
السكرتيرة بتاعة جوزي رفعت صوتها باعتراض داخل المكتب قدامي، ولما حصل سوء فهم بسيط بينها وبين بنتي، بصّتلي بكل برود وقالت: “المفروض تمنعيها تدخل هنا أصلاً!” أنا ما صرختش وما شتمتهاش وما حتى رديت عليها. بصيت على الأوراق اللي اتطايرت على الأرض، طلعت موبايلي، وعملت مكالمة واحدة بس.
المكالمة دي، بعد أقل من ساعة، خلت بنوك توقف ملايين من فلوس جوزي وشركاءه يطالبوا بمراجعة حساباته.
والأغرب من كل ده؟
جوزي نفسه ما كانش عارف مين اللي حرّك كل الخيوط.
بس قبل ما أحكيلكم إزاي حصل كل ده، لازم أرجعكم لبداية اليوم…
كنت داخلة مكتب جوزي، أحمد، وأنا شايلة أكل الغدا ليه، لأننا كنا متفقين نتغدى سوا قبل ما أروح أجيب بنتنا ليان من المدرسة.
لكن أول ما فتحت باب مكتبه، سمعت صوت مشادة كلامية حادة.
وبعدين سمعت بنتي بتقول بصوت هادئ:
“ماما…”
لفيت بسرعة.
لقيت ليان واقفة جنب مكتب السكرتيرة، وماسكة كشكول الرسم بتاعها، وعنيها فيها دمعة خفيفة.
والسكرتيرة، رانيا، واقفة قدامها وبتتكلم بأسلوب غير لائق.
قبل ما أستوعب اللي حصل، ليان رجعت خطوة لورا وهي مرتبكة من صوتها العالي.
جريت عليها وشيلتها بين إيديا.
“ليان! يا حبيبتي، خلاص مفيش حاجة.”
بصيت لرانيا وقلت بنبرة حادة:
“إنتِ بتكلمي بنتي بالطريقة دي ليه؟!”
رانيا عدلت جاكتها بمنتهى البرود وقالت:
“أنا بس بفهّمها نظام المكتب.”
“نظام إيه في التعامل مع طفلة؟!”
“المكان هنا مش مناسب للأطفال.”
وبكل استهزاء كملت:
“بنتك دخلت مكتبي من غير إذن، ووقعت أوراق مهمة على الأرض. لازم تتعلم تحافظ على النظام.”
حضنت ليان أكتر، وقلت وأنا بحاول أتحكم في أعصابي:
“دي طفلة زايحة عن طريقها وبس!”
ضحكت بسخرية:
“المفروض تكون منتبهة أكتر.”
في اللحظة دي، كنت ممكن أعمل مشكلة تقلب الشركة كلها.
لكن الغريب إني ما عملتش أي حاجة.
لأني فجأة افتكرت كل حاجة حصلت قبل كده.
افتكرت حماتي وهي طول الوقت بتعاملني كأني أقل من ابنها.
افتكرت أخت جوزي وهي بتستلف فلوس وترجع تطلب تاني وكأن فلوسنا ملهاش صاحب.
افتكرت سفر جوزي الكتير، وغيابه عن البيت، والمرات الكتير اللي كان بيرجع فيها بعد ما ليان تكون نامت.
وأنا؟
كنت كل مرة أقول لنفسي: “أحمد جوزي وأنا بثق فيه.”
يمكن أنا ما كنتش بثق فيه.
يمكن كنت بخاف أعرف الحقيقة.
لكن في اللحظة دي، وأنا شايفاهم بيتعاملوا بجفاء مع بنتي…
عرفت إن سكوتي انتهى.
طلعت موبايلي.
رانيا ابتسمت وقالت باستهانة:
“هتتصلّي بأحمد؟ اتصلي. هو عارف أنا شغالة إزاي، ومش هيسمحلك تعمليلي حاجة.”
بصيت لها ثانيتين.
وبعدين فتحت الأسماء.
لكن ما اتصلتش بأحمد.
اتصلت بشخص تاني.
والدي.
رد من أول رنة:
“أيوه يا بنتي؟”
قلت وأنا بمسح على شعر ليان:
“بابا… فعّل الملف.”
سكت شوية.
صوته اتغير فجأة:
“ملف إيه؟”
قلت بهدوء:
“ملف خروجنا من مجموعة المنشاوي.”
فضل ساكت ثواني.
وبعدين سألني:
“إنتِ متأكدة من القرار ده؟”
بصيت لرانيا.
كانت لسه واقفة قدامي ومش فاهمة أنا بعمل إيه.
قلت:
“متأكدة.”
قفلت المكالمة، وشيلت ليان ومشيت.
رانيا نادت ورايا:
“إنتِ فاكرة نفسك بتعملي إيه؟!”
ما بصتلهاش حتى.
خدت بنتي وروحت البيت.
لكن بعد حوالي ساعة…
بدأت أول مكالمة توصل لأحمد.
وبعدها التانية.
وبعدها التالتة.
بنك جمّد تسهيلات بملايين.
شريك استثماري طلب وقف صفقة.
شركة تانية طالبت بمراجعة الضمانات والعقود.
ومجلس الإدارة بدأ يسأل: “مين اللي أصدر التعليمات دي؟”
أحمد كان واقف في مكتبه مش فاهم أي حاجة.
اتصل بمدير البنك.
المدير قال له: “إحنا بننفذ تعليمات قانونية وإجراءات حماية مرتبطة بالضمانات.”
“تعليمات مين؟!”
لكن محدش كان بيرد عليه بشكل واضح.
وفي نفس الوقت، تليفون رانيا بدأ يرن بشكل متواصل.
مرة من الإدارة.
ومرة من الشؤون القانونية.
ومرة من رقم ما تعرفوش.
وهي لسه مش مستوعبة إن اللي حصل من ساعة واحدة بس…
كان بداية انهيار حاجة أكبر بكتير.
أما أحمد…
فكان لسه فاكر إن مراته هترجع البيت، تزعل يومين، وبعدها الموضوع يعدي.
لكن في الوقت اللي كان فيه بيحاول يعرف مين اللي بدأ…
وصلته رسالة واحدة بس.
رسالة من والدي.
فتحها…
وقرا أول سطر.
وشه اتغير تمامًا.



