روايات وقصص

جوزي كان السبب في ج 2 حكـايات مني السيد

المتر سامح جلس على طرف الكرسي الجلد في مكتب والدي، فتح حقيبته الجلدية السوداء وأخرج منها ثلاث أجهزة صغيرة جداً بحجم زرار القميص، ومعها شريحة تسجيل رقمية مربوطة بسيرفر مشفر على هاتفه.

بصي يا مدام دينا، القانون المصري لا يعتمد التسجيلات إلا بإذن نيابة لو كانت بدون علم الأطراف، لكن في حالة التلبس والدفاع عن النفس ضد ضرر مستمر، هذا التسجيل سيكون دليلاً قوياً جداً في النيابة. سنضع كاميرا بمايك صغير هنا خلف فازة الورد، وواحدة أخرى في الصالون داخل علبة المناديل، وواحدة في مدخل الطرقة.

حسام أمسك يدي وقال بصوت دافئ لكنه مليان حزم:
دينا، الليلة دي محتاجة أعصاب قوية. طارق داخل الفيلا معتقد أنك إنسانة مستسلمة، ضعيفة ومستنية بكرة الصبح عشان توقعي. لو شعر بنظرة ثابتة، لو شعر أنك تتحركين بثقة زيادة، سيشك.. والشخص المخادع عندما يشك يتصرف بتهور شديد.

نظرت لحسام وقلت وأنا أضغط على شفايفي:
لا تقلق يا حسام. الألم الذي عشته شهور علمني كيف أتماسك. سأعطيه الأمان لأبعد حد، سأجعله يشعر أنه مسيطر تماماً.

المتر سامح جهز الكاميرات وشغل التجربة على هاتفه، ونظر لي:
نحن لن نبتعد. سأبلغ رئيس المباحث في قسم التجمع، بيني وبينه معرفة قديمة وسأحكي له خلفية البلاغ عن الإيذاء المتعمد ومحاولة الإضرار، وسنكون بسيارتنا على أول الشارع خارج الكومباوند ننتظر الإشارة منك. أول ما يعترف على نفسه وعلى شيرين بما فعل، ارفعي ستارة شباك الصالون الكبير، هذه ستكون الإشارة التي سنتحرك عليها مع القوة.

أغلقنا المكتب وأعدنا كل ورقة في الخزنة لمكانها بالضبط، ومسحت الرقم السري من على اللوحة بقماشة حتى لا يشك. سامح وحسام خرجا من الباب الخلفي للمطبخ واختفيا وسط ظلام الحديقة.

صعدت للدور الثاني، دخلت الحمام، ونظرت في المرآة.
لأول مرة من شهور أرى وجهي بوضوح كامل.. رأيت الإرهاق، لكن رأيت أيضاً في عيني قوة لم تكن موجودة من قبل. وضعت نقطتين من القطرة المرطبة، ولبست نفس الروب، وعدت وجلست على طرف السرير في الظلام.

الساعة دقت الحادية عشر ليلاً.
صوت البوابة الحديدية انفتح بالخارج. سيارة طارق دخلت. سمعت صوت خطوتين، ليس خطوة واحدة.. صوت كعب عالي كان يطرق على رخام المدخل.
شيرين جاءت معه!

قلبي دق بسرعة، لكن تنفست بعمق وهدأت نفسي.

سمعت ضحكتها وهي داخلة الصالة:
يا طارق قلت لك بلاش آجي هنا، افرض شعرت بشيء أو سمعت صوتي؟
تشعر بماذا؟ هذه بالكاد تسمع، ومرهقة من الأدوية والقطرة. بعدين هي خلاص، بكرة الصباح ستوقع على البيع النهائي، وبعدها بأسبوع ننقلها لمكان بعيد ونقفل هذه الصفحة تماماً.

سمعت خطواته تصعد السلم خطوة خطوة.
أغمضت عيني نصف إغماضة وتركت جسمي مرتخياً. باب الغرفة انفتح بهدوء، ودخل طارق وهو يتسلل. وقف بجانب السرير، مد يده وحركها أمام عيني يمين وشمال ليتأكد أنني لا أستجيب. ظللت مثبتة نظري.

اقترب وقال:
دينا.. يا دينا، مستيقظة؟
تحركت ببطء، وتظاهرت أنني أصحو مفزوعة، ومددت يدي في الهواء أبحث عنه:
طارق؟ أنت جئت يا حبيبي؟ الساعة كم الآن؟
أمسك يدي وقال بصوت ناعم:
الساعة الثانية عشر يا روحي.. جئت أطمئن عليك وأرى عينك بعد تعب الصباح.

قلت بتمثيل متقن:
هل يوجد أحد بالأسفل يا طارق؟ سمعت صوت كعب وباب يغلق كأن هناك سيدة بالأسفل؟
طارق توتر ثانية:
سيدة من يا دينا؟ لا يوجد أحد.. هذه عاملة جديدة اتفقت معها تأتي لترتيب المطبخ. لا تقلقي، نامي أنت وأنا نازل أراجع بعض الفواتير.

قلت: ممكن تنزلني معك للصالون أجلس قليلاً؟ الغرفة تضايقني.
تردد ثانية، ثم قال:
حسناً، تعالي أسندك.

أمسك ذراعي ونزلني على السلم واحدة واحدة، وأنا أمشي بخطوات مهزوزة وأتحسس الدرابزين كأنني أتعلم المشي من جديد.

وصلنا الصالون، وشيرين كانت جالسة على الكنبة الكبيرة، حاطة رجل على رجل. أول ما رأتني، كتمت ضحكتها وقامت وقفت خلف الكنبة تنظر لي باستهزاء.

طارق أجلسني على الكرسي المقابل لعلبة المناديل بالضبط.. الكاميرا كانت موجهة عليه هو وشيرين مباشرة.
جلست، ورفعت رأسي في اتجاه الفراغ، وبدأت أرمي الطعم الأول:
طارق.. كنت أفكر في بابا الله يرحمه طوال اليوم. هو كان يحبك جداً، ولم يكن يخفي عنك شيئاً.. لكن أنا مستغربة، كيف توقف قلبه فجأة وهو لم يكن يشتكي من أي مرض؟

طارق وجهه تغير قليلاً، ونظر لشيرين بطرف عينه:
يا دينا الطبيب قال توقف مفاجئ للقلب، لا تفتحي في هذا الموضوع كل مرة.

ملت بجسمي للأمام، وقلت بصوت باكي:
أصل أنا فتحت الخزنة قديماً قبل أن يضعف نظري.. ورأيت تقارير كان والدي كاتب فيها أن هناك عجز في حسابات المعرض، وأن شيرين السكرتيرة كانت تأخذ مبالغ من خلفه، وكان ينوي الإبلاغ عنها وعن الذي يساعدها قبل رحيله بيومين فقط!

طارق انتفض من مكانه، وشيرين اتسعت عيناها من الخوف وجرت وقفت بجانب طارق وأمسكت ذراعه:
أنت تقولين ماذا؟! تقارير ماذا؟!
تظاهرت أنني فزعت وصرخت:
من هذه؟! من التي تصرخ يا طارق؟! هل أحضرت شيرين إلى هنا في بيت والدي؟!

طارق شعر أن اللعبة لم يعد هناك داع لإخفائها، وأن كل شيء في يده، فقال بوجهه الحقيقي:
نعم يا دينا! شيرين هنا.. شيرين زوجتي منذ تسعة أشهر، وحامل في ابني الذي سيرث كل ما تركه والدك!

وضعت يدي على وجهي ومثلت البكاء:
زوجتك؟! وماذا عني؟! والفيلا؟ والميراث الذي تعب فيه والدي عمره كله؟! لماذا تفعل بي هكذا يا طارق..

شيرين ضحكت ضحكة مليئة بالغل واقتربت مني:
سلمتيه عينك؟! يا حبيبتي أنت بصرك ضعف من أول أسبوع وضع لك فيه تلك المادة غير الآمنة! كان يجب أن لا ترين شيئاً حتى لا تكشفي ما نفعله في المعرض ولا ننقل التحف باسم من! والدك كان يظن نفسه ذكي، عندما كشف الأمر في المعرض وهدد طارق، طارق وضع له مادة ضارة في فنجان القهوة الذي كان يشربه كل صباح، وتخلصنا منه بطريقة لم يلاحظها أحد!

طارق نظر لشيرين بغضب:
شيرين! اصمتي، ماذا تفعلين؟!
شيرين ردت بثقة عمياء:
تخاف من ماذا يا طارق؟ خلاص هي كشفت الأمر، ولا تملك حيلة ولا ستستطيع إثبات حرف.. غداً صباحاً ستوقع مثلما نريد، وإلا سأبعدها من هنا وأقول إنها غادرت بسبب حالتها النفسية!

طارق تنهد وقال وقرب مني وأمسك وجهي بقوة:
سمعت بنفسك يا دينا؟ غداً ستوقعين على كل شيء، وإلا ستعيشين ظروفاً صعبة جداً.. والدك رحل، وبصرك ضعف، ولم يعد لك أحد!

في تلك اللحظة بالضبط..
أمسكت يده التي على وجهي، وبحركة سريعة أبعدت يده بقوة مما جعله يتراجع متفاجئاً.

وقفت ببطء، نظرت له في عينه مباشرة بنظرة ثابتة، وابتسمت ابتسامة جعلته يتوتر بشدة:
والدي رحل بطريقة غادرة يا طارق.. لكن بصري عاد، وأصبحت أرى تصرفاتك وأرى العواقب القانونية التي تنتظرك أنت وهي الليلة!

طارق رجع خطوتين وهو يمسك يده وينظر برعب، وجهه شحب:
أنت.. أنت ترين؟! أنت تنظرين في عيني؟!
شيرين صرخت:
طارق! هذه تبصر.. هذه تتحرك بشكل طبيعي!

مشيت بخطوات واثقة وسريعة ناحية شباك الصالون الكبير، وشدت الستارة الثقيلة كلها على جانب.. الضوء من الخارج دخل، وأصوات سيارات الشرطة فجأة قطعت سكون الليل في التجمع الخامس، والقوة نزلت من السيارات تحاصر الفيلا من كل اتجاه!

المتر سامح وحسام كانوا داخلين مع رئيس المباحث وقوة من الضباط من الباب الرئيسي!
رئيس المباحث أمسك بجهازه وقال موجهاً كلامه لطارق:
اثبت مكانك أنت وهي! كل كلمة وكل اعتراف مسجل بالصوت والصورة، أنتم متورطان في قضية تسبب في وفاة وإيذاء متعمد وتزوير!

طارق وقع على ركبتيه في الأرض وشيرين بدأت تصرخ، وأنا كنت واقفة في منتصف الصالون، حسام جاء مسرعاً ووقف بجانبي وسندني، وأنا أنظر لطارق وهو يتم تقييده، وقلت له جملة واحدة:
الدواء الحقيقي هو العدالة يا طارق.. والعدالة هي الشفاء الوحيد المناسب لك.

الضباط أخذوهم خارج الفيلا، وأنا خرجت للحديقة في الهواء النظيف، نظرت للسماء وللنجوم التي كنت محرومة من رؤيتها، وشمت رائحة الورد.. لكن هذه المرة وأنا حرة، ونور الحقيقة ينير عيني وحياتي من جديد.

الجزء الخامس

صوت سيارات الشرطة وهي تبتعد عن الفيلا كان يهدئ الألم الذي في صدري.
وقفت في منتصف الحديقة، الهواء البارد كان يلامس وجهي، وحسام كان واقفاً خلفي بخطوتين، يتركني أتنفس وأستوعب أن الكابوس الذي عشته شهوراً طويلة انتهى أخيراً.

المتر سامح خرج من باب الصالون وهو يمسك الجهاز الذي عليه التسجيلات وملف الأوراق الأصلية التي أخرجناها من الخزنة:
مدام دينا، النيابة الآن تفتح محضر تحقيق عاجل في قسم التجمع، والجهات المختصة تم إبلاغها لإعادة فحص حالة والدي المرحوم رفعت بيه بناءً على اعترافات طارق والتسجيلات. يجب أن نتحرك على القسم فوراً لكي نثبت أقوالك.

مسحت وجهي ونظرت لحسام، نظري كان لا يزال فيه بعض التشويش البسيط من الإجهاد، لكن ملامح حسام كانت واضحة تماماً أمامي:
أنا جاهزة يا متر.. هيا بنا، لن أترك أي ثغرة.

ركبنا السيارة مع المتر سامح، وطوال الطريق للقسم كانت شوارع القاهرة الجديدة هادئة، لكن عقلي كان يعمل بسرعة. كنت متخيلة أن طارق وشيرين هما أساس المشكلة وانتهى الأمر، لكن ما حدث في غرفة التحقيق فتح أبواباً أخرى لم تخطر على بال أحد.

دخلنا قسم الشرطة، ووكيل النيابة كان جالساً في مكتب رئيس المباحث ينتظرنا. بدأ التحقيق معي وسردت كل تفصيلة من أول مكالمة الهاتف التي كانت بالخطأ مع حسام، لتحليل القطرة، لكشف التوكيل غير السليم، واعترافهم في الصالون.

المتر سامح قدم الجهاز وتقرير المعمل، ووكيل النيابة أمر باستدعاء طارق من الحجز لكي يواجهه بالأدلة.
الباب انفتح ودخل طارق مقيداً، وجهه شاحب وعيناه من الخوف، ملابسه غير مرتبة ولم يعد فيها أي أثر للغرور.

وكيل النيابة قال:
المتهم طارق عبد الرحمن.. التسجيلات واضحة باعترافك الصريح بالتسبب في رحيل المرحوم رفعت السلاب بمادة غير آمنة، وبمحاولة إحداث ضرر دائم ومحاولة إلحاق أذى بزوجتك دينا السلاب.. ما قولك؟

طارق نظر للأرض ويده ترتعش، وفجأة رفع رأسه ونظر لي وانفجر في الكلام بصوت مهزوز:
أنا لم أفعل شيئاً وحدي! شيرين هي التي أحضرت المادة.. ولم تكن فكرتي أصلاً! نحن متورطون مع أشخاص أكبر منا!

الغرفة كلها سكتت، والمتر سامح عدل نظارته ونظر لطارق بتركيز:
أشخاص من يا طارق؟ تكلم بوضوح!
طارق ابتلع ريقه ونظر لوكيل النيابة بخوف حقيقي:
الحاج رفعت لم يكن تاجر أنتيكات عادي.. كان يدير مزادات لقطع أثرية وتحف نادرة تابعة لعائلات قديمة ومجموعات خاصة، وهناك أشخاص لهم نفوذ كبير في السوق هم الذين طلبوا إبعاده عندما رفض تمرير شحنة لوحات ومخطوطات أثرية كانت ستخرج خارج مصر باسم معرضه!

قلبي وقع، وقفت من على الكرسي وصرخت فيه:
تكذب! والدي عمره ما أدخل مالاً غير مشروع لبيته!
طارق رد بانهيار:
لا أكذب والله! والدك رفض تمرير الشحنة، وهددهم أنه سيسلم الملفات للجهات المختصة.. هم الذين كلفوا شيرين أن تتقرب مني لكي تقنعني بالتخلص منه ونأخذ نحن المعرض والفيلا ونمرر الشحنة ونأخذ نسبتنا! الشحنة لا تزال مخزنة في مخزن سري تحت البدروم الخاص بالمعرض القديم في وسط البلد، وموعد تسليمها لأشخاص أجانب بعد ثمان وأربعين ساعة!

وكيل النيابة نظر لرئيس المباحث وأمر فوراً بإثبات أقوال طارق، والتحفظ على مفاتيح المعرض، وإصدار إذن نيابة عاجل لمداهمة المخزن السري في وسط البلد والقبض على أي أطراف أخرى وردت أسماؤهم.

خرجنا من القسم مع طلوع الفجر، حسام سألني بقلق وهو يسندني:
دينا.. أنت بخير؟ ما قاله طارق هذا يغير مسار القضية كلها، هكذا هناك شبكة كاملة كانت تعمل من خلف والدك.

