
«اركبي العربية يامعفنة . هشغلك عاملة نظافة عندي عشان حظك حلو واليومين دول نفسي مفتوحة للخير»، قالها الملياردير لما لقاني من غير مأوى وفي الشارع. أنا كل اللي قلته: «أنا هشتغل». شهور عدت وما حدش سألني عن ماضيَّ، لحد ما أنقذت حياة بني آدم في وسط مؤتمر كبير، وجِه محامي بظرف فيه جواب. وقتها بس اكتشفنا إن المصيبة اللي رمتني في الشارع ما كانتش مجرد حادثة أو نصيب… دي كانت خيانة متخطط لها جوة بيتي ومن أقرب الناس ليا.
الجزء الأول
— أنا مش بإنقذك. لو هتركبي عربيتي، يبقى هشتغلي. هيديكي سقف وأكل؛ وأنتِ هتدفعي تمنهم من شغل نضيف الفندق بتاعي.
“طارق عبد السلام” قال الكلام ده وهو واقف تحت السقف الصاج بتاع موقف أتوبيسات عبود في القاهرة، في الوقت اللي كانت المطرة فيه مخلية الموقف كله عبارة عن بحر طين رمادي. كان عنده اتنين وأربعين سنة، وبيملك سلسلة فنادق في شرم الشيخ والغردقة، وكان متعود يقيس كل حاجة في الدنيا بالفلوس.
الست اللي كانت واقفة قدامه كان سنها ييجي تلاتين سنة. لابس جاكيت مبلول على آخره، وكوتشي مقطوع، وشايلة شنطة ضهر ديبة. كانت دبلانة ووشها أصفر، بس عينيها كان فيها نظرة قوة ما تقولش أبداً إنها مكسورة.
ردت بثبات:
— أنا محدش يشتريلي حاجة.
طارق شاور على الشتا والمطرة وقال:
— خلاص خليكي. المحطة هتتقفل كمان شوية.
“سارة” ضمت الشنطة لصدرها أكتير. كانت بقالها تلات ليالي بتنام في أي حتة، وشهور بتحاول تختفي وتتهرب من حياة ضاعت منها في لحظة.
سألته:
— شغل إيه؟
— عاملة نظافة.. في شرم الشيخ.
بعد ساعتين كانوا داخلين فندق “جراند إمبريال” قريب من خليج نعمة. الرخام بتاع الريسبشن كان بيلمع لدرجة إن سارة خافت تحط رجلها عليه بالكوتشي المبلول.
“سميرة”، أخت طارق ومديرة الفندق، بصتلها من فوق لتحت بقرف وقالت:
— إيه ده؟
— شغالة جديدة.
— جايباها من الشارع؟
— من الموقف.
سميرة وطت صوتها، بس سارة سمعتها كويس:
— إحنا عندنا نزلاء بيدفعوا آلاف الجنيهات في الليلة، مش هينفع تجيب أي حد وخلاص.
طارق ولا عبرها ولا بص ناحيتها:
— حطيها في الأوضة اللي جنب المغسلة.
— دي مخزن!
— فيها سرير.
الأوضة كانت ريحتها كلوَر وفينيك. فيها سرير صاج صغيّر، وحوض، ورفوف مليانة مساحيق غسيل. بس بالنسبة لسارة، الباب ده اللي بيتأفل بالمفتاح كان معناه إن محدش يقدر يرميها في الشارع تحت المطر الليلة دي.
ما حكتش قصتها لحد، ما طلبتش حسنة من حد، ولا حتى أخدت بقشيش نساه حد من الزباين. كانت بتنضف الأوض، تغير الملايات، وتستحمل كلام سميرة السم وهي ساكتة.
وقفت سميرة قدامها في يوم وقالتلها:
— افتكري كويس أنتِ جاية منين. أخويا يمكن بيجيله مزاج يعمل فيها الشهم، بس أنتِ هنا ولا حاجة ومش مميزة.
سارة بصلتها في عينها بكل ثبات وقالت:
— وأنا عمر م طلبت أكون مميزة.
عدت تلات شهور.
طارق تقريباً كان نسي إنها موجودة. شركته كانت بتمر بأزمة كبيرة؛ البنك بيضغط عليه، وق.ضية الطلاق مع مراته مهددة حجزه على قرية سياحية، وكان كل أمله في مؤتمر مستثمرين كبار هيحدد لو كانوا هيتمولوا مشروعه الجديد في مرسى علم ولا لأ.
الليلة اللي قبل المؤتمر، سارة كانت معدية جنب القاعة الرئيسية وسمعت سميرة بتكلم طارق:
— بكره مش عاوزة غلطة. ومش عاوزة البتاعة دي تلمح ضيف واحد من اللي جايين.
طارق كان بيبص في أرقام قدامه وقال ببرود:
— تفرغ القهوة وبس، ما تفتحش بؤها.
سارة كملت مشيها بالراحة.
في الليلة دي، وهي لوحدها في المخزن، طلعت من تحت المرتبة كتاب قديم في “طوارئ أمراض القلب والأنعاش”. الصفحات كانت مليانة ملاحظات مكتوبة بخط إيدها.
فتحت الكتاب على فصل تعليم عليه مئات المرات.
محدش في الفندق كان يعرف إن الإيدين اللي بتنضف الحمامات دي، كانت زمان بتمسك قلوب ناس على وشك إنها تقف وتنقذ حياتهم.
وتاني يوم، وقدام الكل، الحقيقة دي كانت هتطلع للنور بأكتر طريقة صدمت الجميع.
الجزء الثاني
الاجتماع بدأ الساعة عشرة الصبح. كان فيه رجال أعمال ومستثمرين جايين من الإسكندرية، والمنصورة، والقاهرة. طارق كان بيعرض الأرقام والمؤشرات، وفجأة، “حسين بك وجدي”، مستثمر عنده تمانية وستين سنة، ساب فنجان القهوة من إيده ووقع على الأرض فاقد الوعي.
القاعة اتقلبت وصريخ وصياح في كل مكان:
— اطلبوا الإسعاف بسرعة!
— حد يطلب دكتور يا جدعان!
طارق نزل من على المنصة ووشه أصفر زي الليمونة. واحد من الضيوف حاول يرفع حسين بك من على الأرض:
— ما حدش يحركه من مكانه! — سارة صرخت بالمرور والصرامة دي.
سابت صينية القهوة على أقرب طرابيزة، ونزلت على ركبتها جنبه، فحصت النفس والنبض، وبدأت فوراً تعمل تدليك وإنعاش للقلب.
طارق قرب منها وهو مذهول:
— سارة! أنتِ بتعملي إيه؟!
— هات جهاز إنعاش القلب الكهربائي من الجيم فوراً! يلا بسرعة!
نبرة صوتها ما كانش فيها مجال للنقاش أو التردد.
واحد من الموظفين جرى بسرعة. وسارة فضلت مستمرة في عمل تدليك للصدر بكل دقة واحترافية خلت القاعة كلها تسكت وتراقب في ذهول. أول ما الجهاز وصل، حطت اللاصقات الكهربائية على صدره، طلبت من الناس تبعد، ومشيت على الخطوات الطبية بالظبط. بعد ثواني معدودة، حسين بك أخد نفس عميق وشهق بقوة، ونبضه رجع تاني.
مسعفين الإسعاف وصلوا بعديها بفيصل قليل.
واحد منهم سألها وهو بيسمع تقريرها الطبي المتقن:
— دكتورة حضرتك؟
سارة وقفت مكانها وما نطقتش.
سميرة ردت بسرعة وبقرف:
— دي عاملة نظافة هنا.
طارق بصلها ونظراته كانت كأنه أول مرة يشوفها في حياته.
في الليلة دي، طارق طلع لمنطقة الخدمات، ولقى سارة قاعدة تقرأ على السرير الصاج بتاعها.
عينه وقعت على عنوان الكتاب: “طوارئ أمراض القلب والأوعية الدموية”.
— أنتِ مين بالظبط؟
سارة غمضت عينها للحظة، وبعدين بصت له:
— أنا دكتورة.. استشارية أمراض قلب.
السكوت كان سيد المكان.
سارة بدأت تحكيله.. حكت إنه كانت شغال في مستشفى استثماري كبير في الإسكندرية. مريض حالته حرجة مات بعد ما أخد جرعة دوا غلط. التحقيق انتهى بإن التهمة لبستها هي بالكامل. جنائياً ما قدرواش يثبتوا عليها إهمال، بس خسرت شغلها، اترمت برة النقابة وتوقف ترخيصها، وما فيش أي مستشفى أو مركز طبي رضي يشغل “الدكتورة صاحبة ق.ضية الإهمال”.
— جوزي كان شغال في الإدارة المالية والموارد البشرية في نفس المستشفى — قالتها بحسرة — لما المصيبة بدأت، قعد يقنعني إنه جمبي ومش هيتخلى عني. بعد شهرين بالظبط، فضّى حساباتنا في البنك ورفع عليا ق.ضية طلاق.
— وأهلك؟
— بابا وماما متوفيين. وأختي صدقت كل الأخبار والجرايد اللي كتبت عني. في الأول كانت بتكلمني تسألني لو الكلام ده صح ولا لأ، وبعدين بطلت ترد على مكالماتي خالص. بعت عفش البيتي، وبعدين بعت عربيتي، لحد ما بعت كل حاجة أملكها. لما الفلوس خلصت، بقيت أنام في أوض متأجرة باليوم، وفي الآخر بقيت أنام في مواقف الأتوبيسات. أنا ما جيتش موقف عبود عشان أدور على شغل، أنا جيت عشان ده كان آخر تكت قدر تمنه معاي.

