
رفع محسن كتفيه.
مقدرش أجزم… لكن أكيد حد كان عايز سليم يرجع مصر في التوقيت ده.
قال فؤاد
وده يفسر ليه كل الخيوط بدأت تتحرك أول ما رجع.
في تلك اللحظة، رن هاتف سليم مرة أخرى.
نظر إلى الشاشة.
كان المتصل…
حسام.
نظر الجميع إلى الهاتف.
قال كريم بهدوء
رد.
فتح سليم المكالمة، ووضعها على مكبر الصوت.
جاء صوت حسام متوترًا
سليم… إنت فين دلوقتي؟
رد بحذر
ليه؟
قال حسام بسرعة
مفيش وقت… لازم أقابلك حالًا.
سأله سليم
تعرف إحنا فين؟
سكت حسام لثوانٍ.
ثم قال
آه… في المكتبة.
نظر الجميع إلى بعضهم في ذهول.
لم يخبره أحد بمكانهم.
قال سليم بحدة
إنت عرفت منين؟
جاء الرد هادئًا، لكنه زاد الغموض
لأن… أنا اللي طلبت من عبد الرحيم يفتحلك المكتبة.
اتسعت عينا عبد الرحيم.
هو يعرفني؟
لكن حسام لم يجب.
بل قال لسليم
في حاجة مهمة جدًا لازم تعرفها… لكن مينفعش أقولها في التليفون.
ثم انقطع الخط.
ظل سليم ممسكًا بالهاتف، بينما كان ذهنه يمتلئ بالأسئلة.
قال محسن بصوت منخفض
واضح إن اللعبة أكبر مما كنا متخيلين…
وفي تلك اللحظة، نظر عمر إلى صورة قديمة معلقة على الحائط منذ دخولهم، وأشار إليها ببراءة وقال
بابا… هو الراجل اللي واقف جنب جدو في الصورة دي… مش هو عمو حسام؟
التفت الجميع إلى الصورة في لحظة واحدة…
وتغيرت ملامح سليم تمامًا سليم خطف الصورة من على الحائط، وقربها من عينيه.
فضل يبص فيها ثواني طويلة.
الصورة كانت قديمة، والألوان باهتة، لكن ملامح الشاب الواقف في آخر الصف كانت واضحة.
همس
لا… مستحيل.
أخذها كريم منه، ودقق النظر.
ثم قال بهدوء
في شبه… لكن الصورة عمرها أكتر من عشرين سنة. مستحيل يكون حسام بنفس السن.
اقترب عبد الرحيم هو الآخر.
ابتسم لأول مرة منذ فترة وقال
عمر عنده حق في حاجة… لكن مش كلها.
نظروا إليه جميعًا.
قال
الراجل اللي في الصورة مش حسام…
توقف لحظة، ثم أكمل
ده والد حسام.
ساد الصمت.
تنفس سليم ببطء.
كأن حملًا انزاح عن صدره.
لكن عبد الرحيم أكمل جملته
وكان من أقرب الناس لوالدك.
قطب سليم حاجبيه.
أنا عمري ما سمعت أبويا جاب سيرته.
أجاب محسن
لأن والدك تعمد يبعد كل العائلات عن الموضوع بعد اللي حصل.
في هذه اللحظة، أخرج محسن الظرف الذي أحضره معه.
وقال
افتحه.
فتح سليم الظرف بحذر.
وجد بداخله مفتاحًا صغيرًا، وبطاقة مكتوب عليها بخط والده
إذا وصلت إليك هذه البطاقة، فاعلم أن حسام لا يحمل السر… لكنه يحمل آخر طريق إليه. لا تتهمه قبل أن تسمعه.
قرأها مرتين.
ثم رفع رأسه وقال
يبقى لازم أقابله.
هز كريم رأسه موافقًا.
لكن مش هنا.
رن هاتف سليم مرة أخرى.