نظرت لنور الصباح الذي يظهر فوق المباني وقلت بحسم:
لن أرتاح يا حسام إلا عندما يتم فتح المعرض والمخزن وحق والدي يظهر أمام الجميع.. يجب أن أكون موجودة مع القوة عندما يذهبون لتفتيش المعرض، أنا الوحيدة التي تحفظ كل مكان كان والدي يخفي فيه أوراقه.

المتر سامح وافق، ورئيس المباحث استعد بقوة أخرى ومعنا إذن النيابة للتوجه لمقر معرض والدي القديم في شارع شريف بوسط البلد.

وصلنا وسط البلد والشمس كانت لا تزال تبدأ في الظهور. المعرض كان مقفلاً بأبوابه الكبيرة، رائحة التاريخ كانت تخرج من خلف البوابات التي قضى فيها والدي عمره كله.
الضباط فتحوا الأقفال ودخلنا، المعرض كان مليئاً بتماثيل رخامية ولوحات زيتية قديمة مغطاة بملاءات بيضاء.

نزلت مع رئيس المباحث وحسام لمدخل البدروم.. كان هناك باب خشب مصفح وخلفه تجويف سري في الحائط، طارق اعترف بمكانه في التحقيق.
كسر القفل وفتحوا الباب.. الضوء كشف عن صناديق خشب كبيرة مربوطة بأحزمة جلد ومكتوب عليها علامات شحن دولية.
الضباط فتحوا أول صندوق بحذر، وظهرت داخله قطع مذهبة ومخطوطات ملفوفة بعناية فائقة كانت جاهزة للتهريب.

وفوق أحد الصناديق الكبيرة في الزاوية، وجدت ظرف جلد أسود مقفول بالشمع الأحمر، عليه خط يد والدي الله يرحمه: إلى ابنتي دينا.. الأمانة التي قد تكلفني حياتي.

مددت يدي المرتعشة وأمسكت الظرف بحرص، وحسام وقف بجانبي. فتحت الظرف ببطء وأخرجت منه ورقة بخط والدي، ومعها مفتاح نحاسي صغير وشريحة إلكترونية أخرى.

الرسالة كانت توضح أن والدي كان يشعر بالغدر قبل رحيله بأيام، وأنه سجل كل تحركات هذه المجموعة ووضع الوثائق التي تبرئ اسمه وتكشف الأشخاص الكبار وراء طارق وشيرين في مكان أخير لم يخطر على بالهم..
وفي آخر سطر، كان والدي كاتب: يا دينا.. لو هذه الورقة وصلت ليدك، اعرفي أن طارق ليس هو النهاية.. هناك مفتاح آخر لخزنة في بنك إسكندرية باسمك، فيها حقيقة عائلتنا والسر الذي جعلهم يدخلون بيتنا منذ سنوات.

نظرت لحسام وللمتر سامح اللذين كانا مندهشين، وقلت بصوت واثق:
المواجهة لم تنته بحبس طارق وشيرين.. هذه لا تزال بدايتها، والسر الذي تركه والدي في البنك هو الذي سيكشف كل الخيوط المخفية.

الفصل الأخير

المفتاح النحاسي الصغير كان بارداً في كف يدي، لكن وزنه كأنه يحمل أسرار عمر كامل خبأها والدي عني لكي يحميني.

رئيس المباحث قام بالتحفظ على الصناديق والمخطوطات بالكامل، وسيارات الشرطة ملأت شارع شريف في وسط البلد لكي تنقل المضبوطات لمخازن الجهات المختصة.

المتر سامح وقف جانباً يتكلم مع وكيل النيابة في الهاتف، ورجع لنا وعيناه تلمعان:
مدام دينا، طارق عندما عرف أننا وصلنا للبدروم السري ووجدنا الصناديق قبل أن يتم تسليمها، انهار تماماً في التحقيق واعترف بأسماء شبكة التهريب ورجال الأعمال الذين كانوا يضغطون عليه وعلى شيرين.. النيابة أصدرت أوامر ضبط وإحضار للجميع، والقضية أصبحت قضية رأي عام.

حسام اقترب مني، ونظر للظرف الأسود والمفتاح النحاسي الذي في يدي:
دينا.. رسالة والدك تقول إن هناك خيط أخير في بنك إسكندرية فرع محطة الرمل، يجب أن نتحرك إلى هناك قبل أن يحاول أي طرف من هذه الشبكة الوصول للخزنة قبلك.

مسحت دمعة كانت في طرف عيني، ووضعت المفتاح في جيبي بحرص:
لن أرتاح يا حسام إلا عندما أغلق هذه الدائرة كلها.. إلى الإسكندرية فوراً.

ركبنا سيارة المتر سامح واتجهنا على طريق مصر إسكندرية الصحراوي. طوال الطريق والشمس طالعة، كنت أنظر في المرآة الجانبية.. عيني كانت قد عادت لطبيعتها تماماً، النور صافي، ولم يعد هناك أي أثر للضباب الذي عشته شهور الخوف الماضية.

وصلنا فرع البنك العريق في محطة الرمل وقت الظهر. دخلنا مع المتر سامح وقدمنا إعلام الوراثة والبطاقة الشخصية والمفتاح النحاسي الأصلي الذي تركه والدي.
مدير الفرع استقبلنا باحترام، ونزل معي بنفسه لغرفة الخزائن الحديدية المصفحة تحت الأرض.

وقفت أمام الخزنة رقم 114، وضعت المفتاح، ولففته لفتين.. الصوت أعلن فتح الباب الثقيل.
سحبت الصندوق المعدني وفتحته على الطاولة أمام حسام والمتر سامح.
داخل الصندوق لم يكن هناك نقود ولا مجوهرات.. كان هناك مذكرات والدي بخط يده، موثقة بتواريخ، ومعها عقود ملكية قديمة باسم جدي، وأهم وثيقة فيهم عقد ملكية كامل لمجموعة لوحات فنية وتاريخية مسجلة رسمياً باسمي أنا شخصياً، ووصية بتأسيس مؤسسة خيرية وثقافية باسم عائلة السلاب لحماية التراث ودعم المحتاجين.

وفي الصفحة الأخيرة من المذكرات، والدي كان كاتب:
يا ابنتي ونور عيني دينا.. من يوم رحيل والدتك وأنا أعيش من أجلك ومن أجل حمايتك من عيون الطمع.. كنت أعرف أن هناك من يطمعون حولنا، وسجلت كل كلمة وكل حركة حتى إذا تعرضت لأذى لا يتمكنون من إيذائك.. كوني دائماً قوية، والحق لا يضيع وراءه مطالب.

احتضنت الدفتر على صدري وأغمضت عيني، وشعرت براحة لم أشعر بها منذ سنوات، كأن روح والدي تطمئنني وتقول لي خلاص يا ابنتي، كل شيء عاد لأصله.

مرت ثلاثة شهور بعد هذا اليوم..
محكمة جنايات القاهرة أصدرت حكمها التاريخي: الحكم بالسجن المشدد لطارق عبد الرحمن بتهمة التسبب في وفاة والدي ومحاولة إلحاق ضرر جسيم بي، والسجن لفترات طويلة لشيرين وباقي أفراد شبكة التهريب بتهمة التآمر وتزوير الأوراق الرسمية والاستيلاء غير القانوني على الآثار.

وفي يوم جمعة مشمس وهادئ، كنت واقفة في حديقة الفيلا في التجمع الخامس.. الورد والفل الذي زرعه والدي كان متفتحاً ومغطي الحديقة برائحة الياسمين.
الفيلا تحولت رسمياً لمقر مؤسسة رفعت السلاب الخيرية للخدمات الطبية ودعم ضعاف البصر، وحسام كان واقفاً بجانبي يراجع التجهيزات الأخيرة لافتتاح أول معمل كيميائي خيري لفحص الأدوية مجاناً للناس البسيطة.

نظرت لحسام وابتسمت، وقلت له وأنا أشم رائحة الورد بحرية كاملة:
المكالمة الخطأ التي طلبتها قديماً يا حسام.. كانت هي النجاة الوحيدة التي كتبها الله لي في طريقي.
حسام ابتسم ورد بهدوء وهو ينظر لنور الشمس:
لا شيء يحدث صدفة يا دينا.. تم كشف حقيقتهم، وعاد لك بصرك لكي تكوني النور الذي ينير حياة ناس كثيرة بعدك.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى