روايات وقصص

منقذي انجي الخطيب

بابا كان عازم العيلة كلها على الغدا في بيتنا يوم الجمعة، وماما كانت مصممة إني أفضل طول اليوم في المطبخ أطبخ وأخدم عليهم رغم ان هما كلهم قاعدين بيتكلموا ويضحكوا ويحتفلوا.
لكن بعد كام ساعة، دخل راجل لابس بدلة سودا شيك، قرب مني، مسك إيدي وباسها وقال بهدوء:
“آسف يا حبيبتي… اتأخرت عليكي.”
العيلة كلها اتجمدت مكانها من الصدمة، لأن…
بابا، الحاج محمود الشافعي، كان عازم كل قرايبنا على الغدا في بيتنا الكبير في مصر الجديدة، وبيحاول طول الوقت يبان قدام الناس إن عيلتنا ٨ ٩، وكل واحد فينا بيحب التاني وبيسأل عليه.
بس الحقيقة كانت مختلفة تمامًا.
من الساعة خمسة العصر، البيت كله كان مليان حركة. ريحة المحشي والحمام المحمر والرقاق باللحمة مالية المكان، وصوت الضحك والكلام طالع من الصالون الكبير.
أختي الكبيرة، منى، وصلت وهي لابسة بدلة شيك جدًا، ومعاها جوزها وولادها الاتنين. كانت كالعادة واخدة كل الاهتمام، وماما من أول ما دخلت وهي بتقول للناس:
“بصوا بقى على منى، ربنا يحرسها، دي ست بيت من الطراز الأول.”
أما أخويا الصغير كريم، فدخل بصوته العالي وضحكته اللي بتملأ البيت.
خالتي وعمامي وأولادهم كانوا بيتوافدوا واحد ورا التاني، والبيت بدأ يزدحم بالناس.
وأنا … كنت لوحدي في المطبخ.
ماما دخلت عليا وهي متعصبة، ورمتلي فوطة المطبخ على الرخامة وقالت:
“إنتي هتفضلي واقفة هنا طول اليوم. إنتي أكتر واحدة بتعرف تطبخ، ومفيش داعي تخرجي تقعدي مع الناس وتبوظي شكلنا.”
بصيتلها باستغراب وقلت:
“بس يا ماما أنا من الصبح واقفة على رجلي، ومحدش حتى سألني أكلت ولا لأ.”
بصتلي بنظرة باردة وقالت:
“إنتي شغلتك تخدمي البيت والعيلة. متعمليش فيها ضحية.”
شغلتك.
دي كانت الكلمة اللي اتعودت أسمعها طول عمري.
من وأنا عندي تمنتاشر سنة، يوم ما اختفى مبلغ كبير من شركة بابا، وكل الناس اتهمتني إني السبب.
الحقيقة إن الفلوس كانت اختفت بسبب كريم، أخويا المدلل، اللي كان داخل في مشاكل ومغامرات محدش يعرف عنها حاجة.
لكن ماما قررت تضحي بيا علشان تحافظ على صورته قدام بابا والعيلة.
اتدفعت فلوس دراستي علشان يسددوا جزء من الأزمة، واترميت أنا في الشارع أشتغل شغلانتين علشان أساعد في مصاريف البيت.
ومن يومها، وأنا بقيت البنت الوحشة في العيلة.
منى كانت “البنت الجميلة اللي كل الناس بتحبها”.
كريم كان “الوريث الوحيد وأمل العيلة”.
وأنا…
كنت البنت اللي كل ما حد يشوفها يقول:
“آه، دي اللي سرقت الفلوس وعملت مشكلة زمان.”
رغم إني كنت بريئة.
ورغم إني كنت أكتر واحدة وقفت جنبهم.
ورغم إني كنت بدفع من مرتبي فواتير ومصاريف ناس عمرهم ما سألوا أنا عايشة إزاي.
ومع ذلك، كل تجمع عائلي كان لازم أقضيه في المطبخ.
أطبخ أغسل.
وأقدم الأكل.
وأرجع أقف جنب الحوض لحد ما رجلي توجعني.
في الوقت اللي هما قاعدين على السفرة الكبيرة، بيضحكوا ويتصوروا، وماما بتقدم أولاد منى للضيوف بفخر:
“دول أحفادي، دول فرحة عمري كلها.”
ولا واحد فيهم سأل عني.
ولا واحد قاللي اقعدي كلي.
ولا حتى بابا، اللي كان بيحب يتكلم قدام الناس عن لمّة العيلة، افتكر إن عنده بنت تانية.
عدت ساعتين كاملين.
كنت واقفة بغسل حلة تقيلة، وإيدي كلها مية وصابون، لما فجأة جرس الباب رن.
الضحك اللي كان مالي البيت اختفى في لحظة.
سمعت صوت بابا وهو بيقول باستغراب:
“مين اللي جاي دلوقتي؟”
بعد ثواني، بدأت أسمع خطوات تقيلة جاية من ناحية الطرقة.
خطوات ثابتة وهادية، بس فيها حاجة خلتني أرفع راسي من الحوض.
دخل راجل طويل لابس بدلة سودا فخمة، شعره أسود ومرتب، وملامحه هادية بشكل غريب.
كان شكله مختلف عن كل الرجالة اللي شفتهم قبل كده.
مش بس بسبب هدومه الغالية أو ساعته اللي شكلها بمبلغ كبير…
لكن بسبب حضوره.
أول ما دخل البيت، كل الأصوات واطية لوحدها.
محدش عرف يتكلم.
ومحدش كان متوقع وجوده.

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى