
مشينا ناحية آخر طرقة في الفيلا. كانت فيه أوضة عمرها ما سمح لي حاتم أدخلها. كنت فاكرة إنها مخزن. طلع المفتاح من إيدي وحطيته في الباب. قبل ما ألفه، سمعت صوت حركة من فوق. اتجمدت وبصيت للمحامي، هو كمان سمع: «في حد هنا.»
قلبي بدأ يدق بسرعة. قال لي: «خليكي ورايا.»
طلعنا السلم بهدوء. لكن أول ما وصلنا للدور العلوي، مفيش حد، بس باب غرفة النوم كان مفتوح. دخلنا والشباك كان مفتوح والستارة بتتحرك مع الهوا. المحامي قرب من الشباك وبص لتحت: «واضح إن حد خرج من هنا.»
قلت: «يعني كان لسه موجود؟» ما ردش.
رجعنا للأوضة المقفولة. المحامي قال: «افتحي.»
لفيت المفتاح، وسمعت صوت القفل وهو بيتفتح. دخلنا. الأوضة كانت مليانة ملفات وصناديق وصور قديمة، وفي النص مكتب خشب كبير. وفوق المكتب كان ظرف أبيض مكتوب عليه اسمي: «ليلى.»
وقفت وأنا مش قادرة أتحرك. قربت منه ومسكته. كان مكتوب بخط حاتم:
«إلى ليلى… لو إنتِ بتقري الرسالة دي، يبقى أنا مت.»
دموعي نزلت فورًا. فتحت الظرف وكان جواه خطاب طويل. بدأت أقرأ:
«ليلى… أنا عارف إنك هتسألي: ليه وافقت أتجوز راجل أكبر منك بسنين كتير؟ وعارف إنك هتفتكري إني استغليت ظروفك، لكن الحقيقة مختلفة تمامًا. أنا ماطلبتش منك الجواز عشان أخدعك، أنا طلبت منك الجواز عشان أوفر ليكي الأمان. ومن أول يوم شفتك فيه، عرفت إنك أنتِ أخت محمود.»
شهقت. المحامي بص لي لكنه ما اتكلمش. كملت القراءة:
«محمود كان أقرب شخص ليا في دار الرعاية، كبرنا سوا. ولما خرج من الدار، فضل يدور عليكي. وقفلت الدنيا في وجهه، لكن قبل ما يتوفى، طلب مني حاجة واحدة… إنّي ألاقي أخته وأحميها.»
حطيت إيدي على قلبي: «لكن فيه حاجة أهم يا ليلى. محمود ساب دليل على الناس اللي تسببوا في ضياع عيلتكم. الملف ده موجود هنا، ولو وصل لأشخاص غلط، حياتك وحياة بنتك هتكون في خطر.»
وقفت عن القراءة: «ملف إيه؟»
المحامي قال: «كملي.»
رجعت للخطاب: «أنا عارف إنك هتستغربي ليه ماقولتش لك الحقيقة من البداية. كنت خايف لأن الشخص اللي كان سبب في ضياع عيلتكم لسه موجود وبيدور على الملف. وعشان كده، أنا ماكتبتش اسمك في وصيتي، عشان الناس م تعرفش إنك الوريثة الحقيقية وتبدأ تدور وراكي. لكن أنا سبت لك حاجة أكبر من الفلوس… الحقيقة.»
بصيت للمحامي: «يعني أنا مش محرومة من الميراث؟»
هز راسه: «لسه ماخلصناش.»
رجعت للخطاب. آخر سطر كان:
«ليلى، افتحي الخزنة الموجودة خلف اللوحة اللي فيها صورتي. الكود هو تاريخ ميلاد مريم. جوا الخزنة هتلاقي كل حاجة.»
رفعت عيني ناحية الحيطة. كانت فيه لوحة كبيرة لحاتم. قربنا منها، رفعها المحامي فظهر خلفها باب خزنة صغير. إيدي كانت بتترعش وأنا بكتب تاريخ ميلاد مريم. ضغطت على آخر رقم، صدر صوت طقطقة واتفتحت الخزنة. جواها كان فيه ملف أسود، ومفتاح عربية، وفلاشة صغيرة، وصورة قديمة جداً لعيلة كاملة: أب وأم وطفلين. مسكت الصورة، كان الطفلان أنا ومحمود. ورا الصورة كان مكتوب: «الصورة دي تثبت مين كان موجود يوم الحادث.»
رفعت رأسي بسرعة: «حادث إيه؟»
المحامي أخد الصورة، قرأ الجملة وبص لي بصدمة: «ليلى… أنا أعتقد إننا كنا فاهمين القصة غلط طول الوقت.»
«يعني إيه؟»
قال: «وفاة أهلك ماكانتش حادثة عادية.»
وقبل ما يكمل… سمعنا صوت باب الفيلا الرئيسي بيتقفل بعنف. وبعدها صوت رجل من تحت: «لو سمحتوا… محدش يتحرك.»
اتجمد الدم في عروقي. المحامي قفل الخزنة بسرعة وبص لي: «خدي الملف والفلاشة.»
«وإنت؟»
«أنا هتعامل معاه.»
لكن قبل ما نتحرك، سمعنا خطوات بتطلع السلم.. لحد ما ظهر رجل غريب عند آخر السلم، بص ناحيتي مباشرة وقال: «أخيرًا… لقيتك يا ليلى.»
عرف اسمي، وعرف إني موجودة هنا. واللي خلاني أرتعب أكثر… إنه كان ماسك صورة قديمة لأبويا وأمي، بص للصورة وبعدها بص لي وقال: «حاتم ماكانش المفروض يسيب لك الحقيقة.»
وقفت مكاني مش قادرة أتكلم. بصيت للرجل وبعدين للصورة اللي في إيده: «إنت مين؟ وإزاي تعرف حاتم؟»
ابتسم ابتسامة باردة: «أنا واحد من الناس اللي حاتم كان خايف منهم.»
المحامي وقف قدامي وقال: «ابعد عنها.»
ضحك الرجل: «إنت لسه فاكر إنك تقدر تحميها؟ حاتم مات، وكل اللي كان بيحاول يعمله انتهى.»
شدّيت الملف على صدري: «إنت عايز إيه؟»
بص للمفلاشة والملف: «الحاجة اللي في إيدك.»
«مش هديهالك.»
قال بهدوء: «يبقى هتندمي.»
المحامي قرب مني وهمس: «ماتخافيش. الشرطة في طريقها.»
الرجل سمع وضحك: «الشرطة؟ قبل ما توصل، الموضوع هيكون خلص.»
وفجأة جرى ناحية المكتب. المحامي حاول يمنعه، لكن الرجل دفعه بقوة. صرخت: «ابعد عنه!»
وقعت الفلاشة من إيدي على الأرض. الرجل انحنى عشان ياخدها، وفي اللحظة دي موبايل المحامي رن. بص للشاشة وقال: «هي وصلت.»
الرجل وقف: «مين؟»
المحامي ابتسم: «الشرطة.»
وفعلًا، في ثواني سمعنا أصوات سيارات الشرطة برا الفيلا. الرجل حاول يجري ناحية الباب الخلفي، لكن تم القبض عليه قبل ما يخرج.
وقفت وأنا بترعش. بعد ما أخدوه، المحامي رجع لي: «إنتِ كويسة؟»
هزيت راسي: «أنا عايزة أعرف الحقيقة كلها.»
قعدنا في مكتب حاتم. حطينا الفلاشة في الكمبيوتر، فظهر تسجيل فيديو لحاتم وهو قاعد قدام الكاميرا وشكله متعب جداً. قال:
«ليلى، لو الفيديو ده وصل لك، يبقى أنا مش موجود. أنا عايزك تعرفي إن جوازنا كان محترم وحقيقي بالنسبة لي. أنا فعلاً قدرت وجودك، لكن حبي لكي كان مختلف… كنت شايف فيكي أخت محمود، والبنت اللي لازم أحميها.»
سكت لحظة وبعدين كمل:
«محمود قبل ما يتوفى اكتشف إن حادثة وفاة أبوكي وأمك ماكانتش حادثة عادية.»
شهقت: «مين؟»
قال حاتم: «سامح كان شريك أبوكي في شغل قديم. حصل بينهم خلاف على فلوس وملكية أرض كبيرة في القاهرة. وبعد وفاة أبوكي وأمك، الأرض اختفت أوراقها واتسجلت باسم شخص تاني.»
قلبي دق بسرعة: «لكن أبوكي كان سايب مستند يثبت إن الأرض ملك عيلتكم.»
ظهر في الفيديو صندوق أسود. «المستند ده موجود في الملف اللي سبتُه لك.»
فتحت الملف بسرعة، وكان فيه عقد ملكية قديم عليه اسم أبويا. المحامي بص للعقد وقال: «ده معناه إن الأرض دي قيمتها دلوقتي كبيرة جداً.»
لكن حاتم كمل في الفيديو: «أنا ماكنتش عايز أديكي الفلوس بس، كنت عايز أرجع لك حقك.»
وبعدين قال جملة خلتني أعيط أكثر: «وعشان كده، أنا سايب لك كل أملاكي… لكن بشكل قانوني يضمن حق بنتك.»
ظهر مستند آخر فتحه المحامي، وكانت وصية جديدة موثقة رسمياً. كل ممتلكات حاتم كانت مخصصة لمريم: شقتين في القاهرة، أراضي، حسابات بنكية، وشركة كاملة، بس بشرط:
«تظل الوصية تحت إدارة ليلى حتى تبلغ مريم سن الرشد، بشرط أن تُستخدم الثروة في تعليمها وتأمين مستقبلها.»
بصيت للمحامي: «يعني… حاتم ماحرمنيش من حاجة؟»
ابتسم: «بالعكس.»
وبعدين طلع ورقة أخيرة، كانت رسالة قصيرة بخط حاتم:
«ليلى، لو وصلتي للنهاية، افتكري حاجة واحدة… أنا ماجبتكيش الفيلا عشان تفضلي خدامة فيها، أنا جبتك عشان يكون دي أول مرة في حياتك يبقى عندك بيت محترم محدش يقدر يطردك منه.»
انهرت في البكاء. فضلت ماسكة الرسالة على صدري. طول عمري كنت بخاف من بكرة، خايفة على مريم، وخايفة أرجع تاني لنفس المكان اللي بدأت منه حياتي. لكن حاتم كان مخطط لكل حاجة بحكمة.
مرت شهور، واتحاكم الشخص اللي اقتحم الفيلا، وكشفت التحقيقات عن شبكة كبيرة كانت بتسعى للاستيلاء على أملاك عيلتي القديمة. وبعد مراجعة المستندات، رجع جزء كبير من حقوق عيلتي القانونية.
أاما أنا… ما بعتش الفيلا، وفضلت فيها أنا ومريم. وفي أول يوم دخلت فيه مريم المدرسة، وقفت قدام البوابة وأنا بفتكر اليوم اللي كنت فيه مش عارفة حتى أجيب لها الدواء. بصيت لها وهي بتجري ناحية المدرسة، وبعدين بصيت للسما وقلت: «شكرًا يا حاتم.»
بعد خمس سنين من وفاته، فهمت أخيرًا ليه طلب مني الجواز وقتها. كنت فاكرة إنه بيستغل ظروفي، لكن الحقيقة إنه كان بيحاول يوفر لي الأمان والاستقرار.
وفي آخر صفحة من الملف، لقيت جملة واحدة مكتوبة بخط إيده:
«أحيانًا الإنسان اللي يغيّر حياتك مش بيكون جاي عشان يعيش فيها للأبد… بيكون جاي عشان يفتح لك الباب، وبعدها يسيبك تكملي الطريق بنفسك.»
قفلت الملف وبصيت لمريم. لأول مرة في حياتي… ماكانش عندي أي خوف من المستقبل. كان عندي بيت، وعندي بنتي، وعندي الحقيقة، والأهم من ده كله… كان عندي فرصة أبدأ حياة جديدة بكرامة وأمان.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



