
طارق حس بكسفة وخجل شديد من نفسه لما افتكر طريقته معاها والمعاملة اللي عاملها بيها.
— ليه ما قلتليش من الأول؟
— عشان ما كنتش محتاجة إشفاق أو إعجاب منك.. أنا كنت محتاجة آكل وألاقي حتة أبيت فيها.
تاني يوم الصبح، حسين بك وجدي رجع الفندق، كان لسة تعبان شوية، وجايب معاه المحامي بتاعه.
طلب يقابل سارة.
— المجموعة بتاعتي اشترت المستشفى اللي حضرتكِ كنتِ شغالة فيها من فترة قريبة — قال حسين بك — وبعد اللي حصل امبارح، أنا طلبت إعادة فتح ملفك ومراجعته بالكامل.
سارة جسمها اتشد.
حسين بك حط ملف أسود تقيل على الطرابيزة.
— لقينا إيميلات، وسجلات داخلية، ومراجعة تقنية لسيستم المستشفى. فيه أدلة قاطعة بإن التقرير الطبي اتعدل فيه بعد وفاة المريض.
وش سارة اصفرّ.
— اتعدل عن طريق مين؟
حسين بك سكت ثانية قبل ما يرد:
— من يوزر أدمن إداري مربوط بـ “ماهر السرسي”.
سارة نفسها اتقطع:
— جوزي؟!
— أيوة.. وللأسف ده مش أسرع أو أسوأ حاجة.
المحامي فتح الملف:
— كمان ظهر إقرار من الممرضة ما دخلش في ملف الق.ضية أصلاً. ولو أثبتنا صحته، هيثبت ليه جوزك كان محتاج يشيلك أنتِ الشيلة والذنب كله.
سارة فضلت تبص للأوراق دي وهي خايفة تمد إيدها تلمسها.
بعد سنين من اعتقادها إنها خسرت كل حاجة بسبب غلطة طبيبة أو حظ سيء، كانت على بعد ثواني من إنها تكتشف إن الشخص اللي كان بينام جنبها في بيت واحد، هو اللي دبر واشترك في خراب بيتها ودمار حياتها.
واللي كان مستخبى ورا الخيانة دي، كان أكبر وأخطر بكثير.
الجزء الثالث
حسين بك فتح الملف بالراحة:
— جوزك ما كانش شغال لوحده.
المحامي رص على الطرابيزة صور من إيميلات داخلية، وسجلات دخول على السيستم، وتقارير الصيدلية.
التعليمات الطبية الأصلية اللي سارة كتبتها كانت صحيحة ١٠٠٪. بس بعد وفاة المريض بساعات، حد دخل على السيستم وعدل التقرير عشان تبان إن الجرعة الغلط كانت مكتوبة بخط إيدها هي. الحساب اللي اتعدل منه كان من إدارة المستشفى، المكان اللي شغال فيه ماهر.
— المستشفى كانت بتفاوض على صفقة اندماج وبوليصة تأمين بملايين الجنيهات، وأي ق.ضية ضد المستشفى كمنظومة كانت هتخرب الصفقة — حسين بك وضح لها — كان لازم الق.ضية تلبس في دكتور بصفته الشخصية وخلاص.
سارة كانت بتبص للأوراق ومن غير ما ترمش:
— وماهر؟
— خد ترقية ومكافأة مالية ضخمة بعد استبعادك بأسبوعين بالظبط.
ذكريات القديمة هجمت عليها زي السيل.
ماهر وهو راجع البيت متأخر.
ماهر وهو بيهرب من إنه يبص في عينها.
ماهر وهو بيقولها: «أنا مش قادر أعيش مع واحدة الناس كلها بتقول عليها قاتلة ومجرمة».
طول السنين دي، سارة كانت فاكرة إنه مجرد راجل بصلة وجبان.
دلوقتي بس فهمت إن البشاعة كانت أكبر من كده بكتير.
—يه كمان دليل قاطع — المحامي قال.
الممرضة اللي إدت الجرعة للمريض كانت راحت لمحامي قريب عشان تعدل أقوالها قبل ما تدخل تعمل عملية جراحية خطيرة. اعترفت إنها غلطت في الجرعة فعلاً، بس جرى الضغط عليها والتهديد عشان تقول كلام مزور وتلبس الدكتورة سارة. وكانت محتفظة برسايل وتواريخ مثبتة.
— بالورق ده، نقدر نقدم طلب مستعجل لنقابة الأطباء وللنيابة لإعادة فتح التحقيق وإلغاء العقوبة الإدارية — المحامي قال بجدية — أنا مش بوعدك بنتيجة سحرية في يوم وليلة، بس أنتِ ما بقيتيش لوحدك قدام المؤسسة دي.
سارة رفعت عينها أخيراً:
— حضرتك بتعمل معايا كل ده ليه؟
حسين بك ابتسم:
— عشان أنتِ رجعتيلي عمري لما كنت واقع على الأرض ومش قادر أتنفس. أنا عاوز أساعدك ترجعي حقك وعمرك اللي اتسرق منك.
