روايات وقصص

منقذي انجي الخطيب

ياسين اتكلم برود يرعب: “والنتيجة إن كريم ضاع أكتر، والشركة اللي كنت فاكر إنك بتبنيها كانت بتغرق.. أما سارة.. فدي الجوهرة الوحيدة اللي طلعت بيها من العيلة دي.”
أنفاسي كانت محبوسة، الدموع نازلة من عيني مش مصدقة إن الكابوس اللي عشته سبع سنين بينتهي في لحظة قدام العيلة كلها. بصيت لياسين وقلت بصوت بيترعش: “ياسين.. أنت.. أنت عملت كل ده عشاني؟”
ياسين لفلي، ابتسم ابتسامة هادية جداً، ومسح دموعي بطرف صباعه قدامهم كلهم وقال: “أنا خطبتك من نفسك من سنتين يا سارة، لما شفتك بتعافري وتدفعي جنيه بجنيه عشان تبقي شريفة مرفوعة الراس.. والنهارده أنا جاي آخدك من المكان ده، مش عشان تبقي خطيبتي بس.. عشان تبقي شريكتي ومديرة الشركة الجديدة اللي كتبتها باسمك.”
بابا وقف مذهول، ومنى أختي بصتلي بغل وبصت للبدلة والشياكة والعز اللي ياسين جايبه، وما كانتش قادرة تنطق كلمة. كريم كان واقف زي الفراخ المبلولة، وماما بتبصلي بنظرة انكسار لأول مرة في حياتي أشوفها.
ياسين بصلهم كلهم وقال بثقة: “العقد اللي كان هينقذ شركتكم بح خلاص.. وأي قرش سارة دفعته في البيت ده من يوم ما اشتغلت، هيترد ليها بالقانون والورق.. ودلوقتي..”
مسك مريلة المطبخ اللي كنت لابساها، فكها ببطء ورمى الفوطة على الأرض، ومسك إيدي وقالي: “يلا يا سارة.. مكانك مش هنا، ولا عمره كان هنا.”
مشيت جنبه وأنا رافعة راسي لأول مرة من سنين، وسبت البيت ورجلي بتتحرك في طريق جديد، وصوت صراخ بابا وعياط ماما مالين المكان ورايا.

