روايات وقصص

المفروض

المفروض تستحمي مرة على الأقل كل يوم يا ماما! قالتها مرات ابني قدامه على السفرة رغم إنهم عايشين عندي ببلاش بقالهم 6 شهور، وهي بتقفل الحمام الوحيد في البيت ساعة و دقايق كل يوم. ما اتخانقتش معاها حطيت الشوكة وقلت لها أنا بستحمى فين فعلًا وساعتها ظهرت حاجة أسوأ بكتير.

كست يا طنط نادية، المفروض تستحمي مرة على الأقل كل يوم. إنتِ مش صغيرة علشان حد يفكرك بده. مرات ابني، مي، قالت الجملة دي وهي بتحط لنفسها رز أحمر زيادة على سفرة بيتي، بمنتهى العادية، كأنها بتقول إن الجو بكرة هيبقى حر.

ابني أحمد وقف الشوكة في إيده وبص لها مصدوم. أما أنا ما اتحركتش. عندي 62 سنة، واتعلمت إن لما حد يحاول يحرجك قدام أهلك، إنك ترد بسرعة ساعات بيكون في صالحه. فشربت رشفة مية وبصيت لها.

غريبة هو إنتِ من إمتى بقيتي بتسجلي مواعيد استحمامي؟

مي ابتسمت ابتسامة مصطنعة مليانة شفقة، الابتسامة اللي بقيت أعرفها كويس. أنا مش قصدي أضايقك يا طنط. أنا بقول كده علشان مصلحتك. إنتِ بقالك فترة بترجعي من السباحة وتدخلي تطبخي من غير حتى ما تدخلي الحمام.

وش أحمد احمر. مي، إنتِ مالك؟ ماتتكلميش مع أمي بالطريقة دي. ردت بمنتهى البرود حد لازم يقولها. النظافة برضه نوع من الاهتمام بالنفس.

بيتي في منطقة هادية في المنصورة، وكان ملجئي لأكتر من 40 سنة. أنا وجوزي حسن اشتريناه وابني أحمد لسه طفل صغير. البيت كان فيه أوضتين، وأرضيته خشب بتعمل أصوات مع البرد بالليل، وحمام واحد بس. حسن مات من 8 سنين. ومن ساعتها وأنا عايشة لوحدي ومرتاحة.

لحد من 6 شهور لما أحمد ومي خسروا الشقة اللي كانوا مأجرينها، لأن صاحبها رفع الإيجار بشكل كبير. أحمد كان بيشتغل ساعات طويلة كنائب مدير في محل كبير، ومي كانت لسه بادئة شغل إداري في عيادة خاصة. طلبوا مني يعيشوا معايا كام شهر بس لحد ما يوفروا مقدم شقة.

أنا ما طلبتش منهم إيجار. كل اللي طلبته إنهم يساعدوا في فاتورة النور ويشاركوا في مصاريف الأكل. كنت عايزاهم يحسوا إن البيت بيتهم. يمكن وده كان أول غلط عملته.

تلات مرات في الأسبوع كنت بروح أتمرن سباحة في مركز شباب قريب. الدكتور كان نصحني بالرياضة الخفيفة، فكنت كل اتنين وأربع وأحد أروح أسبح شوية بهدوء، وبعدها أستخدم دشات غرفة تغيير الملابس. كنت بستحمى هناك. بصابونة. وشامبو. ومية سخنة. كل حاجة.

لكن لسنين، كان عندي عادة إني لما أرجع البيت آخد دش سريع خمس دقايق. كنت بعمل كده علشان أشيل برد الميه من جسمي قبل ما أبدأ أجهز العشا. بطلت العادة دي بعد أسبوع واحد بالظبط من يوم ما مي سكنت معايا. لأن كل يوم، الساعة 4 ونص العصر، كانت مرات ابني تدخل الحمام الوحيد في البيت وتقفله عليها. وما تطلعش غير قرب الساعة 6. ماسك للوش. تقشير. علاجات للشعر. كريمات. سيشوار. والمية شغالة أكتر من ساعة.

