
ظللت جالسة مكاني على الكنبة في الصالون، بلا حركة. الصمت الذي ساد الفيلا كان مخيفاً، لم يكن مسموعاً فيه سوى صوت دقات قلبي وصوت الساعة القديمة التي كان والدي علقها في المدخل.
حسام ظل ينظر إليّ. مد يده بهدوء ووضع تقرير المعمل في يدي.
دينا.. تماسكي، يجب أن تستوعبي ما يحدث، ولا يجب أن تنهاري الآن.
صوتي خرج واطياً ومبحوحاً:
أنت.. أنت متأكد يا حسام؟ هل هناك احتمال أن المعمل أخطأ؟ أن العينة فسدت من الشمس مثلاً؟
حسام تنهد:
دينا، أنا أعمل كيميائي منذ عشر سنوات، وهذه ليست المرة الأولى التي أحلل فيها مركبات ضارة. المادة الموجودة في القطرة مادة غير آمنة، موضوعة بطريقة تسبب التهاباً تدريجياً وضرراً للقرنية، ومع كل يوم يزيد الضباب حتى يحدث تلف دائم.. من قام بهذه التركيبة ليس شخصاً يعالج، بل شخص يتعمد إضعاف نظرك ببطء حتى يبدو الأمر كمرض وراثي نادر كما أفهمك هو.
الدموع نزلت من عيني ساخنة، لكنها لم تكن دموع ضعف.. كانت دموع قهر. تذكرت حياتي مع طارق في السنتين الماضيتين. تذكرت أول يوم تقدم لي فيه، وتذكرت اهتمامه عندما توفي والدي، وإصراره أن يمسك كل شيء، وتذكرت أكثر شيء يوجع كل ليلة وهو يجلسني أمام التسريحة ويمسك وجهي ويقول: أغمضي يا حبيبتي.. لا تخافي، ويضع النقطة في عيني وأنا أتألم.
مسحت وجهي ورفعت رأسي لحسام:
والحل ماذا يا حسام؟ أنا محبوسة هنا ونظري ضعيف، ولو واجهته ماذا سيفعل بي؟
حسام اقترب وخفض صوته أكثر:
المواجهة الآن مخاطرة كبيرة يا دينا. طارق لو شعر أنك كشفتيه، قد يؤذيك بشدة ويقول إنك سقطت أو تعرضت لوعكة ومحدش سيسأل. نحن يجب أن نتصرف بذكاء أكبر منه.
أفعل ماذا؟
أول شيء، هذه القطرة لن تدخل عينك مرة أخرى من هذه اللحظة.. أنا أحضرت معي عبوة أخرى تشبهها بالضبط، نفس الحجم واللون، لكن هذه فيها محلول ملحي معقم ومرطب آمن للعين. عندما يأتي ليضع لك، ستمثلين أنه وضع من عبواته.. لكن المشكلة أنه هو الذي يحتفظ بالعبوة في جيبه أو في درج التسريحة.
فكرت وقالت له:
هو يترك العبوة في درج جانبي بجانبه، كل يوم قبل أن ينام يخرجها ويضع لي، ثم يعيدها ويغلق الدرج. أنا يمكنني استبدال السائل الذي داخل عبواته.. أفرغها وأضع مكانها المحلول الخاص بك!
حسام هز رأسه:
بالضبط، هذا ما سيحدث. وأحضرت لك أيضاً قطرة أخرى علاجية قوية لكي نلحق ما يمكن إنقاذه من القرنية. التقرير يقول إن الضرر لا يزال غير كامل، القرنية ملتهبة، لكن العصب البصري لا يزال يستجيب للضوء.. لو أوقفنا هذه المادة وبدأنا هذا العلاج في السر، نظرك قد يبدأ يعود تدريجياً خلال أيام!
الكلمة أعادت لي الروح.. يعني الأمل لا يزال موجود؟ يعني ممكن أرى النور مرة أخرى؟
حسام وضع يده على كتفي:
لكن بشرط يا دينا.. حتى لو بدأت ترين خيالات، أو رأيت طارق بوضوح، إياك أن تظهري! يجب أن تستمري في التظاهر بأنك لا ترين شيئاً، وتظهري أن حالتك تسوء أكثر، حتى نعرف هو ينوي على ماذا بالضبط ونمسك عليه دليل يحميك منه.
وافقت.
فجأة، سمعنا صوت سيارة خارج البوابة الحديدية!
قلبي سقط. حسام نظر من النافذة:
هذا زوجك عاد! سيارته تركن داخل!
شعرت بخوف شديد، طارق عاد مبكراً عن موعده بساعتين!
حسام، لو رأك هنا سيؤذينا! اخرج من الباب الخلفي للمطبخ الذي يؤدي لممر الحديقة.. بسرعة!
حسام أمسك يدي بسرعة:




