
أول حاجة سمعتها… كانت صوت جهاز بيرن جنبي. بيب… بيب… بيب… حاولت أفتح عيني بالعافية. كل حاجة كانت ضباب. ريحة المطهرات مالية المكان. ولما الرؤية بدأت توضح… لقيت نفسي في أوضة مستشفى. حاولت أتحرك… لكن بطني كانت بتوجعني كأنها متخاطة بالنار. بعد ثواني…
دخل دكتور في أواخر الأربعينات، وعلى وشه ابتسامة هادية.
قال:
ـ الحمد لله… فوقتي.
بصيتله وأنا صوتي طالع بالعافية.
ـ أنا… حصلي إيه؟
قرب مني وقال بهدوء:
ـ الزائدة انفجرت.
وللأسف وصلتي متأخرة جدًا.
إحنا فقدنا نبضك أكتر من مرة على ترابيزة العمليات… لكن ربنا كتبلك عمر جديد.
دموعي نزلت من غير ما أحس.
افتكرت…
المكالمات السبعتاشر.
ورسالة أمي.
سألته بصوت مكسور:
ـ أمي… جات؟
الدكتور سكت لحظة…
وبعدين قال:
ـ الحقيقة…
آه.
بس اللي حصل بعد كده هو اللي صدمني أنا شخصيًا.
بصيتله باستغراب.
قال:
ـ والدتك وصلت بعد العملية بكام ساعة.
وأول حاجة قالتها للإدارة…
إنها عايزة تخرجك النهارده.
استغربت.
ـ تخرجني؟!
قال:
ـ أيوه.
وقالت إن مفيش داعي تقعدي في المستشفى علشان “الفاتورة متزيدش”.
وإنها هتاخدك البيت وهي هتعرف تتصرف.
أنا حسيت إن الأرض بتميد بيا.
الدكتور كمل كلامه وهو بيبص في الملف.
ـ لكن قبل ما الإجراءات تكمل…
في راجل جه وسدد كل حساب المستشفى.
بصيتله وأنا مش فاهمة.
ـ راجل مين؟
ابتسم وقال:
ـ جاركم… عم رمضان.
الجملة وقعت عليا كأنها صاعقة.
ـ عم… رمضان؟!
هز راسه.
ـ هو وجارتك الحاجة أم سيد فضلوا هنا طول الليل.
ولما عرف إن العملية هتكلف مبلغ كبير…
راح كسر الوديعة اللي كان محوشها علشان يجوز ابنه، ودفع كل الفلوس من غير ما يقول لحد.
دموعي نزلت أكتر.
مش مصدقة.
الناس اللي بيني وبينهم “السلام عليكم” كل يوم…
عملوا اللي أهلي معملهبوءش.
بعد شوية…
الباب خبط.
دخلت الحاجة أم سيد وهي شايلة شنطة فيها هدوم نظيفة وشوربة فراخ سخنة.
أول ما شافتني صحيت…
جريت عليا.
حضنتني وهي بتعيط.
ـ حمد لله على سلامتك يا بنتي… كنتي هتكسري قلبي.
فضلت أبكي في حضنها.
من غير كلمة.
بعدها بدقايق…
الباب اتفتح تاني.
دخلت أمي…
وراها أبويا.
وأول كلمة قالتها كانت:
ـ عاملة إيه دلوقتي؟
بصيتلها…
وسكت.
قالت وهي بتحاول تبتسم:
ـ معلش يا بنتي… الدنيا كانت ملخبطة.
قاطعتها بهدوء لأول مرة في حياتي.
ـ كفاية.
سكتت.
قلت وأنا ببص في عينيها:
ـ وأنا بموت…
كنتي بتجهزي للحفلة.
وأنا على ترابيزة العمليات…
كنتي بتفكري في الفاتورة.
وأنا كنت محتاجة أمي…
ملقتش غير جارتي.
وأنا محتاجة أبويا…
لقيت عم رمضان.
أنتم جيتوا متأخر…
أوي.
أبويا حاول يتكلم.
ـ يا مي…
رفعت إيدي ووقفته.
ـ لو سمحت.
خليني أتكلم مرة واحدة من غير ما حد يقاطعني.
أنا عمري ما زعلت إنكم حبيتوا أختي.
زعلت…
إنكم عمركم ما حسيتوا إن ليكم بنت تانية.
الصمت ملأ الأوضة.
حتى أمي…
معرفتش ترد.
بصيت للحاجة أم سيد.
ومسكت إيدها.
وقلت:
ـ فيه ناس بتخلف…
وفيه ناس بتحتوي.
وأوقات…
الاحتواء بيبقى أغلى من صلة الدم.
خرجت أمي وأبويا من الأوضة ورؤوسهم في الأرض.
ومن يومها…
مبقوش يحاولوا يبرروا اللي عملوه.
أما أنا…
فلما خرجت من المستشفى، أول مكان روحتله كان شقة عم رمضان والحاجة أم سيد.
خبطت على بابهم، ولما فتحوا…
حضنتهم.
وقلت بابتسامة كلها دموع:
ـ شكرًا…
علشان في الليلة اللي فقدت فيها أهلي…
لقيت عيلة جديدة.
تمت.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