خرجت مع ياسين من باب البيت، وصوت الزعيق والضرب بالدبابيس جوه كان لسه مسموع لحد الأسانسير. بابا كان بيصرخ في كريم وماما، ومنى كانت بتحاول تلم الموضوع وصوتها طالع متوتر. أول ما الباب الاتوماتيك بتاع العمارة اتقفل ورايا، وشميت هوى الشارع النظيف، حسيت إن فيه جبل كان شايلاني الأرض منه فجأة واترفع عن صدري.
ياسين فتحلي باب عربية سودا فخمة كانت واقفة مستنية تحت، قعدت جوه وأنا مش قادرة أصدق. إيدي كانت لسه بتترعش، ودموعي نازلة بس المرة دي مش دموع قهر.. دي كانت دموع واحد كان محبوس في قفص سنين وفجأة أخد حريته.
قفل ياسين الباب وقعد جنبي في الكرسي اللي ورا، وبص للسواق وقال بهدوء: “اطلع يا عم علي على الفيلا.”
العربية تحركت بسلاسة في شوارع مصر الجديدة. بصيت لياسين اللي كان قاعد جنبي بكل هدوء وثبات، ملامحه اللي كانت من شوية زي الصخر قصاد بابا وماما، رجعت تاني دافية وهادية.
قلت بصوت واطي ومبحوح من العياط: “ياسين.. أنا مش عارفة أقولك إيه.. أنا لحد دلوقتي حاسة إني بحلم. أنت منين عرفت كل ده؟ وعم حسن.. إزاي وصلتله؟”
لفلي ياسين وابتسم ابتسامة هادية، ومسك إيدي بين إيديه الاثنين بحنية: “سارة.. أنا مسبتش حاجة للظروف. من أول يوم شفتك فيه في الشركة من سنتين، وأنا حاسس إن ورا عينيكي دول قصة كبيرة. لما لقيتك بتشتغلي الصبح في الحسابات وبالليل بتعملي مراجعات إضافية عشان تاخدي قرشين زيادة، ولما شفتك بترفضي أي مكافأة أو مساعدة وتصري تدفعي فواتير ما تخصكيش.. عرفت إنك مش مجرد موظفة مجتهدة. أنتِ جبل متحرك.”
سكت لحظة وكمل بصوت عميق: “بدأت أدور ورا القصة. عرفت عن مشكلة شركة باباكي القديمة، وبدأت أتبع الخيط لحد ما وصلت لعم حسن في الصعيد. الراجل كان عايش في رعب وضميره بياكله، أول ما قعدت معاه ووعدته بالحماية وبإن الحق يرجع لأصحابه، حكالي كل حاجة وأداني كل التسجيلات والورق اللي يثبت براءتك. كنت مستني اللحظة المناسبة.. اللحظة اللي أرد لك فيها اعتبارك قدامهم كلهم، وفي نفس اليوم اللي فاكرين فيه إنهم هيستغلوا اسمي عشان ينقذوا نفسهم.”
بصيت له باستغراب: “يعني.. العقد اللي بابا كان مستنيه منك؟”
ضحك ياسين ضحكة خفيفة وقال: “العقد كان حجة عشان أدخل البيت وأكشفهم قدام بعض. الشركة بتاعت باباكي كانت بتغرق بسبب السرقة والإدارة الفاشلة بتاعة كريم، وكانوا فاكرين إن زواجي منك أو ضغطهم عليكي هيبصمني على العقد.. ما يعرفوش إن الشخص الوحيد اللي يهمني في العيلة دي هو أنتِ.”
تليفوني في الشنطة بدأ يرن ومفيش فاصل.. شاشة التليفون كانت بتنور باسم “بابا”، وبعدها “ماما”، وبعدها “منى”.
بصيت للتليفون وكنت هتردد، بس ياسين حط إيده على الشاشة ببطء وقال: “متعديش اللي فات تاني يا سارة. اللي سابوكي تتكسري سنين، ما يستاهلوش لحظة واحدة من تفكيرك دلوقتي. خليهم ينشغلوا باللي عملوه في بعض.”
قفلت التليفون خالص وحطيته في الشنطة. بصيت من شباك العربية على الطريق.. كان الشروق بيطلع، ولأول مرة من سبع سنين، حسيت إن الشمس بتطلع عليا أنا.. مش عشان أروح أقف في مطبخ أو أدفع ثمن ذنب ما عملتوش، بس عشان أبدأ حياتي بجد.

وصلنا الفيلا في التجمع. مكان هادي جداً، الخضرة محاوطاه من كل ناحية، وصوت النافورة في الجنينة يهدّي الأعصاب. ياسين نزل ونزلني معاه، مشي جنبي وهو مسك إيدي بثبات، ودخلنا من الباب الكريستال الكبير.
أول ما دخلنا، لقيت ست طيبة بشوشة في الخمسينات واقفة مستنيانا، لقتني داخلة بالمريلة المتبهدلة ووشي مطفي، بصتلي بعينين مليانة حنية ورقة.
ياسين بصلي وقال بصوت دافي: “دي دادة فاطمة.. دي اللي مربياني من وأنا صغير، وهي اللي هتكون معاكي هنا. دادة فاطمة.. سارة هانم وصلت، سيدة البيت ده من النهاردة.”
دادة فاطمة قربت مني، سلمت عليا بابتسامة حنونة وقالت: “نورتي بيتك يا بنتي.. والله ياسين بيه ما كان بيفكر في حاجة بقاله أسبوعين غير اليوم ده.. أدخلي ارتاحي، أنا جهزتلك الأوضة اللي فوق وحضرتلك حمام دافي وهدوم جديدة.”
بصيت لياسين ومش مصدقة. الراجل ده مش بس جابلي حقي، ده ترتيب كل تفصيلة صغنونة عشان يرجعلي كرامتي وإنسانيتي اللي اتهانت لسنين.
طلعت الأوضة فوق.. كانت واسعة بشكل يفتح النفس، الإضاءة هادية، وفيها بلكونة كبيرة بتطل على الجنينة. دخلت الحمام، وقفت قدام المراية وفتحت المية. مسحت أثارة الصابون والزفر اللي كان لازق في إيدي من مطبخ بابا، وغيرت هدومي القديمة ولعنت سنين الخوف والكسرة.
لما نزلت الصالون تحت، لقيت ياسين قاعد قدام اللابتوب، وفي إيده فنجان قهوة. أول ما شافني طالعة، قفل اللابتوب ووقف، عينه كانت بتلمع بإعجاب وتقدير حقيقي مش زيف.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى