
أخفي التقرير يا دينا! إياك أن يقع تحت يده! وخذي عبوة المحلول هذه أخفيها في ملابسك الآن، وتذكري.. أنت لا ترين شيئاً!
جرى حسام على المطبخ، وأنا وقفت مكاني في الصالون، يدي ترتعش والتقرير في يدي. أين أخفيه؟
سمعت صوت مفاتيح طارق توضع في قفل الباب الرئيسي.
بسرعة، وضعت التقرير تحت وسادة الكنبة الكبيرة التي كنت جالسة عليها، وأدخلت عبوة المحلول داخل جيبي في الروب، وجلست على الكنبة، وأسندت ظهري ورجعت رأسي للخلف وتظاهرت أنني نائمة.
الباب انفتح، وصوت خطوات حذائه كان يقترب.
دينا؟ أنت لا تزالين جالسة هنا؟
فتحت عيني ببطء، مثبتة نظري في الفراغ أمامي:
طارق؟ عدت مبكراً لماذا؟
اقترب مني ووقف أمام الكنبة:
الاجتماع تأجل.. قلت أعود لأراك وأتغدى هنا. ما بك شكلك متعب؟ ورائحة الفيلا كأن أحداً كان هنا؟
توترت من الداخل، لكن تماسكت ورديت:
أحد من يا طارق؟ هل أنا أرى لكي أعرف من دخل ومن خرج؟ رائحة ماذا.. ربما رائحة هواء الحديقة عندما فتحت النافذة لأشم بعض الورد.
سكت قليلاً، ومشى في الصالة ينظر حوله. وصل حتى طاولة المطبخ، ثم عاد وجلس على الكرسي المقابل للكنبة.
على فكرة، الأستاذ وجدي المحامي كلمني، وينتظرنا غداً في مكتبه لكي ننهي موضوع التوكيل.
جسمي كله توتر، لكن حاولت ألا أظهر:
توكيل ماذا مرة أخرى يا طارق؟ ألم أقل لك عندما يتحسن نظري قليلاً وأستطيع قراءة الورق بنفسي؟
طارق ضحك ضحكة باردة، وقام واقترب مني، وأمسك يدي بقوة:
وهل نظرك سيتحسن يا دينا؟ لا تضحكي على نفسك.. الطبيب يقول إن الحالة تتدهور، ومن أجل مصلحتك ومصلحة أملاك والدك، يجب أن يديرها أحد قبل أن تتراكم الضرائب.. غداً سنذهب للشهر العقاري، ستضعين بصمتك وتنتهي الحكاية، مفهوم؟
نظرت في اتجاه صوته وكأنني تائهة، وقلت له باستسلام مزيف:
الذي تراه يا طارق.. أنا لم يعد يفرق معي شيء.
ابتسم، وشعرت بنبرة الانتصار في صوته:
هكذا عقلت. سأقوم أغير ملابسي وأحضر لنا فنجانين قهوة.
أول ما صعد للدور الثاني، قمت بسرعة. ذهبت للكنبة، أخرجت التقرير من تحت الوسادة، وذهبت لمكتبة والدي في زاوية الصالون.. مكتبة ضخمة مليئة بالكتب. كنت أحفظ مكان مجلد كبير لتاريخ مصر القديمة كان والدي يضع فيه تجويف سري يخبئ فيه الأشياء المهمة. فتحت الكتاب ووضعت التقرير بداخله وأعدته لمكانه بالضبط.
بعدها تسللت لغرفة النوم، فتحت درج جانبه بهدوء شديد، أخرجت عبوة القطرة الأصلية.. قمت بإفراغها والتخلص من محتواها، ووضعت مكانها المحلول المعقم الذي أحضره حسام!
أعدت كل شيء لمكانه، ودخلت الحمام الآخر، وأخرجت العبوة العلاجية التي أعطاني إياها حسام.. وضعت منها نقطتين في كل عين.
شعرت ببرودة وانتعاش أول مرة أشعر به من شهور!
مرت ساعات الليل وأنا مستيقظة. كنت أفكر في الغد، وفي حسام، وفي المحامي الذي اتفق معه طارق.
في الصباح، وأنا لا أزال في السرير، شعرت بنور الشمس يدخل من النافذة.. ولأول مرة منذ ثلاثة شهور، استطعت أن أميز أن النور ليس مجرد بقعة، بل بدأت أرى خيوط النور واضحة، ورأيت ظل الكرسي بجانب السرير يتشكل أمام عيني بوضوح أكبر! الأمل عاد، العلاج بدأ يعمل!
سمعت صوت طارق يدخل الغرفة، فأغمضت عيني فوراً وتظاهرت أنني نائمة.
اقترب من السرير، ووضع يده على كتفي:
دينا.. استيقظي، هيا لكي نلحق موعد المحامي والشهر العقاري.
فتحت عيني ببطء، ورغم أنني كنت أراه كخيال مهزوز لكن ملامحه بدأت تظهر، مثلت أنني لا أرى شيئاً، وقلت له بصوت نائم:
صباح الخير يا طارق.. هل الصباح طلع؟
نعم طلع، هيا اغسلي وجهك وخذي القطرة الخاصة بك أولاً.
أحضر العبوة التي بدّلتها بيدي، وأمسك وجهي:
هيا يا حبيبتي، أغمضي.
وضع النقط في عيني.. لم يكن هناك ألم، كانت مياه معقمة عادية، لكنني تظاهرت بالألم وقلت: آه.. كفاية يا طارق، تؤلم بشدة! حتى لا يعرف أنني بدلتها.
خرج من الغرفة ونزل للأسفل.
قمت بسرعة، لبست عباءة سوداء وطرحة ونظارة شمس سوداء كبيرة لكي أداري عيني. نزلت خلفه على السلم، وأنا أمسك بالدرابزين كأنني لا أرى، لكن في الحقيقة كنت أرى السلالم واحدة واحدة!
ركبنا السيارة، وطوال الطريق طارق كان سعيداً، فرحاً أن اللحظة التي سيضع فيها يده على ممتلكات والدي قد اقتربت.
وصلنا مكتب المحامي في مصر الجديدة.. دخلنا، واستقبلنا شخص اسمه وجدي.
أهلاً بمدام دينا، نورتي المكتب.. ألف سلامة عليكي.
جلست على الكرسي، ووجدي وضع ملف كبير أمامي على المكتب:
هذا التوكيل العام المالي والإداري، ومعه إقرار تنازل وإدارة لجميع الممتلكات والحسابات الخاصة بوالدك المرحوم.
طارق أمسك يدي ووضعها على الورقة:
انظري يا دينا، الورقة هنا، وجدي أحضر موظف الشهر العقاري لكي ننهي الحكاية هنا في المكتب ولا تتعبي في الزحمة.. ضعي بصمتك هنا وهنا.
من خلف النظارة السوداء، نظرت للورق.. نظري كان مهزوزاً لكن الكلمات بدأت توضح أمامي: تنازل غير مشروط عن جميع الحصص والفيلا الكائنة بالتجمع الخامس….
الرجل لم يكن يريد عمل توكيل إدارة فقط، بل كان يجعلني أوقع على عقد بيع وتنازل كامل عن كل ما أملك!
يدي كانت موضوعة على حبر البصمة، وفجأة، رن هاتف وجدي المحامي.
وجدي نظر للشاشة وتوتر، ونظر لطارق وقال:
ثواني يا طارق، مكالمة مهمة سأرد في الغرفة الأخرى وأعود حالاً.
قام وجدي، وطارق خرج خلفه للشرفة، وتركوني وحدي في المكتب مع موظف الشهر العقاري.
في تلك اللحظة بالضبط، وأنا أفرك عيني تحت النظارة، نظرت ناحية باب الشرفة الزجاجي الذي يقف خلفه طارق..
وفجأة، رأيت شيئاً جعلني أشعر بصدمة، شيئاً لم يكن طارق يتخيل أنني قد ألمحه.
رأيت سيدة واقفة في الشرفة مع طارق، سيدة طويلة ترتدي فستاناً أحمر وشعرها فاتح.. كانت قريبة منه وتضحك وهي تشير على الورق الذي في يده، ثم أمسكت بطنها التي كانت بارزة قليلاً، وطارق وضع يده على بطنها بطريقة لم أرها في عينه لي طوال السنتين الماضيتين!
هذه السيدة لم تكن غريبة..
هذه كانت شيرين! الفتاة التي كانت تعمل سكرتيرة في مكتب والدي سابقاً، والتي طردها طارق بعد وفاة والدي بحجة أنها غير أمينة!
اتضح أن شيرين حامل، وأنهما متفقان على كل شيء من البداية.. إضعاف بصري، والاستيلاء على الميراث، لكي يأخذا كل شيء ويبنيا حياتهما معاً بعد أن يتركوني في مكان بعيد!
عدت للخلف على الكرسي ويدي ترتعش من الغضب.. لكن هذه المرة لم يكن خوفاً، هذه المرة كانت رغبة قوية في استعادة حقي.
دخل طارق من الشرفة وهو يمسح وجهه ومبتسم:
ها يا دينا، هيا لنبصم لكي نمشي؟
نظرت له من تحت النظارة، وشعرت بقوة داخلي جعلتني أبتسم ابتسامة باهتة وأقول له:
من عيوني يا طارق.. هيا، دعنا ننهي كل شيء اليوم.
الجزء الثالث
طارق أمسك إصبع إبهامي الأيمن، ويده كانت متوترة، وضع إصبعي على حبر البصمة، ثم ضغط به على أول ورقة في الملف.
أحسنت يا دينا.. هكذا نحمي حقك.
موظف الشهر العقاري كان ينظر في شاشته، مد يده، أخذ الورقة الأولى وفتح الثانية:
البصمة الثانية هنا يا مدام.. تحت إقرار استلام كامل الثمن.
الكلمة رنت في أذني.. استلام كامل الثمن! يعني ليس فقط بيع وتنازل، بل أيضاً إقرار أنني استلمت ثمن منزل والدي وأراضيه والشركات نقداً، لكي بعد ذلك لو فكرت في رفع قضية، يقال إنني استلمت وليس لي شيء عند طارق.
الدم كان يغلي في رأسي، لكن عيني التي خلف النظارة السوداء كانت ترى كل تفصيلة. شيرين كانت لا تزال واقفة خلف زجاج الشرفة، تنظر إليّ بابتسامة وتنظم خصلات شعرها، تنتظر اللحظة التي ينتهي فيها التوكيل والبيع.
في اللحظة التي كان طارق يضغط فيها إصبعي على الورقة الثانية، قمت بحركة مفاجئة.. تظاهرت بالتوتر، وأوقعت كوب الماء الذي على المكتب بيدي اليسرى، وصرخت صرخة مكتومة وأسندت رأسي على المكتب:
آه.. عيني! لا أستطيع.. طارق ساعدني، أشعر بألم شديد في رأسي!
الماء غطى طرف المكتب والورق تحرك قليلاً، الموظف تراجع للخلف، وطارق توتر وأمسك كتفي بسرعة:
ماذا يا دينا؟ ما بك؟ ماذا حدث فجأة؟
قمت وأنا أهز رأسي، ووضعت يدي الأخرى التي بها حبر على عيني كأنني أدلكها، لكن في الحقيقة لطخت الورقة الثانية ببقعة حبر سوداء كبيرة أفسدت مكان البصمة.
ألم فظيع.. أشعر بدوار ولا أستطيع التنفس.. لا أستطيع أن أجلس، خذني للمستشفى يا طارق!
وجدي المحامي دخل يجري على صوت الكوب:
ماذا يا جماعة؟ خير يا أستاذ طارق؟
طارق كان وجهه محتقناً، ينظر للورقة التي تلطخت بالحبر، كان يريد أن يصرخ لكن وجود الموظف والمحامي قيده:
لا شيء يا أستاذ وجدي.. السيدة تعبت فجأة.
موظف الشهر العقاري جمع حاجته:
هكذا الورقة هذه تلفت وتحتاج طباعة من جديد وتسجيل برقم جديد.. والنظام سيغلق بعد ربع ساعة، لن نلحق اليوم.
طارق ضغط على أسنانه:
والأولى؟ الورقة الأولى تم التوقيع عليها!
الموظف رد ببرود:
الإقرار مرتبط بالعقد، لا يمكن تسجيل نصف المعاملة وترك النصف الآخر.. إما تأتوا غداً صباحاً مبكراً، أو نحدد موعداً جديداً الأسبوع القادم.
شيرين من خلف الزجاج ضربت بقدمها في الأرض بغضب ودخلت الغرفة الداخلية حتى لا تظهر.
طارق أمسك ذراعي بقوة وهو يسندني ظاهرياً:
حسناً يا وجدي، جهز الورق من جديد وغداً الساعة التاسعة صباحاً سنكون عندك.
نزلني على السلم، وكل خطوة كان يضغط على كتفي. ركبنا السيارة وأغلق الباب بغضب، وجلس خلف عجلة القيادة وضرب بيده على المقود:
ألم تكوني قادرة على التحمل دقيقتين إضافيتين؟ دقيقتين فقط ننهي هذه المشكلة؟ ماذا حدث لك فجأة؟
أرجعت ظهري للخلف وقلت له بصوت ضعيف:
غصب عني يا طارق.. أنا أشعر بألم، عيني أشعر فيها بألم يقطعها.. ألم تضع لي القطرة صباحاً؟ هي تفعل بي هكذا طوال الوقت، ألم تقل لي هذا مفعول العلاج؟
كلامي جعله يسكت.. تذكر أن المادة غير المناسبة التي كان يضعها هي التي من المفترض أنها تضعف عيني وتسبب الألم، فلم يستطع أن يجادل أكثر.
طوال طريق العودة للتجمع، كنت أنظر من النافذة من خلف النظارة السوداء.. الدنيا بدأت تمتلئ بالألوان من جديد! رأيت السيارات، ورأيت اللافتات، ورأيت وجهه هو أيضاً في المرآة وهو يفرك ذقنه ويرسل رسائل سريعة.
نظرت على شاشة هاتفه التي كانت موضوعة على الحامل بجانب عجلة القيادة، ولأن الخط كان كبيراً ونظري يتحسن، استطعت أن ألمح اسم شيرين:
هذه الفتاة يجب أن توقع غداً يا طارق.. الشيكات التي علينا في معرض الأنتيكات سيتم سحبها الأحد القادم ولو لم ينته الورق سنواجه مشكلة كبيرة.. تصرف معها!
رد عليها بكلمة واحدة: غداً كل شيء سيكون لنا، اصبري.
وصلنا الفيلا بعد الظهر. فتح البوابة، وأدخلني حتى غرفة النوم، وأغلق الباب بالمفتاح من الخارج كعادته بعد أن تأكد أنني نمت على السرير:
أنا نازل لدي مشوار في المعرض لكي أرتب الحسابات، وراجع بالليل.. لا تذهبي لأي مكان.
أول ما سمعت صوت سيارته ابتعد عن الفيلا، قمت بسرعة.
دخلت الحمام، غسلت وجهي بماء بارد، ووضعت القطرة العلاجية التي أعطاني إياها حسام.. الرؤية اتسعت أكثر.
جريت على الهاتف الأرضي، وطلبت رقم حسام الذي حفظته عن ظهر قلب.
رد من أول رنة:
ألو.. دينا؟ طمنيني، أنت بخير؟ ماذا فعلت في الشهر العقاري؟
حسام.. اسمعني جيداً، الوضع أصبح خطيراً، والوقت ضدنا.. طارق على علاقة بشيرين السكرتيرة، وهي حامل، وهما مدينان بمبالغ كبيرة في المعرض وينويان أخذ التنازل غداً صباحاً بالقوة لكي يهربا بالمبلغ ويتركاني بلا شيء!
حسام انصدم:
شيرين؟ الفتاة التي كانت تعمل عند والدك؟ هذه كانت قد تركت العمل منذ سنة!
نعم هي.. وينتظران غداً لكي يسجلا البيع النهائي. أنا عطلت البصمة اليوم وتظاهرت بالإغماء، لكن غداً لن أستطيع الهرب.. يجب أن نتصرف الليلة، يجب أن أوقف كل شيء قبل طلوع الشمس!
حسام فكر ثوان وقال بحزم:
أنا قادم للفيلا حالاً.. معي محامي من أصدقائي موثوق جداً، ويعمل في قضايا التزوير. يجب أن نفتش مكتب طارق في الفيلا ونخرج كل المستندات والشيكات والتقارير الطبية غير السليمة التي كان يخدع بها الأطباء.. سأكون عندك في نصف ساعة، افتحي لي الباب الخلفي.
أغلقت الخط ونزلت على مكتب والدي في الدور الأرضي.. المكتب الذي كان طارق يمنعني من دخوله منذ أن ضعف نظري، وكان يضع عليه قفل إلكتروني برقم سري.
وقفت أمام لوحة الأرقام.. تذكرت حركة أصابعه وصوت النقرات عندما كنت أقف قريبة منه سابقاً: أربعة، سبعة، اثنان، واحد.. تاريخ ميلاد شيرين!
ضغطت الأرقام، وسمعت صوت الفتح.. الباب انفتح!
دخلت المكتب، رائحة أوراق والدي كانت تملأ المكان. فتحت الأدراج، وبدأت أفتش بسرعة.
وجدت ملفاً أزرق مخفياً في قاع الخزنة الصغيرة خلف اللوحة المعلقة.. فتحته، وكانت الصدمة الثالثة:
شهادة وفاة والدي الأصلية.. مرفق معها تقرير طبي خاص بوالدي!
قرأت السطور ويدي ترتعش:
العثور على مواد غير طبيعية في دم المتوفى، مما أدى إلى توقف القلب بشكل مفاجئ…
والدي لم يرحل بشكل طبيعي كما فهمني طارق! والدي تعرض لأذى بنفس الطريقة التي كان طارق يضعف بها بصري!
طارق تسبب في رحيل والدي أولاً لكي يسيطر على نفوذه، والآن كان يضعف بصري ويتخلص مني لكي يأخذ التركة كلها لشيرين وطفلها!
دموعي جفت وحل مكانها غضب شديد.
سمعت طرقاً خفيفاً على شباك المطبخ.. جريت وفتحت، وكان حسام ومعه رجل أربعيني يلبس نظارة طبية وبدلة، شكله وقور جداً.
هذا الأستاذ سامح القاضي، محامي متخصص في القضايا الجنائية.. حكيت له كل شيء في الطريق.
سامح مد يده:
أهلاً يا مدام دينا، لا تقلقي، حقك سيعود بالقانون.. لكن يجب أن نثبت الواقعة.