ولما كانت بتفتح الباب أخيرًا، كانت المراية كلها بخار والسخان مايبقاش فيه نقطة مية سخنة. مرة خبطت على الباب بهدوء وقلت مي، ممكن أدخل دقيقتين؟ عايزة أغسل وشي بس. ردت من جوه أنا بحط علاج على شعري يا ماما. ما ينفعش تغسلي في الحوض؟

رجعت من غير ما أجادلها. وشهور كاملة فضلت ساكتة. لحد العشا ده. لحد ما هي قررت تحول سكوتي لدليل إني ست مش نضيفة.

حطيت الكوباية على السفرة وبصيت لها في عينيها. بما إنك قررتي تتكلمي عن نظافتي قدام ابني يبقى يا مي نحكي الحكاية كلها. ابتسامتها اختفت.

وأحمد رفع عينه وبص لي. وفي اللحظة دي فهمت إن الكلام اللي هقوله هيغيّر تمامًا الطريقة اللي شايف بيها مراته. لأني ماكنتش هتكلم عن الاستحمام بس. كنت هقوله فين كنت بستحمى فعلًا كل يوم وليه بطلت أدخل حمام البيت من الأساس. وكنت عارفة إن بعد ما يسمع الحقيقة مش هيبص لمراته بنفس الطريقة تاني. لأن اللي هيحصل بعد ثواني كان أبعد بكتير من مجرد خناقة على الحمام.

أحمد بصلي بدهشة، ومي حاولت تضحك بقلة حيلة وقالت حكاية إيه يا طنط؟ هو فيه حكاية؟ أنا بس بنصحك.. شورت بإيدي بصرامة وهدوء خلوها تسكت فوراً سيبيني أروي لحبيبك الحكاية يا مي. عشان أحمد فاكر إن مراته اللي جايبها تعيش في بيت أمه ببلاش بتراعي الأصول.

التفت لأحمد اللي كان الوجوم والتوتر باينين على وشه جداً، وقلتله أنا بستحمى كل اتنين وأربع وأحد في مركز الشباب يا أحمد.. بدخل دشات النادي، وبستخدم الصابون والشامبو بالمية السخنة وبغسل شعري وبخرج نضيفة وزي الفل قبل ما أرجع البيت. وعارف ليه يا ابن عمري بطلت أدخل حمام بيتي اللي بنيته مع أبوك الله يرحمه من 40 سنة؟

أحمد بلع ريقه وسأل بصوت بيترعش ليه يا أمي؟

عشان من يوم ما شرفت مراتك بيتي، وهي بتاخد الحمام لحسابها من الساعة 4 ونص لحد 6 إلا ربع.. ساعة وربع بتخلص فيها مية السخان كلها، وتسيب المراية مليانة بخار، والأرض مية، وتخلص الصابون والمناديل، ولما خبطت عليها مرة واحدة بس بكل أدب وقلت لها محتاجة أغسل وشي.. قالتلي ببرود اغسلي في حوض المطبخ!.

أحمد وشه بقى أزرق من الصدمة، والتفت لمي اللي وشها جاب ألوان الطيف وقالت بسرعة وتلعثم ده.. ده كلام مش حقيقي يا أحمد! أنا بحط ماسكات وعلاج لشعري.. وعادي إني أخد وقتي!

أنا لسه ما خلصتش يا مي.. كملت بصوت ثابت زلزل السفرة مش بس كده.. أحمد، عارف إنت ليه بقالك شهرين بتقول إن الفلوس اللي بتوفرها لمقدم الشقة مش بتزيد رغم إنك مش بتدفع هنا إيجار؟

أحمد اتسمرت عينيه عليا إنتِ تعرفي حاجة عن الفلوس يا أمي؟

أعرف.. من أسبوعين، كنت نازلة الصبح بدري، ولقيت البوسطجي جايب جوابات لبيتي.. فتحت الجواب اللي باسم مراتك بالغطاء، لقيت كشف حساب كروت الائتمان الفيزا بتاعتها من عيادة التجميل والميك أب والهدوم.. طالع ب 18 ألف جنيه في الشهر!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى