
طلب ياكل مقابل إنه يعزف على البيانو فضحكوا عليه، لحد ما أول نغمة خلّت القاعة كلها تسكت.
أنا مش عايز حد يديني حاجة ببلاش قال الراجل العجوز. بس اسمحولي أعزف أغنية، وفي المقابل ادوني طبق أكل.
ثانيتين كاملين محدش رد.
وبعدين
الضحك بدأ.
الراجل كان واقف عند مدخل قاعة حفلات فخمة في جوادالاخارا.
كان لابس جاكيت أخضر قديم، وبنطلون باين عليه الاستهلاك، وجزمة مليانة تراب.
وقدامه أكتر من 150 شخص، كلهم لابسين شيك وجايين على عشا خيري لجمع التبرعات.
رجال أعمال.
دكاترة.
أصحاب مناصب.
ناس متعودة تدخل أي مكان وتلاقي اللي يستقبلها بابتسامة.
الليلة دي كانوا مجتمعين عشان يدعموا بناء مركز جديد للمحاربين القدامى وعائلاتهم.
ومع ذلك
لما ظهر راجل عجوز شكله محتاج بالضبط المساعدة اللي هما بيقولوا إنهم جايين عشان يقدموها، محدش تقريبًا حتى قام من مكانه.
الراجل ده دخل إزاي؟ سأل واحد.
طلّعوه بره رد صوت تاني.
العجوز ما جادلش حد.
كان عنده حوالي 78 سنة، شعره رمادي ومبعثر، ودقنه قصيرة، وواضح إنها ما شافتش موس حلاقة من كام يوم.
اسمه كان إرنستو سالجادو.
لكن محدش في القاعة كان يعرف ده لسه.
عينيه لفّت ببطء على الترابيزات المفروشة بمفارش بيضا، والكوبايات، والأطباق الغالية، والنجف اللي متعلّق من السقف.
وبعدين بص تاني للبيانو الكبير الأسود الموجود على منصة صغيرة.
أغنية واحدة بس كرر كلامه. وبعدها لو عايزينني أمشي، همشي.
رجع يضحك كذا شخص.
قام راجل اسمه ريكاردو فالديز من ترابيزة قريبة.
كان عنده 47 سنة، ورئيس اللجنة المسؤولة عن جمع التبرعات.
عيلته بقالها عشرات السنين شغالة في مجال العقارات، وهو اتربى وسط الفلوس والعلاقات والفرص.
بص ريكاردو للعجوز من فوق لتحت.
دي حفلة خاصة.
فاهم.
يبقى أكيد فاهم كمان إن مش أي حد يقدر يدخل هنا.
إرنستو هز راسه.
عشان كده أنا بعرض حاجة في المقابل.
وأشار ناحية البيانو.
أنا بعرف أعزف.
ناس كتير ضحكت تاني.
ريكاردو ابتسم.
بس ابتسامته ما كانتش لطيفة.
إنت؟
أيوه.
على البيانو ده؟
لو تسمحولي.
ريكاردو بص حواليه.
واضح إنه لقى الموضوع مسلي.
بالنسبة له كان مجرد عرض للتسلية قدام الضيوف.
طيب قالها وهو بيبتسم. نعمل اتفاق.
القاعة بدأت تهدى.
اعزف أغنية كاملة. ولو ماخلّيتناش نهرب من القاعة، أنا بنفسي هطلب لك عشا.
كام شخص صفقوا على فكرته.
لكن إرنستو ما اتحركش.
ريكاردو كمل
بس خلينا نخليها مسلية أكتر. لو قدرت تخلي شخص واحد بس من الموجودين هنا يتأثر بجد هديك عشرين ألف بيزو.
المبلغ خلّى الناس تبدأ تتهامس
وتضحك.
بالنسبة لمعظم الموجودين، المبلغ ماكانش ثروة.
لكن إنهم يعرضوه على العجوز بالطريقة دي، خلّى الموضوع كله يتحول للعبة.
من ناحية المطبخ، كانت دانييلا كروز بتبص على اللي بيحصل.
كانت عندها 24 سنة، بتدرس خدمة اجتماعية، وبتشتغل في المطعم بالليل عشان تساعد نفسها في مصاريفها.
من أول ما إرنستو دخل، هي ما ضحكتش ولا مرة.
كانت حاولت تقرب منه وتديله مية، لكن المسؤول عن المكان وقفها.
وقال لها بصوت واطي
مالكيش دعوة. روحي شوفي الترابيزات بتاعتك.
دانييلا أطاعته.
لكن فضلت تراقب العجوز.
كان في حاجة مش راكبة.
الموضوع ماكانش هدومه بس.
كان في طريقة وقوفه.
كان باين عليه التعب، آه
لكن ماكانش باين عليه إنه مهزوم.
بعد ما ريكاردو خلّص شرح الرهان، إرنستو هز راسه بهدوء.
عشرين ألف لو حد اتأثر؟
لو شخص واحد دمّع بجد.
موافق.
ريكاردو اڼفجر في الضحك.
دي هتبقى حفلة!
إرنستو اتحرك ناحية البيانو.
مشي ببطء.
بعض الناس كانوا بيتكلموا عن قد إيه هيحتاج وقت قبل ما يغلط.
وآخرين طلعوا موبايلاتهم عشان يصوروا.
دانييلا حست بإحراج من اللي بيحصل.
وصل إرنستو للكرسي قدام البيانو، وعدّى صوابعه على الخشب.
إيديه كانت كبيرة.
عليها آثار سنين طويلة، وندوب، ومفاصل شكلها اتغير مع العمر.
ريكاردو قال له
خد بالك البيانو ده تمنه أغلى مما تتخيل.
إرنستو بص له.
الحاجات الغالية برضه ممكن تتكسر.
ريكاردو عقد حواجبه.
إيه؟
ولا حاجة.
قعد إرنستو.
ولكام ثانية، فضل باصص للمفاتيح.
ريكاردو شبك دراعاته وقال بسخرية
نسيت تبدأ منين؟
ضحكات جديدة ملأت القاعة.
إرنستو رفع إيده.
وضغط على مفتاح واحد.
صوت النغمة انتشر في القاعة كلها.
نغمة مثالية.
نقية.
متحكم فيها.
وفجأة
الضحك اختفى.
القاعة كلها سكتت.
ولما إرنستو نزل صوابعه تاني على مفاتيح البيانو
ماكانش فيه شخص واحد في القاعة يتخيل إيه السر اللي العجوز ده كان مخبيه عنهم كل السنين دي.
واللي حصل بعد كده
كان كفيل إنه يغيّر نظرة كل الموجودين له للأبد ووو
حكايات زيزي
إرنستو ما بدأش بأغنية مشهورة.
بدأ بمقطوعة هادية جدًا
نغماتها كانت بسيطة في البداية، لدرجة إن بعض الناس افتكروا إنهم هيملّوا.
لكن بعد ثواني قليلة، إيده اليمين بدأت تتحرك بسرعة أكبر، وإيده الشمال دخلت معاها بإيقاع عميق ومنظم.
القاعة كلها كانت ساكتة.
حتى ريكاردو، اللي كان واقف من شوية بيضحك، بطل يبتسم.
إرنستو كان بيعزف وعينيه مغمضة.
وكأنه مش موجود في القاعة أصلًا.
وكأن كل نغمة بتفتح باب قديم جوه ذاكرته.
دانييلا قربت خطوة من باب المطبخ.
ولأول مرة، لاحظت حاجة غريبة.
إرنستو كان بيحرك رجله مع الموسيقى بنفس الإيقاع تمامًا.
لكن الحركة ماكانتش حركة شخص بيتسلى.
كانت حركة شخص قضى سنين طويلة قدام البيانو.
فجأة، واحدة من السيدات على ترابيزة قريبة حطت إيدها على صدرها.
وبصوت خاڤت قالت
أنا سمعت المقطوعة دي قبل كده
الرجل اللي جنبها سألها
فين؟
ما ردتش.
كانت مركزة مع إرنستو.
بعد لحظات، إرنستو غيّر اللحن.
وهنا حصل شيء أغرب.
واحد من الضيوف قام واقف.
كان رجل في الستينات، اسمه مانويل.
وجهه اتغير تمامًا.
حد سأله
إنت كويس؟
مانويل ما ردش.
كان بيبص لإرنستو وكأنه شاف شبح قدامه.
إرنستو فتح عينيه للحظة.
عينيه قابلت عيني مانويل.
وتوقف جزء من الثانية.
بس رجع كمل.
دانييلا لاحظت النظرة.
وحست إن بينهم معرفة قديمة.
لكنها ما فهمتش إزاي.
الموسيقى استمرت.
ومع كل دقيقة، كان واضح إن إرنستو مش بيعزف عشان يكسب العشرين ألف بيزو.
كان بيعزف عشان يوصل رسالة لشخص واحد في القاعة.
والشخص ده كان مانويل.
وفجأة
إرنستو بدأ يعزف لحنًا مختلفًا تمامًا.
لحنًا قصيرًا من أربع نغمات.
أول ما سمعه مانويل
وقع الكوباية من إيده.
صوت الزجاج وهو بيتكسر على الأرض دوّى في القاعة.
الكل بص له.
ريكاردو قال
مانويل؟
لكن مانويل ما كانش سامع حد.
كان بيهمس
مستحيل
إرنستو وقف العزف.
ولأول مرة من بداية الليلة، رفع رأسه وبص مباشرة ناحية مانويل.
وقال بهدوء
قلت لك يومها إني هرجع.
القاعة كلها اتجمدت.
ريكاردو بص من واحد للتاني.
إنتوا تعرفوا بعض؟
مانويل ما ردش.
إرنستو قام من على الكرسي.
ومد إيده داخل جيب الجاكيت القديم.
طلع ظرف بني صغير.
حطه فوق البيانو.
وقال
أنا ماجتش هنا عشان الأكل.
ثم بص لريكاردو.
ولا عشان العشرين ألف بيزو.
وبص ناحية مانويل.
أنا جيت عشان وعد اتقال من أربعين سنة وحان وقت تنفيذه.
دانييلا حست بقشعريرة.
أما مانويل، فبدأ وشه يشحب.
وقال بصوت متقطع
إنت إزاي لسه عايش؟
القاعة اڼفجرت في الهمس.
إرنستو ابتسم ابتسامة حزينة.
دي أول حاجة محتاج تعرفها.
ثم فتح الظرف.
وأخرج منه صورة قديمة جدًا.
صورة بالأبيض والأسود.
وحطها قدام الجميع.
في الصورة كان فيه ثلاثة شباب واقفين جنب نفس البيانو.
واحد منهم كان إرنستو.
والثاني
كان مانويل.
أما الشخص الثالث
فكان رجلًا لم يعرفه أحد من الموجودين.
إلا أن ريكاردو أول ما شاف الصورة
اتراجع خطوة للخلف.
لأن الرجل الثالث كان والده.
والصمت اللي نزل على القاعة بعدها كان أثقل من أي موسيقى.
إرنستو بص لريكاردو وقال
أبوك ماحكالكش اللي حصل في الليلة
دي.
ريكاردو ابتلع ريقه.
إيه اللي حصل؟
إرنستو ما ردش فورًا.
حط الصورة على البيانو، وبص للضيوف.
قبل ما أحكي فيه حاجة لازم تعرفوها.
وأشار للقاعة الفخمة.
المكان ده اتبنى بفلوس اتسرقت من ناس ماقدروش يدافعوا عن


