
— فين اللحمة؟!
حماتي صرخت وهي بتبص للحلة الفاضية قدام حوالي 20 واحد من الضيوف.
جوزي كان متوقع إني أدفع وأطبخ وأخدم زي ما عملت طول الخمس سنين اللي فاتوا.
بس المرة دي ما اتخانقتش مع حد…
طلعت كراسة رمادي من شنطتي وحطيتها على الترابيزة، وكانت فيها كل مصاريف البيت والأكل والديون اللي دفعتها جنيه بجنيه.
ولما جوزي شاف الرقم الأخير، سكت فجأة وبطل يدافع عن أمه…
لأن الهدية الحقيقية بتاعتي كانت لسه ما ظهرتش.
الجزء الأول
— هو ده أكل للعيلة ولا الأكل اللي بنحطه لقطط الشوارع؟!
حماتي سعاد رمت المعلقة جوه الطبق، وصوت خبطها اتسمع في المطبخ كله.
وشها كان أحمر من الغضب.
قدامها كان فيه طاجن سمك بالبطاطس والكوسة والبصل والكزبرة، كنت محضراه من الصبح.
من يومين كانت هي اللي طلبت مني أعمل أكل:
— عايزة حاجة خفيفة يا بنتي، من غير دهون كتير.
وعشان كده اشتريت سمك بلطي فيليه طازة من السوق.
بس واضح إن ده كمان ما عجبهاش.
— أنا قلتلك عايزة سمك كويس يا سعاد. دنيس، قاروص… حاجة تليق بينا. مش السمك اللي بتشتريه وقت العروض!
مرات أخو جوزي، هبة، ضحكت ضحكة صغيرة وهي بتلف مفاتيح عربيتها بين صوابعها.
— يا ماما، إنتِ لسه مستغربة؟! ما إنتِ عارفة إن مريم بتوفر لما الموضوع يكون متعلق بينا. أخويا أحمد بيهلك نفسه في الشغل، ومراته بتقدملنا شوربة سمك بتاعة الغلابة!
بصيت لجوزي.
— أحمد، قول حاجة.
وطى عينه وقال بهدوء:
— مريم، ما تكبريش الموضوع. أمي ست كبيرة، ومن حقها تاكل كويس.
حسيت ساعتها إن حاجة جوايا اتكسرت.
ومكانتش بسبب السمك.
كانت بسبب خمس سنين كاملين.
خمس سنين وأنا بصحى بدري كل يوم جمعة، عشان سعاد كانت دايمًا تقول:
— العيلة لازم تتجمع على سفرة واحدة.
وطبعًا، التجمع ده كان دايمًا في شقتي أنا.
الشقة اللي جدي كان سايبهالي قبل ما أعرف أحمد أصلًا.
خمس سنين وأنا بطبخ محشي، ولحمة، وفراخ، وطواجن، ومكرونة، وحلويات، وبجهز صواني أكل تكفي جيش.
سعاد وهبة عمرهم ما جم مرة ومعاهم حتى كيس عيش.
كانوا بييجوا ومعاهم بس الشهية.
وقبل ما يمشوا، كانوا بيمَلّوا علبهم.
— دي للغدا بكرة.
— ودي للعشا.
— حطيلي شوية كمان لهبة.
وأحمد طول الوقت كان بيقول:
— ما تبقيش حساسة زيادة عن اللزوم يا مريم.
أنا كنت شغالة محللة تكاليف في شركة مقاولات كبيرة، ومرتبي كان أعلى منه بكتير.
وعشان كده، مع الوقت، بقيت أنا اللي بدفع تمن المشتريات، وصيانة الشقة، والفواتير، وتصليحات العربية…
وحتى بعض الديون اللي أحمد كان كل مرة يوعدني إنه هيرجعهالي.
وما رجّعش جنيه واحد.
بصيت تاني للطبق اللي قدام سعاد.
مسكت الحلة كلها، ومشيت بيها ناحية الحوض.
وبكل هدوء…
كبيت الأكل كله في الحوض.
— الأكل خلص.
سعاد قامت من مكانها مرة واحدة.
— إنتِ بتعملي إيه؟! دي قلة أدب!
بصيتلها من غير ما أرفع صوتي.
— دي شقتي يا سعاد. والأكل ده اتجاب بفلوسي. ومحدش مجبر ياكل حاجة هو شايفها أكل قطط.
هبة خبطت إيدها على الترابيزة.
— أحمد! إنت هتسيب مراتك تكلم أمك بالطريقة دي؟!
وساعتها جوزي أخيرًا اتكلم.
بس مش عشان يدافع عني.
دافع عن أمه.
— اعتذري لأمي يا مريم.
بصيتله كام ثانية.
وبعدين قلت:
— لأ.
— مريم…
— ودلوقتي… اطلعوا التلاتة من بيتي.
سعاد مسكت شنطتها وهي بتتكلم بعصبية:
— أنا مش هحط رجلي في البيت ده تاني!
رديت بمنتهى الهدوء:
— تمام.
في الليلة دي، أحمد نام وهو مديني ضهره.
وأنا ما اتخانقتش معاه.
دخلت مكتبي، وطلعت من درج مكتبي كراسة رمادي كنت محتفظة بيها بقالها سنين.
فتحت كشوفات حساباتي، وبدأت أكتب الأرقام.
تاريخ بتاريخ.
فاتورة بفاتورة.
وجنيه بجنيه.
وبعد أسبوعين…
سعاد ظهرت تاني قدام باب شقتي.
بس المرة دي…
ما كانتش جاية عشان تاكل.
كانت جاية تطلب مني حاجة أخطر بكتير.
واللي طلبته منها كان كفيل إنه يغيّر كل حاجة.
حكايات_ميراا
الجزء الثاني
بعد أسبوعين بالظبط…
كنت قاعدة في الصالة، براجع شوية أوراق من الشغل، لما سمعت جرس الباب.
فتحت…
لقيت سعاد واقفة.
بس المرة دي ما كانتش لوحدها.
كان معاها هبة، وأحمد.
بصيت لهم ثواني، وبعدها قلت:
— خير؟
سعاد دخلت من غير ما تستنى دعوة.
وقعدت على الكنبة وقالت:
— إحنا جايين نتكلم في موضوع مهم.
بصيت لأحمد.
كان ساكت.
قلت:
— اتفضلوا.
هبة بصت حوالين الشقة وقالت:
— بصراحة يا مريم، إحنا شايفين إن اللي حصل آخر مرة كان سوء تفاهم.
ضحكت بسخرية.
— سوء تفاهم؟
سعاد قاطعتها:
— خلاص يا بنتي، اللي حصل حصل. إحنا مش جايين نتخانق.
سكت شوية، مستنية أعرف هي عايزة إيه.
فجأة قالت:
— أنا عايزة أبيع شقتي.
بصيت لها باستغراب.
— طيب… مبروك؟
قالت:
— وأحمد هو اللي هيتصرف في الموضوع.
بصيت لأحمد.
— وأنا مالي؟
سعاد اتنهدت وقالت:
— عشان الشقة اللي هنسكن فيها بعد البيع… محتاجة مقدم كبير.
هبة دخلت في الكلام:
— وإحنا كنا عايزين ناخد منك المبلغ ده سلفة.
ضحكت.




