
أحمد قال بسرعة:
— مريم، إحنا محتاجين حوالي مية وخمسين ألف بس.
حطيت القلم على الترابيزة.
— ومين قال إني معايا مية وخمسين ألف؟
سعاد ردت بكل ثقة:
— مرتبك.
بصيت لها.
— مرتبي؟
— آه. إنتِ بتقبضي كويس، ومش ناقصك حاجة.
هنا لأول مرة حسيت إن الموضوع مش مجرد استغلال.
دي كانت قناعة كاملة عندهم إن فلوسي حق مكتسب ليهم.
قلت:
— أنا مش هديكم جنيه.
أحمد اتضايق:
— مريم، دي أمي!
— وأنا مراتك.
سكت.
كملت:
— وأمك عندها شقتها، وعندها معاش، وعندها ابن وبنت. أنا مش مسؤولة عن حياتكم.
سعاد وقفت.
— يعني بعد الخمس سنين اللي أكلتي فيهم من خير ابني…
قاطعتها:
— أنا اللي كنت بصرف على البيت.
أحمد بص لأمه.
وأنا دخلت مكتبي.
رجعت بعد دقيقة، وفي إيدي الكراسة الرمادي.
حطيتها قدامهم.
— عشان كده أنا جبتلكم حاجة.
هبة فتحت الكراسة.
أول صفحة كانت مكتوب فيها:
“مصاريف مريم على البيت والعيلة من أول سنة جواز.”
تحتها أرقام.
إيجار سابق.
فواتير.
مشتريات.
صيانة.
أكل.
علاج.
ديون أحمد.
مصاريف مناسبات.
حتى تمن علب الأكل اللي كانت سعاد وهبة بياخدوها.
هبة قلبت الصفحات بسرعة.
— إيه ده؟
قلت:
— خمس سنين.
أحمد مسك الكراسة.
قعد يقلب فيها.
كل فاتورة كان قدامها تاريخ.
كل تحويل كان عليه كشف حساب.
كل مرة سددت فيها قسط من ديونه كانت موثقة.
لحد ما وصل للصفحة الأخيرة.
كان الرقم مكتوب بخط كبير.
٧٨٤ ألف و٣٢٠ جنيه.
أحمد رفع عينه ببطء.
— إيه الرقم ده؟
قلت:
— ده إجمالي اللي دفعته أنا خلال خمس سنين على البيت، وعليك، وعلى مناسبات عيلتك، وعلى طلبات أمك وأختك.
سعاد شهقت:
— سبعمية وتمانين ألف؟!
قلت:
— لأ.
وسكت ثانية.
— ٧٨٤ ألف و٣٢٠ جنيه.
أحمد قعد مكانه.
كان وشه متغير.
— إنتِ كنتِ بتسجلي كل ده؟
— أيوه.
— ليه؟
بصيت له.
— عشان كنت مستنية اليوم اللي حد يقولي فيه إني عايشة على حسابك.
ما ردش.
هبة قالت بعصبية:
— بس ده جواز! يعني مش كل حاجة تتحسب بالطريقة دي!
بصيت لها.
— عندك حق.
وسكت شوية.
— الجواز مش حسابات.
وبعدين قربت الكراسة منها.
— عشان كده أنا ما طلبتش منك تمن كل مرة أكلتي فيها عندي.
— ولا طلبت من أمك تمن الأكل.
— ولا حتى طلبت من أحمد يرجعلي كل جنيه.
— أنا كنت بس عايزة احترام.
الصالة سكتت.
سعاد قالت:
— طب وإحنا جايين نطلب منك مساعدة، تقومي عاملة فيها محامية؟
ابتسمت.
— المساعدة كانت ممكن تحصل لو كان في احترام.
أحمد أخيرًا اتكلم:
— مريم، أنا آسف.
بصيت له.
— آسف على إيه؟
قال:
— على إني سبت أمي وأختي يستغلوا فلوسك.
هبة قامت:
— أحمد!
رفع إيده.
— كفاية يا هبة.
أول مرة أشوفه واقف قدامهم.
كمل:
— أنا عارف إن مريم كانت بتدفع أكتر مني.
سعاد قالت:
— وإنت هتصدقها يعني؟
أحمد رد:
— أنا مش مصدقها.
وبص للكراسة.
— أنا شايف الأرقام بعيني.
وبعدين بص لي.
— بس في حاجة أنا مش فاهمها.
— إيه؟
— إنتِ ليه استحملتي كل ده؟
سكت.
وبعدين قلت:
— عشان كنت بحبك.
الكلمة نزلت عليه كأنها صفعة.
— وكنت فاكرة إنك في يوم هتلاحظ.
سعاد نزلت عينها.
أما أحمد، ففضل ساكت.
بعدها بدقائق مشيوا.
لكن أحمد وقف عند الباب وقال:
— مريم… ممكن نتكلم لوحدنا؟
قلت:
— اتفضل.
قال:
— أنا غلطت.
— عارفة.
— وهصلح.
— إزاي؟
— هبيع عربيتي وأسدد جزء من اللي عليا.
هزيت راسي.
— لأ.
استغرب.
— ليه؟
قلت:
— لأن الموضوع مش فلوس بس.
قرب مني.
— أمال إيه؟
— إنك تعرف إن مراتك مش بنك.
سكت.
— وإن أمك مش صاحبة الشقة.
— وإن أختك مش من حقها تدخل بيتي وتطلب اللي هي عايزاه.
— وإن كلمة “احنا عيلة” مش معناها إن واحد بس يدفع والباقي ياخد.
أحمد هز راسه.
— عندك حق.
قلت:
— وأنا مش عايزة منك اعتذار.
— أمال عايزة إيه؟
— تغيير.
ومشى.
عدّى شهر.
الغريب إن البيت بقى هادي جدًا.
مفيش زيارات مفاجئة.
مفيش طلبات.
مفيش عزومات إجبارية.
وأحمد بدأ يتغير فعلًا.
بقى يدفع نص مصاريف البيت.
وبقى لما أمه تطلب منه حاجة يقول:
— مريم مالهاش علاقة.
لكن سعاد ما استسلمتش.
بعد شهرين، اتصلت بأحمد وهي بتعيط.
قالت له:
— ابنك هيموتني من الجوع.
أحمد سألها:
— في إيه؟
قالت:
— فلوس العلاج خلصت.
أحمد راح لها.
واكتشف إن سعاد كانت فعلًا محتاجة عملية بسيطة.
رجع البيت وقال لي:
— أمي محتاجة علاج.
قلت:
— طيب روح معاها للدكتور.
— الفلوس ناقصة.
فتحت شنطتي.
أحمد بص لي.
— هتدفعي؟
قلت:
— لأ.
اتصدم.
— مريم!
— بس هساعدك تلاقي حل.
فتحت اللابتوب.
— هاتي تقريرها الطبي.
وبدأت أبحث عن مستشفى مناسب وتأمين وعروض علاج.
بعد يومين لقينا مستشفى بتكلفة أقل بكتير.
أحمد بص لي وقال:



