… أنا ابنها.
الكلمة دي وجعتني رغم إني كنت متعصبة.
لأن في اللحظة دي فهمت إن طارق كان مشكلته مش إنه غبي.
هو كان متعلق بأمه.
وأمه كانت عارفة ده كويس.
لكن الرسالة الأخيرة قلبت كل حاجة.
“اسألها ليه بقالها سنتين محتاجة تعرف بالدقيقة وبالثانية الأوقات اللي أنتوا مش موجودين فيها في البيت.”
فضلت أبص للجملة دي.
طارق.
نعم؟
هي كانت بتسألنا عن مواعيد خروجنا ليه؟
معرفش.
لأ… أكيد تعرف. هنكتشف.
وإنت هتنزل لوحدك؟
آه.
وأنا؟
بصلي:
إنتِ ترجعي البيت.
مستحيل.
نورهان، أنا مش عايزك تدخلي في الموضوع ده.
الموضوع بقى يخصني من لحظة ما حد حط عينه على بيتنا.
سكت.
قلت له:
وبعدين، لو أمك كانت بتخطط لحاجة، أنا مش هقعد في البيت لوحدي وأستنى أعرفها بعدين.
فضل ساكت ثواني.
وبعدين قال:
طيب.
نزلنا إحنا الاتنين.
لكن قبل ما ندخل العمارة، تليفون طارق رن.
بص للشاشة. رقم أمه.
رد فورًا:
ألو؟
جاله صوتها وهي بتعيط:
طارق… إنت فين يا حبيبي؟
بصلي.
إنتِ فين يا ماما؟
في البيت.
افتحي الباب.
سكتت.
طارق، إنت جاي؟
آه.
دلوقتي؟
آه.
ليه؟