هذه المرة كانت رسالة نصية.
فتحها.
كان مكتوبًا فيها
لو عايز تعرف الحقيقة… تعالى لوحدك الساعة تسعة مساءً إلى البيت القديم عند البحيرة. ومتقولش لحد.
نظر سليم إلى الساعة.
كانت الثامنة إلا عشر دقائق.
يعني لم يتبقَّ سوى ساعة.
رفع عينيه إلى كريم.
ثم إلى نادين.
قال بهدوء
أكيد مش هروح لوحدي.
ابتسم كريم ابتسامة خفيفة.
ولا إحنا هنسيبك تروح لوحدك.
لكن محسن هز رأسه معترضًا.
لو الرسالة طالبة يروح لوحده، يبقى اللي باعتها هيعرف لو حد راح معاه.
ساد الصمت من جديد.
وفجأة، قال عمر ببراءة وهو يقلب الصورة القديمة
بابا… في ورقة مستخبية ورا الصورة.
التفت الجميع بسرعة.
أخرج سليم الورقة بحذر.
كانت خريطة صغيرة مرسومة بالقلم، وفي أسفلها جملة قصيرة بخط والده
إذا دعاك أحد إلى البيت القديم… فلا تدخل من الباب أبدًا.
تبادل الجميع النظرات.
أصبح واضحًا أن والد سليم كان يتوقع هذه اللحظة… وكأنه كان يعلم أن شخصًا ما سيحاول استدراجه إلى ذلك المكان يومًا ما أعاد سليم طي الخريطة ببطء، بينما كانت دقات قلبه تتسارع.
نظر إلى الرسالة على هاتفه… ثم إلى الخريطة.
قال كريم وهو يتأمل الرسم
واضح إن دي خريطة البيت.
أومأ سليم.
وأهو هنا… وأشار إلى علامة صغيرة خلف المبنى، في ممر جانبي.
قال عبد الرحيم
أبوك كان بيحب يحط مخارج بديلة لأي مكان يشتغل فيه.
تقدمت نادين خطوة وقالت بحزم
أنا وعمر مش هنروح.
نظر إليها سليم باستغراب.
أكملت
مش خوفًا… لكن علشان لو اللي بيحصل ده فيه مخاطرة، يبقى لازم حد يفضل بعيد عن أي مواجهة، ولو احتجتوا مساعدة أو تتواصلوا مع حد، نبقى موجودين.
وافقها كريم.
ده أنسب حل.
تنهد سليم، ثم قال
تمام… لكن أول ما أوصل هبعتلكم رسالة.
قبل التاسعة بعشر دقائق…
وصل سليم وكريم إلى طريق ترابي يطل على بيت قديم مهجور بجوار بحيرة صغيرة.
أوقف كريم السيارة بعيدًا.
قال
من هنا هتكمل لوحدك.
هز سليم رأسه، ونزل من السيارة.
أخرج الخريطة من جيبه.
بدل ما يتجه إلى الباب الرئيسي، دار حول سور البيت حتى
وجد الممر الضيق المرسوم في الخريطة.
كان هناك باب خشبي صغير يكاد يختفي وسط النباتات.
دفعه برفق.
فتح بصوت خافت.
دخل إلى فناء خلفي مهمل.
كل شيء كان ساكنًا.
وفجأة…
جاءه صوت من داخل البيت.
عرفت إنك هتيجي من هنا.
التفت بسرعة.
كان حسام.
واقفًا في منتصف الغرفة، دون أي مظهر للعداء.
قال سليم بحدة
إنت اللي بعت الرسالة؟
هز حسام رأسه.
أيوه.
وليه كل الغموض ده؟
تنهد حسام.
لأن في حد بيراقب أي مكالمة وأي حركة.
أخرج من جيبه مفتاحًا معدنيًا صغيرًا، ووضعه على الطاولة.
ثم قال
أنا كنت مستني اليوم ده من سنين.
قطب سليم حاجبيه.
إيه علاقتك بكل اللي بيحصل؟
أجاب حسام بهدوء
أبويا قبل وفاته سلمني أمانة، وقال لما سليم يرجع مصر بإرادته، سلمه المفتاح ده. .. وبلاش تديله قبل كده مهما حصل.
أخذ سليم المفتاح، وقلبه بين أصابعه.
كان يشبه المفتاح الذي وجده في المكتبة، لكن أصغر قليلًا.
قال
بيفتح إيه؟
ابتسم حسام.
ده… السؤال اللي مقدرش أجاوب عليه.
وقبل أن يكمل كلامه…
صدر صوت محرك سيارة توقفت أمام البيت.
تبادل الاثنان النظرات.
ثم جاء صوت طرق قوي على الباب الرئيسي، أعقبه صوت رجل يقول بثبات
يا حسام… عارف إنك جوه. افتح الباب، لأن وقت الاختباء خلص.
نظر حسام إلى سليم، وقال بصوت منخفض
افتكر كلام والدك… مهما سمعت بره، متطلعش من الباب الرئيسي ساد صمت ثقيل داخل البيت القديم، لا يُقطعه سوى صوت خطوات تقترب من الخارج.
سليم كان واقف بين حسام والباب، وفي إيده المفتاحين المختلفين، وعقله لأول مرة مش قادر يقرر يصدق مين؟
حسام قال بسرعة
لو فتحت الباب ده دلوقتي، مش هنعرف نكمل اللي بدأناه.
الطرق على الباب زاد.
وصوت الرجل بره بقى أقرب
أنا عارف إنك مش لوحدك يا حسام… ومعاك سليم كمان.
تجمد سليم.
بص لحسام
هو عارف اسمي؟
حسام شد على أسنانه وقال
قلتلك… إحنا مراقَبين.
في اللحظة دي، سليم خد قرار سريع.
مش هيفتح الباب الرئيسي.
اتجه مباشرة للجانب اللي في الخريطة، ناحية الممر الخلفي اللي وراه درج خشبي صغير نازل لتحت.
حسام اتبعه بسرعة، وهمس
أبوك كان سايب ده علشان لو اتخدعت.
نزلوا سوا بسرعة.
كل درجة كانت بتصرخ من القدمين.
لحد ما وصلوا لغرفة ضيقة تحت الأرض.
وفي النص كان فيه صندوق حديد كبير وعليه نفس العلامة
م
المرة دي المفتاحين كانوا بيكملوا بعض.
سليم بص لحسام
نفتحه؟
حسام هز رأسه
لو رجعنا دلوقتي مفيش طريق تاني.
في الأعلى
صوت الباب اتكسر بعنف.
الدخول حصل.
خطوات تقيلة بدأت تنزل السلم وراهم.
سليم حط المفتاحين مع بعض داخل القفل.
لحظة صمت
ثم كليك.
الصندوق اتفتح.
لكن اللي جواه ماكنش فلوس ولا أوراق عادية.
كان فيه
ملف واحد كبير جدًا.
وفلاشة قديمة.
ورسالة أخيرة بخط والد سليم
لو وصلت لحد هنا، يبقى اللي كنت بخاف منه حصل حد من اللي وثقت فيهم وصل قبل الحقيقة.
سليم رفع عينه فجأة.
وبص لحسام.
قبل ما ينطق
حسام قال بهدوء
اقرأ اسم الملف الأول.
سليم فتح الملف.
العنوان كان صادم
تسجيلات يوم الحادث نسخة كاملة
وفي اللحظة دي، صوت خطوات فوقهم وقف.
وبهدوء غريب
الصوت من أعلى السلم قال
افتحتوا الصندوق؟ ممتاز كده الحقيقة بقت معايا ومعاكم.
سليم اتجمد.
لأن الصوت كان صوت كريم.




