روايات وقصص

منقذي انجي الخطيب

“أيوة كده.. سارة الشافعي الحقيقية.” قالها وهو بيشاورلي أقعد جنبه.
قعدت، وكان فيه ترابيزة قدامي عليها ملفات أوراق كتير. بصيتله بفضول: “إيه الورق ده يا ياسين؟”
قرب الأوراق مني وقال بجدية: “دي أوراق نقل ملكية 30% من أسهام شركتي الجديدة باسمك، بالإضافة لمنصب مدير قطاع المراجعة المالية والحسابات.. أنتِ بكرة الصبح نازلة معايا الشركة، بس المرة دي مش كموظفة مطحونة بتداري عينها من الناس.. المرة دي كشريكة وقيادية بالحق والخبرة اللي عندك.”
دموعي نزلت تاني، بس مسحتها بسرعة. ردّيت بثقة لأول مرة في حياتي: “أنا مش هخذلك يا ياسين.. وأوعدك إن الشركة دي هتكبر أكتر وأكتر.”
ابتسم بثقة وقال: “عارف.. وعشان كده اخترتك.”
فجأة، جرس الفيلا رن. السواق دخل يبلغ ياسين إن فيه عربية واقفة بره، وبابا وماما وعمي داخلين في حالة انهيار وبيترجوا البوابين يدخلوهم عشان يشوفوني.
ياسين بصلي بهدوء وسألني: “القرار قرارك يا سارة.. تحبي أخليهم يدخلوا ولا أطردهم؟”
وقفت على حيلي، وبصيت ناحية الباب بثبات. تنفست بعمق وقُلت: “لأ يا ياسين.. خليهم يدخلوا. أنا مش خايفة ولا هربانة.. خليهم يدخلوا عشان يشوفوا البنت اللي استقلوا بيها وهانوها بقت فين، وعشان أسمعهم كلام كان لازم يتقال من سبع سنين.”

ياسين بصلي بنظرة كلها فخر وتقدير، وهز رأسه بهدوء. مشي ناحية السواق وقال له بنبرة حازمة: “افتح الباب يا عم علي، وخليهم يدخلوا.”
قعدت على الكرسي الرئيسي في الصالون، حطيت رجل على رجل، وتنفست بعمق. إيدي كانت ثابتة، ووشي مفيش فيه أي أثر للخوف.
بعد ثواني، دخل بابا وماما وعمي. ملامحهم كانت متبهدلة، عينيهم زي اللي راجعين من جنازة. ماما أول ما شافتني قاعدة بالهدوم الشيك دي وفي المكان الفخم ده، خطواتها اتجلطت مكانها، وبابا كان بيطلع ونزل في أنفاسه بصعوبة وكأنه مش قادر يصدق إن دي نفس البنت اللي كانت واقفة قدام حوض المطبخ من كام ساعة.
بابا قرب خطوتين، وصوته طالع مكسور وبيترعش: “سارة… يا بنتي… أنتي تهوني عليكِ تسيبي بيتك وتنزلي من غير ما تتكلمي؟ أنتي عارفة إحنا حصل فينا إيه بعد ما مشيتي؟”
رديت عليه بصوت هادي جدًا، بس كل كلمة كانت تطلع زي الرصاصة: “بيتي؟ هو أنا كان ليا بيت عندكم أصلاً يا حاج محمود؟ البيت اللي يتسق فيه حق البريئ ويتداس فيه على الإنسانية عشان تداروا على الخايب، ده مش بيت… ده كان سجن.”
ماما قربت وهي بتعيط وبتحاول تمسك إيدي: “يا سارة يا بنتي… أنا أمك! أنتي فاهمة غلط، أنا كنت خايفة على أخوكي من السجن، قلت أنتي بنت وهتستحملي لكن هو مستقبله كان هيضيع!”
سحبت إيدي منها ببرود، وبصيت في عينها مباشرة: “أنتي ما خفتيش على ابنك يا أمي… أنتي ربيتي ظالم وطلعتيه بجيح، وضحتِ بالبنت اللي كانت بتصرف عليكم وتدفع فواتيركم من عرقها. السبع سنين اللي ضاعوا من عمري، والتعب والذل والكلمات المحفورة في قلبي… مين هيعوضني عنهم؟”
عمي اتدخل وهو بيحاول يلطّف الجو: “يا سارة يا بنتي، عفا الله عما سلف… إحنا أهل، وباباكي شركته بتنهار دلوقتي، البنوك بتطالبه بالديون وكريم مقبوض عليه في قسم الشرطة بقضايا شيكات قديمة ظهرت فجأة! الأستاذ ياسين هو الوحيد اللي يقدر ينقذ العيلة دي من الفضيحة والإفلاس.”
ضحكت ضحكة قصيرة مليانة استنكار، وقفت من مكاني ومسكت الملفات اللي ياسين حطها قدامي.
“أنتم مش جايين عشان تسألوا عليا ولا عشان تتأسفوا…” قلتها وأنا ببص لبابا: “أنتم جايين عشان الشغل والعقد والفلوس! جايين عشان خايفين من الفضيحة! بس اسمعوا القول الفصل بقى…”
ياسين قرب وقف جنبي، وحط إيده على كتفي بدعم.
كملت كلامي بثبات: “أنا مش هتدخل في قضايا كريم، خليه يدفع تمن أفعاله ويتعلم اللي ما اتعلموش في بيتكوا. والشركة… لو عاوز ينقذها الحاج محمود، هيسدد كل مليم أخدتوه مني بالورق والقلم، وهتكتبوا اعتراف رسمي ببراءتي قدام كل العيلة اللي كنتوا بتتفاخروا قدامهم وتصغروني قدامهم.”
بابا بصلي بصدمة وشبه انهيار: “أنتي بتبتزطي أباكي يا سارة؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى