
بعد ثوانٍ، دوى طرق قوي على باب المكتب الخارجي.
مرة…
ثم مرتين…
ثم صوت رجل يقول بنبرة رسمية
في حد هنا؟
نظر سليم إلى فؤاد.
تعرف الصوت؟
هز رأسه بالنفي.
تقدم كريم نحو الباب الخارجي وفتحه بحذر.
وقف أمامه رجل في الخمسينيات من عمره، يحمل حقيبة أوراق سوداء، وخلفه شاب يرتدي زي شركة نقل.
ابتسم الرجل بأدب وقال
مساء الخير… إحنا من الشركة المالكة للمبنى.
أخرج بطاقة تعريفه وأكمل
كنا جايين نستلم المكتب، لكن الحارس قال إن في ناس دخلوا قبلنا.
تنفس الجميع براحة نسبية.
لم يكونوا الغرباء الذين ظنوهم.
قال كريم
هنخلص خلال دقائق.
هز الرجل رأسه موافقًا، لكنه قبل أن ينصرف، وقعت عيناه على فؤاد.
تغيرت ملامحه فجأة.
قال بدهشة
أستاذ فؤاد؟
رفع فؤاد رأسه.
أيوه… حضرتك تعرفني؟
ابتسم الرجل.
أكيد… أنا ابني كان بيشتغل مع حضرتك زمان.
ثم أضاف وهو يشير إلى المكتب
الغريب إن المكان ده فضل مقفول سنين، وكل ما كنا نحاول نفتحه كنا نلاقي في الورق وصية واضحة إنه يفضل كما هو لحد ما يرجع الأستاذ سليم بنفسه.
نظر سليم إلى الرجل باستغراب.
يعني محدش دخل هنا من يوم وفاة أبويا؟
ولا حد.
خرج الرجل وأغلق الباب خلفه.
ساد الصمت من جديد.
أخرج سليم شريط الفيديو من الصندوق.
وبجواره كان هناك جهاز عرض قديم، وإلى جانبه محول كهربائي محفوظ داخل علبة.
قال فؤاد بابتسامة خفيفة
واضح إن والدك كان محضر كل حاجة.
وصل كريم الجهاز بالكهرباء.
أدار المفتاح.
صدر صوت خفيف…
ثم بدأت الشاشة البيضاء المعلقة على الحائط تضيء.
بعد ثوانٍ ظهر والد سليم على الشاشة.
كان يجلس خلف نفس المكتب الذي يقفون أمامه الآن.
ابتسم للكاميرا وقال
لو أنت بتشوف التسجيل ده يا سليم… يبقى الحمد لله إنك رجعت.
شعر سليم بقشعريرة تسري في جسده.
لم يرَ والده بهذه الصورة منذ سنوات طويلة.
أكمل الأب
عارف إن عندك أسئلة كتير… لكن قبل ما أجاوبك، لازم تعرف إنك هتغضب مني.
تجمد سليم.
تابع والده
لأني أخفيت عنك سرًا كبيرًا… وكنت مضطر أعمل كده عشان أحمي العيلة.
وفي اللحظة التي كان الجميع ينتظر فيها سماع السر…
انطفأت الشاشة فجأة.
عمّ الظلام الغرفة لثوانٍ.
ثم انقطع التيار الكهربائي عن المبنى بالكامل.
قال كريم بسرعة
الجهاز فصل!
لكن فؤاد نظر من النافذة وقال بقلق
دي مش مشكلة كهربا…
سأله سليم
إزاي عرفت؟
أشار إلى الشارع.
كانت كل أعمدة الإنارة خارج المبنى ما زالت مضاءة بشكل طبيعي.
أما المبنى وحده… فقد غرق في الظلام بالكامل، وكأن أحدًا فصل الكهرباء عنه عمدًا تسارعت أنفاس الجميع.
وقف سليم مكانه وهو يحاول يستوعب اللي بيحصل.
قال بصوت منخفض
يعني حد قاصد يقطع الكهربا عن المبنى؟
هز كريم رأسه وهو أخرج كشافًا صغيرًا من حقيبته.
واضح كده.
أضاء الكشاف، ومرر نوره على الجدران.
كانت الغرفة كما هي… لكن شيئًا لفت انتباهه.
خلف جهاز العرض مباشرة، كان هناك صندوق كهرباء صغير، بابه مفتوح.
اقترب منه.
انحنى قليلًا ثم قال
غريبة…
سليم اقترب بسرعة.
إيه؟
أشار كريم إلى الأسلاك.
التيار مش مقطوع… الفيوز متشال بإيد حد.
نظر الجميع لبعضهم.
يعني شخص دخل المبنى قبلهم… أو كان موجودًا فيه.
في نفس اللحظة، جاء صوت نادين من خارج الغرفة
سليم!
خرجوا مسرعين.
وجدوا نادين واقفة في الممر، وعمر بجوارها.
قالت وهي تشير إلى نهاية الممر
أنا كنت واقفة مع عمر هنا… وسمعت باب بيتقفل.
التفت سليم ناحية نهاية الممر.
كان هناك باب معدني صغير، لم يلاحظوه عند دخولهم.
ركض نحوه.
فتح الباب بسرعة.
لكنه لم يجد أحدًا.
فقط سلم خلفي يؤدي إلى فناء المبنى.
نزلوا جميعًا.
الفناء كان خاليًا تمامًا.
لكن على الأرض، كانت آثار عجلات سيارة حديثة، وكأنها غادرت منذ لحظات.
عادوا إلى المكتب.
قال فؤاد وهو يفكر
اللي دخل، مكانش جاي يسرق.
سأله سليم
ليه؟
لأن لا الملف اتاخد، ولا الشريط، ولا المفتاح.
رد كريم
يبقى كان هدفه يمنعنا نشوف التسجيل.
ساد الصمت.
ثم ابتسم سليم لأول مرة منذ بداية اليوم.
قال بثقة
يبقى التسجيل مهم فعلًا.
فتح الصندوق مرة أخرى.
وبينما كان يرفع جهاز العرض ليتأكد من سلامته، لاحظ شيئًا غريبًا.
في أسفل الجهاز كان هناك درج صغير جدًا، بالكاد يُرى.
حاول فتحه.
كان عالقًا.
ساعده كريم حتى انفتح أخيرًا.
داخل الدرج وجدوا مفتاحًا صغيرًا جدًا، ورسالة مطوية.
فتح سليم الرسالة.
كانت مكتوبة بخط والده أيضًا.
إذا تعطل العرض لأي سبب، فاعلم أني توقعت ذلك. لذلك تركت النسخة الثانية في المكان الذي كنت تأخذني إليه كل يوم جمعة، بعد صلاة العصر.
نظر سليم إلى الرسالة طويلًا.
ثم همس
كل يوم جمعة…
بدأ يسترجع ذكرياته مع والده.
حديقة؟
المزرعة؟
المكتبة؟
ظل صامتًا لدقائق.
وفجأة اتسعت عيناه.
قال
عرفت المكان…
لكن قبل أن ينطق بالاسم، رن هاتفه.
نظر إلى الشاشة.
كان رقمًا مجهولًا.
تردد لحظة، ثم أجاب.
جاءه صوت رجل هادئ يقول
واضح إنك لقيت الرسالة الأولى… لكن لو رحت للمكان اللي في بالك، هتكتشف إنك متأخر.
وقبل أن يسأل سليم أي سؤال…
أغلق المتصل الخط الحاج عبد الرحيم اتجه بسرعة ناحية الباب الخشبي، وأغلقه بالمفتاح، ثم أسدل ستارة سميكة على الزجاج الأمامي للمكتبة.
ساد هدوء غريب.
حتى صوت الشارع اختفى.
نظر إلى سليم وقال
تعالى معايا… والأستاذ كريم ييجي معاك. أما مدام نادين وعمر، يفضلوا هنا.
اعترض سليم فورًا
ليه؟
ابتسم الحاج عبد الرحيم وقال
لأن المكان اللي هننزل له ضيق، ومش آمن للأطفال.
تعجبت نادين.
ننزل له؟
اقترب الرجل من آخر رف في المكتبة، وأخرج كتابًا ضخمًا من مكانه.
ثم ضغط بيده على قطعة خشب صغيرة كانت خلف الكتاب.
صدر صوت خافت…
وبدأ رف الكتب يتحرك ببطء إلى الجانب.
خلفه ظهر سلم حجري قديم ينزل إلى أسفل.
نظر سليم إلى كريم.
كريم قال بهدوء
واضح إن والدك كان محضر كل حاجة.
نزل الثلاثة بحذر.
كل درجة كانت تصدر صوتًا من أثر الزمن.
وفي نهاية السلم، وصلوا إلى غرفة صغيرة، تتوسطها منضدة خشبية، وفوقها صندوق حديدي أسود.
على غطاء الصندوق كانت لوحة نحاسية مكتوب عليها
الأمانة الثانية.
اقترب سليم.
لاحظ أن الصندوق لا يحتاج مفتاحًا.
بل يحتاج المفتاح الصغير الذي وجدوه داخل جهاز العرض.
أخرج المفتاح من جيبه.
أدخله في الفتحة.
استدار بسهولة.
ثم ارتفع غطاء الصندوق ببطء.
داخله وجدوا…
دفترًا جلديًا قديمًا، ومجموعة صور، وظرفًا آخر مختومًا بالشمع الأحمر.
فتح سليم الدفتر أولًا.
كانت أول صفحة تحمل عنوانًا بخط والده
يوميات الحقيقة.
قلب الصفحة التالية.
بدأ يقرأ
إذا وصلت إلى هنا يا سليم، فاعرف أن كل ما سمعته عن شراكة المشروع كان نصف الحقيقة فقط… أما النصف الآخر، فلم يعرفه أحد غيري.
تسارعت أنفاسه.
واصل القراءة
في سنة 1998، اتخذنا قرارًا غيّر حياتنا جميعًا… لكنه أيضًا صنع عدوًا لم ينسَ ما حدث حتى اليوم.
وقبل أن يكمل السطر التالي…
سمعوا صوت ارتطام قوي من أعلى المكتبة.
ثم صوت نادين وهي تنادي بفزع
سليم… بسرعة!
رفع سليم رأسه، وأغلق الدفتر فورًا، وانطلق هو وكريم وفؤاد نحو السلم، بينما كان صوت تكسير الزجاج في الطابق العلوي يزداد لحظة بعد أخرى، وكأن أحدًا نجح أخيرًا في اقتحام المكتبة ظل سليم ينظر إلى شاشة الهاتف لثوانٍ، ثم أعاد الاتصال بالرقم.
الرقم غير متاح.
ضغط على أسنانه وهو يحاول يسيطر على أعصابه.
قال كريم
إيه قال؟
تنهد سليم وأعاد عليهم المكالمة بالحرف.
ساد الصمت.
قال فؤاد وهو يفكر
يبقى في حد عارف كل خطوة بنعملها.
نادين عقدت ذراعيها وقالت
أو في حد كان موجود هنا وسمع كل كلامنا.
الجملة دي خلت الجميع ينظر تلقائيًا إلى أركان المكتب.
بدأ كريم يفتش المكان بدقة.
وبعد دقائق، توقف أمام ساعة حائط قديمة كانت معلقة فوق الباب.
أنزلها من مكانها.
وفجأة…
وقع جسم صغير على الأرض.
التقطه كريم.
كان جهازًا إلكترونيًا صغيرًا جدًا.
قال وهو يقلبه بين أصابعه
ده جهاز تسجيل صوت… شكله قديم، لكنه شغال.
شهق فؤاد.
يعني حد كان بيسمعنا؟
أطفأ كريم الجهاز ووضعه في جيبه.
وده يفسر المكالمة.
نظر سليم إلى الرسالة مرة أخرى.
ثم قال بثقة
مش مهم هو عرف ولا لأ… إحنا هنكمل.
سألته نادين
فاكر المكان؟
ابتسم ابتسامة حزينة.
أيوه.
ثم نظر إلى عمر.
أبويا كان كل يوم جمعة ياخدني بعد الصلاة لمكتبة صغيرة قديمة. مكان هادي، وكان يقول إن الكتب بتحفظ أسرار أصحابها أكتر من البيوت.
استغرب فؤاد.
مكتبة؟
هز سليم رأسه.
مكتبة قديمة في وسط البلد. زمان كانت ملك راجل صاحب أبويا.
قال كريم
يبقى نتحرك قبل ما حد يسبقنا.
أغلقوا المكتب مرة أخرى، وسلموا المفاتيح لمندوب الشركة، ثم انطلقوا جميعًا.
وخلال الطريق…
كان سليم يشعر لأول مرة منذ سنوات أن والده ما زال يقوده خطوة بخطوة.
بعد نحو أربعين دقيقة، توقفوا أمام مبنى قديم، تتوسطه لافتة خشبية باهتة، كُتب عليها اسم المكتبة.
لكن شيئًا لم يكن طبيعيًا.
باب المكتبة كان مفتوحًا رغم أن الوقت متأخر.
ولا يوجد أي ضوء بالداخل.
دخل سليم بحذر.
رائحة الورق القديم ملأت المكان.
صفوف طويلة من الكتب، وسكون غريب.
وفجأة…
خرج رجل مسن من بين الأرفف، يحمل مصباحًا يدويًا.
ابتسم أول ما رأى سليم.
وقال وكأنه كان ينتظره منذ زمن
اتأخرت يا بني…
تجمد سليم.
قال الرجل
أبوك قال لي لو جيت في يوم، أسلمك الأمانة.
وقبل أن يكمل…
دخل شاب مسرعًا من الباب وهو يلهث، وصاح
الحاج عبد الرحيم… في ناس بيسألوا عليك بره، ومعاهم صورة الأستاذ سليم!
نظر الرجل المسن إلى سليم بسرعة، ثم
قال بصوت حاسم
اقفلوا الباب… واضح إن الوقت خلص، والسر بقى أقرب ما يكون إنه ينكشف قفز سليم درجات السلم اثنتين اثنتين، وخلفه كريم وفؤاد.
ما إن وصلوا إلى الطابق العلوي حتى وجدوا نادين تضم عمر إليها، بينما تناثر الزجاج على الأرض بجوار إحدى النوافذ الجانبية.
قال سليم بقلق
إنتوا كويسين؟
هزت نادين رأسها بسرعة.
إحنا بخير… بس حد رمى حجر وكسر الإزاز.
نظر كريم إلى الأرض.
كان الحجر ملفوفًا بورقة ومربوطًا بخيط.
التقطه بحذر، وفك الخيط.
فتح الورقة، ثم قرأ بصوت منخفض
اللي بيدور على الماضي… هيضيع منه المستقبل.
قطب سليم حاجبيه.
مين اللي بيلعب اللعبة دي؟
اقترب الحاج عبد الرحيم من النافذة، وألقى نظرة سريعة إلى الشارع.
قال
مفيش حد… واضح إن اللي عمل كده كان عايز يوصل الرسالة ويمشي.
أخذ سليم الورقة من يد كريم، وقلبها.
لاحظ ختمًا صغيرًا في الزاوية.
دائرة بداخلها حرف واحد فقط…
م.
قال فؤاد فجأة
أنا شفت الختم ده قبل كده.
التفت الجميع إليه.
فين؟
تنهد وقال
على ملف قديم كان عند والدك… لكنه اختفى قبل وفاته بفترة.
اشتد فضول سليم.
كان مكتوب فيه إيه؟
هز فؤاد رأسه.
مكملتش قراءته… لكن فاكر إن والدك أول ما شاف الختم ده، قفل الملف بنفسه وقال لسه معاد الحقيقة مجاش.
ساد الصمت.
ثم نظر كريم إلى الدفتر الجلدي الذي ما زال في يد سليم.
واضح إن كل إجابة بتولد سؤال جديد.
أومأ سليم.
بس المرة دي هنكمل.
عادوا جميعًا إلى الغرفة السرية.
فتح سليم الدفتر عند الصفحة التي توقف عندها.
وأكمل القراءة
العدو اللي كنت بخاف منه، مكانش هدفه الفلوس… كان هدفه ورقة واحدة.
قلب الصفحة التالية.
لم يجد أي كتابة.
ولا الصفحة بعدها.
كلها بيضاء.
استغرب وقال
إيه ده؟
ابتسم الحاج عبد الرحيم لأول مرة.
كنت مستني اللحظة دي.
فتح درجًا صغيرًا في المنضدة، وأخرج زجاجة صغيرة مكتوب عليها
محلول إظهار.
قال
والدك كتب باقي اليوميات بحبر سري.
نظر إليه سليم بدهشة.
أخذ عبد الرحيم قطعة قماش ناعمة، ووضع عليها بضع قطرات من المحلول، ثم مررها برفق على الصفحة البيضاء.
وببطء…
بدأت كلمات باهتة تظهر أمام أعينهم.
أول سطر ظهر كان كافيًا ليحبس أنفاس الجميع
إذا كنت تقرأ هذه السطور… فاعلم أن الشخص الذي أبحث عنه كان يجلس معي على نفس المائدة، ويعاملني كأخ.
وقبل أن تظهر بقية الكلمات…
انطفأت المصابيح داخل الغرفة السرية وحدها، رغم أن أضواء المكتبة في الأعلى كانت لا تزال مضاءة، ثم سمعوا صوت الباب الحجري وهو يُغلق ببطء من تلقاء نفسه، ليجدوا أنفسهم محاصرين داخل الغرفة السرية انخفض الضوء فجأة، ثم دوى صوت ارتطام الباب الحجري وهو يغلق بإحكام.
التفت سليم بسرعة، واندفع نحوه بكل قوته.
دفعه بكتفه مرة…
ومرتين…
لكن الباب لم يتحرك سنتيمترًا واحدًا.
قال نادين من أعلى السلم بقلق
سليم! إنتوا سامعني؟
جاء صوتها مكتومًا، وكأن الباب عزل الغرفة تمامًا.
رد سليم بأعلى صوته
إحنا كويسين… متقلقيش!
لكن لم يصله أي رد.
نظر كريم حوله بهدوء، ثم قال
استهدى بالله… أكيد فيه طريقة للخروج.
بدأ يمرر ضوء الكشاف على الجدران الحجرية.
وفجأة توقف.
كان هناك نقش صغير جدًا بجوار الباب، بالكاد يُرى تحت طبقة الغبار.
اقترب فؤاد ومسح الغبار بكفه.
ظهرت عبارة محفورة بعناية
من يدخل طالبًا للحقيقة… لا يخرج حتى يقرأها كاملة.
قال سليم وهو ينظر إلى الدفتر
يبقى لازم نكمل.
عادوا إلى المنضدة.
أخذ عبد الرحيم زجاجة محلول الإظهار مرة أخرى، وبدأ يمررها على الصفحة التالية.
ظهرت الكلمات تدريجيًا
كنت أعلم أن الشريك الذي خان الأمانة سيحاول محو كل دليل. لذلك قسمت الحقيقة إلى ثلاثة أجزاء، ووضعت كل جزء في مكان مختلف.
تنهد كريم.
إحنا لقينا الجزء الأول.
أكمل سليم القراءة
أما الجزء الثاني، فقد تركته مع شخص لم يشك فيه أحد.
ثم توقف.
لأن السطور التالية لم تظهر.
قال عبد الرحيم باستغراب
المحلول خلص.
رفع الزجاجة.
كانت فارغة تمامًا.
ساد الصمت.
ثم لاحظ فؤاد شيئًا غريبًا.
في أسفل المنضدة كان هناك درج صغير آخر.
فتحه.
وجد بداخله ورقة مطوية، وعلى ظهرها مكتوب
إذا نفد المحلول… فالمفتاح في الصورة.
نظر الجميع إلى الصور القديمة الموجودة داخل الصندوق.
بدأوا يقلبونها واحدة تلو الأخرى.
صور للشركة…
صور لوالد سليم مع شركائه…
وصورة تجمعه مع طفل صغير… هو سليم.
لكن آخر صورة كانت مختلفة.
كانت صورة عائلية قديمة، يظهر فيها والد سليم، ووالدته، وسليم وهو طفل… وخلفهم ساعة حائط كبيرة.
اقترب كريم من الصورة.
وقال
استنوا…
أشار إلى الساعة.
في منتصفها كان مرسوم نفس الرمز الذي وجدوه على الرسالة…
الحرف م.
وقبل أن يستطيع أحد تفسير معناه…
صدر صوت طَق خفيف من داخل الحائط.
ثم بدأ الباب الحجري يتحرك وحده ببطء…
وكأن الغرفة سمحت لهم بالخروج.
نظر عبد الرحيم إلى سليم وقال بهدوء
واضح إن والدك كان واثق إنك هتفهم أول خيط… لكن الجزء الأصعب لسه قدامنا، لأن الحرف م مش مجرد رمز… ده بداية اسم شخص، ولو عرفنا مين هو، هنعرف مين كان يطارد والدك طوال السنين دي خرج الأربعة من الغرفة السرية بسرعة.
أول ما وصلوا للمكتبة، لاقوا نادين واقفة بقلق، وعمر ماسك إيديها.
أول ما شافهم عمر جري على سليم.