سميرة ظهرت من الطرقات. كانت واقفة بتسمع وشديدة القلق إن الكلام ده يغير رأي المستثمر في المشروع.
— حسين بك — اتدخلت بسرعة — أنا متأسفة للي حصل، بس إحنا محتاجين نعرف هل الكلام ده هيأثر على قرار حضرتك في التمويل والمشروع؟
طارق اتنرفز ووشه اتغير:
— سميرة! مش ده الوقت المناسب خالص!
— لا وقت مناسب جداً! فيه ملايين وجنيهات وعمالة هتشتغل هنا!
حسين بك بصلها بهدوء:
— المجموعة بتاعتي بتملك مستشفيات ومراكز طبية. ولو ق.ضية الدكتورة سارة مشيت في سكتها صح، أنا هعرض عليها تمسك إدارة الجودة والسلامة عندنا. ولحد ما الق.ضية تخلص، تقدر تبدأ تدريب وإشراف إداري.
سارة فتحت عينها بذهول.
دي كانت أول فرصة حقيقية ترجع بيها لمجالها من سنين.
سميرة ابتسمت بانتصار:
— ممتاز جداً! يبقى نعمل اتفاق: سارة تروح مع حضرتك، وحضرتك توقع عقود التمويل، والكل يطلع كسبان.
وش طارق اتغير تماماً للغضب:
— لا.
أخته بصتله بصدمة:
— أنت بتقول إيه؟
— سارة مش جزء من أي صفقة أو بيعة وشرة.
— ما تعملش فيها الشريف والمثالي! أنت اللي جيباها من موقف عبود ورميتها في المخزن!
الكلمة وجعت طارق لأنها كانت حقيقة.
طارق بص لسارة وقال:
— وأنا غلطت.
سميرة ضغطت على سنانها:
— أنت هتضيع فندق “جراند إمبريال” عشان خاطرها؟! البنك مدينا مهلة تلاتين يوم بس!
حسين بك سند ضهره على الكرسي وقال:
— السؤال منطقي يا طارق. لو استثماري مشروط بإن الدكتورة توافق تشتغل معايا، هتعمل إيه؟
السكوت عم المكان لثواني.
طارق بص للريسبشن. الفندق ده كان أول مشروع يعمله في حياته. أمه كانت رهنت شقتها زمان عشان تساعده ياخد أول قروض من البنك. أبوه مات قبل ما يشوف الفندق ده بيتفتح. إنه يخسره كان معناه إن جزء من حياته وتاريخه بيتمحي.
وبعدين بص لسارة.
افتكر المطر في موقف عبود.
«هيديكي سقف وأكل؛ وأنتِ هتدفعي تمنهم».
افتكر إنه حتى ما تكلفش نفسه يسألها هي مين ولا أصلها إيه.
— لو الشرط إننا نقرر نيابة عنها ونلوي إيدها، أنا مستعد أخسر الفندق والتمويل كله.
سميرة رجعت خطوة لورا:
— أنت اتجننت!
— يمكن. بس هي الوحيدة اللي تقرر تشتغل فين وإزاي. أنا مش هخلي حياتها بند في عقد بيننا.
سارة حست بغصة ودموع في زورها.
طول السنين دي كان فيه ناس تانية هي اللي بتقرر بدالها: مدراء، محامين، صحافة، وجوزها. الكل كان بيتكلم عن شغلها، وعن ذنبها، وعن مستقبلها.
محدش مكّن نفسه يسألها هي عاوزة إيه.
حسين بك قفل الملف:
— يبقى إحنا متفقين.
سميرة بربشت بعينها:
— متفقين إزاي؟
— ما كانش فيه شرط ولا حاجة. أنا كنت عاوز اعرف بشتغل مع مين وبختبر معدنك يا طارق.
طارق بصله بذهول:
— يعني حضرتك هتستثمر؟
— لو المراجعة المالية أكدت أرقامك، أيوة طبعاً.
حسين بك ابتسم:
— الفلوس بتروح وتيجي ونقدر نعوضها. بس الشريك اللي من غير أصل ولا مبدأ بيكلف كتير أوي.
في الأسابيع اللي بعد كده، حياة سارة ما اتغيرتش بلمسة ساحر، اتغيرت خطوة خطوة.
راحت النيابة، قدمت أوراق، وسافرت الإسكندرية عشان تحضر جلسات re-open الق.ضية.
طارق كان عاوز يدفع لها تمن تذكرة السفر والإقامة.
— لا — سارة قالتله — أنا مش عاوزة أحس تاني إني مديونة بحياتي لحد.
هو تفهم ورضي:
— خلاص.. سيبيني أوصلك المحطة على الأقل.
— دي ماشي.
في يوم أول جلسة، ماهر ظهر في أخر الطابق.
كان لابس بدلة كحلي شيك، ولسة لابس الساعة اللي سارة كانت جابهالها هدية في عيد جوازهم.
— سارة..
هي وقفت مكانها.



