
بابا بدأ يتحرك ناحية الملف، لكنه وقف مكانه لما ياسين قال:
“وبالمناسبة يا حاج محمود، أنا جاي النهارده مش بس علشان أطلب إيد بنتك رسمي.”
كل العيون اتعلقت بيه.
“أنا جاي كمان علشان أقولك إن العقد اللي كنت مستنيه من شهور… مش هيتوقع.”
بابا اتصدم.
“ليه؟!”
ياسين بصله مباشرة وقال:
“لأن الشركة اللي حضرتك عايز تنقذها، اتبنت على حساب ظلم بنتك.”
سارة، اللي كانت واقفة مش مصدقة، حسيت إن الدنيا بتلف بيا.
أنا عمري ما كنت أتخيل ولا كنت أعرف إن اللي هيحصل بعد كده هيكشف سر عمره سنين…
سر هيخلي كل فرد في العيلة يدفع تمن اللي عمله فيا.
لكن الصدمة الحقيقية…
إن ياسين ماكانش جاي لوحده.
وكان فيه شخص تاني واقف بره البيت، مستني يدخل في اللحظة المناسبة.
شخص يعرف بالضبط مين سرق فلوس بابا زمان.
ومين اللي اتهمني ظلم.
وليه ماما كانت مصممة تفضل الحقيقة مدفونة لحد النهارده…
بس السؤال لية ياسين عمل كدا معايا ومنين عرفني…؟!
بس اللي اتقال بعد كده خلاني واقفة مذهولة
#انجي_الخطيب
ياسين لف ضهره ناحية باب الشقة، وبأعلى صوته قال: “ادخل يا عم حسن”.
باب الشقة اتفتح على آخره، ودخل راجل عجوز في الستينات، جلبابه بسيط بس ملامحه متماسكة. أول ما ماما شافته، دراعاتها اتدلت جنبها ووشها اصفر زي الليمونة، وباب صوت انفاسه بقى مسموع في الصالون كله. عم حسن ده كان المحاسب القديم في شركة بابا، الراجل اللي اختفى فجأة من سبع سنين أول ما الفلوس اتسرقت، والكل ساعتها قال إنه طار بالفلوس بالاتفاق معايا!
عم حسن مشي ببطء، وحط شنطة جلد قديمة على السفرة جنب الملف الأسود، وبص لبابا وقال بنبرة مليانة حسرة: “مساء الخير يا حاج محمود.. جه الوقت اللي الحق يرجع فيه لأصحابه، والبريئ يتنضف اسمه قدام العيلة اللي هانت عليه.”
بابا كان بيترعش، قرب من عم حسن وسأله بصوت مخنوق: “حسن؟! أنت فين من سنين؟ وإيه اللي جابك مع الأستاذ ياسين؟”
عم حسن بص لماما وكريم، وقبل ما ينطق، ياسين مسك إيدي وشادد عليها بثبات، وقال وهو بيبصلي بمنتهى الحنية: “أنا هقولك يا حاج.. من أربع سنين، لما سارة نزلت تشتغل شغلانتين عشان تسدد ديون مالهاش ذنب فيها، جت اشتغلت في شركتي.. كانت بتشتغل ١٤ ساعة في اليوم، بين خدمة وتنظيف ومراجعة أوراق. أمانتها ونظافة قلبها لفتوا نظري، ولما قربت منها وقريت أوراق القضية القديمة اللي كانت شايلاها في شنطتها وبتبكي عليها كل يوم بعد الشغل، قررت أتدخل بنفسي.”
ياسين كمل وهو بيبص لكريم بنظرة زي السيف: “فتشت ورا الموضوع، ووصلت لعم حسن اللي أمك طردته وهددته بسجن ابنه لو ما اختفاش وشهد زور إن سارة هي اللي أخدت الفلوس! والفلوس دي.. تسع ملايين جنيه.. ما اتسرقتش من الشركة أصلاً.. الفلوس دي كريم ضيعها في قمار وشيكات بدون رصيد، وأمك بعت دهبها ودفعت للناس عشان تستر عليه، ولبّست التهمة للبنت اللي ماليش في الدنيا غيرها!”
الصالون كله اتكهرب. منى أختي حطت إيدها على بقها وبصت لكريم بذهول: “إيه؟! كريم أنت عملت كده؟!”
كريم وشّه وجعه وبدأ يتراجع لورا، وحاول يزعق: “انت كذاب! انت جاي تتبلى عليا في بيتنا عشان تجر شكل؟!”
عم حسن فتح الشنطة الجلد وطلع منها أوراق ممضية وإيصالات أمانة باسم كريم، ورسائل صوتية متسجلة بصوت ماما وهي بتترجاه يهرب وما يرجعش. عم حسن رمى الأوراق على السفرة وقال: “دي إمضاءات ابنك يا حاج محمود.. ودي تسجيلات الحجة وهي بتقولي ارمي التهمة على سارة عشان سارة بنت ومحدش حيدور وراها، لكن كريم لو اتسجن مستقبله هيضيع!”
بابا بص للورق، وبعدين بص لماما اللي كانت قاعدة على الكرسي ومش قادرة ترفع عينها فيه. بابا رفع إيده وضرب الطاولة بغضب هز البيت كله: “الكلام ده صح يا سعاد؟! سحقتي البنت وخليتيها خدامة في بيتنا عشان تداري على الوساخة دي?!”
ماما عيطت بحرقة وبدأت تتلعثم: “يا محمود افهمني.. كريم كان هيضيع.. سارة مؤدبة وبتستحمل، لكن كريم كان هيدخل السجن!”