بابا… كنت فاكر الباب قفل عليكم.
حضنه سليم وهو بيحاول يطمنه.
إحنا بخير يا بطل.
لكن عبد الرحيم كان باصص للصورة القديمة اللي ما زالت في إيد سليم.
قال بهدوء
وريني الصورة.
أخذها، وظل يتأملها لدقائق.
ثم ابتسم ابتسامة خفيفة.
أبوك كان ذكي.
استغرب كريم.
عرفت حاجة؟
أشار عبد الرحيم إلى ساعة الحائط الظاهرة في الصورة.
بصوا كويس.
اقترب الجميع.
كانت عقارب الساعة تشير إلى…
الرابعة وعشر دقائق.
قال سليم
وده معناه إيه؟
هز عبد الرحيم رأسه.
مش الوقت… ركزوا في الرقم.
فجأة قال فؤاد
أربعة… وعشرة.
رد عبد الرحيم
يعني رف رقم أربعة… وخانة رقم عشرة.
نظر سليم حوله.
المكتبة كلها كانت مقسمة إلى أرفف مرقمة.
بدأ يعد الأرفف حتى وصل إلى الرف الرابع.
ثم بدأ يعد الخانات.
الأولى…
الثانية…
حتى وصل إلى الخانة العاشرة.
كان فيها كتاب قديم جدًا، مغلف بالجلد البني.
سحبه من مكانه.
لكن الكتاب كان أثقل من الطبيعي.
فتحه.
لم تكن صفحاته ورقًا.
بل كانت مجوفة من الداخل.
وفي التجويف وجدوا…
زجاجة أخرى من محلول الإظهار.
ومفتاحًا صغيرًا مختلف الشكل.
ورسالة قصيرة.
فتحها سليم.
كان مكتوبًا فيها
إذا وصلت إلى هنا، فأنت تسير في الطريق الصحيح. لكن لا تبحث عن معنى الحرف م في الماضي… ابحث عنه في الحاضر.
ساد الصمت.
قال كريم
في الحاضر؟
كرر سليم الجملة أكثر من مرة.
وفجأة نظر إلى عبد الرحيم.
مين الأشخاص اللي لسه موجودين من شركاء أبويا؟
رد عبد الرحيم
واحد بس.
اسمه إيه؟
تنهد الرجل وقال
محمود.
في نفس اللحظة…
نظر سليم إلى الورقة التي كانت مربوطة بالحجر.
الختم كان يحمل حرف م.
همس
محمود…
لكن فؤاد هز رأسه بسرعة.
استنى… متستعجلش.
استغرب سليم.
ليه؟
قال فؤاد
لأن في شخص تاني اسمه بيبدأ بحرف م… وكان قريب جدًا من والدك.
سأل كريم
مين؟
تنهد فؤاد طويلًا، ثم قال
محسن…
ساد الصمت.
الاسم وقع على عبد الرحيم كالصاعقة.
اتغير لون وشه فجأة.
وقال بصوت مرتعش
مستحيل…
اقترب منه سليم بسرعة.
إنت تعرفه؟
خفض عبد الرحيم رأسه وقال
مش بس أعرفه…
ثم رفع عينيه إليهم وأكمل
محسن… هو أخويا الأصغر.
وفي اللحظة نفسها، رن جرس باب المكتبة.
نظر الجميع نحو الباب.
ومن خلف الزجاج، ظهر رجل يقف تحت ضوء الشارع، يحمل مظلة سوداء رغم أن السماء كانت صافية، وما إن رفع وجهه حتى شهق عبد الرحيم وهمس
بعد كل السنين دي… رجع ساد صمت ثقيل داخل المكتبة.
تجمد عبد الرحيم في مكانه، ولم يبعد عينيه عن الرجل الواقف خلف الباب.
همس سليم
هو ده… محسن؟
هز عبد الرحيم رأسه ببطء.
أيوه… بس أوعوا تفتحوا الباب قبل ما أتكلم معاه.
اقترب كريم من النافذة الجانبية ونظر للخارج.
كان الرجل يقف بهدوء، لا يطرق الباب ولا يحاول الدخول، فقط ينتظر.
قال كريم
الغريب إنه مش مستعجل.
أخذ عبد الرحيم نفسًا عميقًا، ثم فتح الباب بنفسه.
دخل الرجل بخطوات ثابتة، وخلع قبعته، ثم نظر إلى عبد الرحيم وقال
السلام عليكم يا أخويا.
رد عبد الرحيم بعد تردد
وعليكم السلام.
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم التفت الرجل إلى سليم.
ابتسم ابتسامة هادئة وقال
أنت أكيد سليم… آخر مرة شفتك فيها كنت طفل صغير.
لم يرد سليم.
كان يتذكر وصية والده
لا تثق في أحد…
قال محسن وهو يلاحظ التوتر
واضح إنكم فاكرين إني جاي آخد حاجة.
رد كريم بحزم
وإنت جاي ليه؟
أخرج محسن ظرفًا قديمًا من جيب معطفه ووضعه على الطاولة.
وقال
جاي أسلم الأمانة اللي والد سليم طلب مني أسلمها له… لكن بعد ما يتأكد إنه وصل للجزء التاني.
نظر الجميع إلى بعضهم.
قال فؤاد بدهشة
يعني… أنت كنت عارف؟
ابتسم محسن بحزن.
أنا كنت جزء من الخطة… لكن معرفش غير دوري فيها.
أمسك سليم بالظرف، ولاحظ أن عليه نفس خط والده.
وقبل أن يفتحه، قال محسن
اقرأ المكتوب على الضهر الأول.
قلب الظرف.
وجد عبارة قصيرة
إذا وصلك الظرف من يد محسن، فاسمعه قبل أن تحكم عليه.
نظر سليم إلى محسن.
ثم قال
اتفضل… أنا سامع.
جلس محسن على أقرب كرسي، وأخذ ينظر إلى صورة والد سليم المعلقة على الحائط.
وقال بصوت هادئ
أبوك أنقذ حياتي زمان… ولولا هو، مكنتش هكون عايش النهارده. ومن يومها وأنا مدين له بعُمري.
سأل سليم
طيب ليه مستخبي كل السنين دي؟
أجاب محسن
لأن أبوك كان عارف إن في حد بيدور على كل واحد شاركه في الموضوع… وكل واحد ظهر، اتعرض لضغوط عشان يكشف مكان الأوراق.
تدخل كريم
يعني الحكاية كلها بسبب أوراق؟
هز محسن رأسه.
مش مجرد أوراق… دي أدلة تثبت الحقيقة كاملة.
ثم نظر إلى سليم مباشرة وقال
بس للأسف… الجزء الثالث من الحقيقة مش معايا.
قطب سليم حاجبيه.
مع مين؟
سكت محسن لحظة.
ثم قال
مع شخص أنت قابلته بالفعل… وكلمته أكتر من مرة من ساعة ما رجعت.
نظر الجميع إلى سليم في دهشة.
بدأ يسترجع كل الأشخاص الذين قابلهم منذ وصوله…
نادين…
كريم…
فؤاد…
عبد الرحيم…
مندوب الشركة…
حتى الرجل الذي قابله في المطار.
لكن محسن قال جملة جعلت الجميع يصمت
الشخص ده… عمره ما قالك كدبة واحدة… لكنه كمان عمره ما قالك الحقيقة كاملة انعقد حاجبا سليم، وبدأ يسترجع كل كلمة سمعها منذ أن نزل من الطائرة.
كان يحاول أن يتذكر أي تفصيلة بدت عادية وقتها، لكنها قد تكون مفتاح اللغز الآن.
قال ببطء
إنت بتتكلم عن مين؟
نظر محسن إلى الوجوه حوله، ثم قال بهدوء
قبل ما أجاوب… عايز أسألك سؤال.
هز سليم رأسه.
اتفضل.
من أول ما رجعت مصر… مين أول واحد قالك إن نادين هتتجوز؟
تجمد سليم.
تذكر المكالمة التي قلبت حياته رأسًا على عقب.
قال
صاحبي… حسام.
ابتسم محسن ابتسامة خفيفة.
وهل سألت نفسك إزاي عرف الخبر؟
سكت سليم.
في الحقيقة… لم يفكر في ذلك أبدًا.
كل ما فعله أنه حجز أول طائرة وعاد.
أكمل محسن
وهل قالك اسم العريس؟
لا.
وهل قالك إمتى الفرح؟
لا.
كل اللي قاله إن نادين هتتجوز… صح؟
بدأت ملامح سليم تتغير.
قال كريم


