روايات وقصص

حَماتي كانت بتتمارض في كل مرة ج 1 حكـايات مني السيد

اتفتح الصندوق.
جواه فلاشة صغيرة.
ومظروف بني.
ومفتاح.
وصورة.
طارق مسك الصورة.
وشه اتغير.
الصورة
كانت لأبوه.
ومدّيها لحد.
الشخص اللي واقف قدامه كان…
عماد.
لكن المفاجأة كانت في التاريخ المكتوب خلف الصورة.
قبل وفاة والده بأيام.
وفي أسفل الصورة جملة بخط اليد: “لو حصل لي حاجة، مديحة تعرف كل حاجة”.
طارق وقع الصورة من إيده:
ـ أمي كانت عارفة.
قلت:
ـ افتح المظروف.
ـ مش دلوقتي.
ـ لازم.
فتحناه.
كان جواه ورقة واحدة.
أول سطر فيها: “إلى ابني طارق… لو بتقرأ الكلام ده، يبقى أنا غالبًا مت”.
طارق بدأ يقرأ. وشفت الدموع في عينيه.
ـ أنا عارف إن أمك هتقولك إن الشقة اتباعت، وعارف إنها ممكن تحاول تمنعك من الوصول للأوراق…
طارق وقف. بصلي.
ـ كمل.
رجع يقرأ:
ـ بس أهم حاجه لازم تعرفها إن الشقة دي ما اتباعتش.
اتخنقت.
طارق قلب الورقة:
ـ والفلوس اللي أمك قالت إنها سددت بيها ديوني… ما راحتش كلها في الديون.
سكت. قلب الصفحة:
ـ أنا حطيت جزء من الفلوس باسمك.
طارق قال:
ـ إيه؟
ـ كمل.
ـ لكن الفلوس دي مرتبطة بحساب لا يعرفه غير مديحة وعماد.
أنا بصيت له:
ـ عماد؟
هز راسه.
الرسالة كانت أطول:
ـ عماد هيحاول يقنع أمك إنها تبيع الشقة. لو باعتها، هتضيع كل الأدلة.
طارق بدأ يتنفس بسرعة:
ـ لكن يا ابني، لو أمك وصلت للمرحلة دي، يبقى لازم تعرف إن الموضوع مش عن الشقة.
سكت.
آخر سطر كان: “الموضوع عنك أنت”.
طارق رفع عينه:
ـ عني أنا؟
وقبل ما نلحق نفهم، سمعنا صوت مفتاح في باب الشقة.
أنا وطارق بصينا لبعض.
حد بيفتح الباب.
طارق بسرعة حط الورق في الصندوق. وقفل المكتبة. وطَفّى النور.
دخلنا غرفة النوم.
الباب اتفتح.
خطوات دخلت الصالة.
خطوة. اتنين. تلاتة.
حد كان بيتحرك جوه بيتنا.
طارق مسك إيدي.
الصوت قرب.
وبعدين سمعنا صوت راجل:
ـ أكيد حاطينه هنا.
صوت تاني رد:
ـ مديحة قالت إنهم وصلوا.
طارق قرب ودنه من الباب. أنا كنت بترعش.
الرجل الأول قال:
ـ لازم نلاقي الفلاشة قبل ما طارق يعرف.
التاني رد:
ـ ولو عرف؟
سكتوا.
وبعدين الأول قال:
ـ ساعتها هنضطر نعمل اللي اتعمل مع أبوه.
أنا حسيت إني هقع.
طارق شد إيدي. وفجأة…
موبايل طارق اهتز في جيبه.
الاثنين اللي في الصالة سكتوا.
واحد منهم قال:
ـ حد جوه.
خطواتهم بدأت تقرب من غرفة النوم.
طارق بصلي. وأشار ناحية البلكونة.
فهمت.
فتحنا باب البلكونة بهدوء. طلعنا.
الشقة في الدور الرابع. مفيش مكان نهرب منه.
طارق بص للجانب. كان فيه سلم حديد خارجي صغير خاص بالتكييفات.
همس:
ـ انزلي.
ـ إنت مجنون؟!
ـ انزلي يا نورهان.
ـ وأنا هسيبك؟
ـ انزلي!
نزلت أول درجة. طارق ورايا.
وفي نفس اللحظة باب غرفة النوم اتفتح بعنف.
سمعنا الراجل بيصرخ:
ـ البلكونة!
جرينا. نزلنا درجتين. تلاتة.
لكن فجأة… صوت طلقة دوّى في المكان.
أنا صرخت. طارق شدني لتحت. الرصاصة ضربت الحيطة فوق راسنا.
ـ طارق!
ـ انزلي!
نزلنا لحد الدور التالت. دخلنا شقة الجيران القديمة اللي كانت فاضية.
طارق قفل الباب. وسند عليه.
نفسه كان متقطع. وأنا كنت بترعش.
قلت:
ـ إنت اتصبت؟
ـ لأ.
ـ متأكد؟
ـ آه.
سكتنا.
بعد ثواني سمعنا باب شقتنا بيتقفل. وبعدين خطوات على السلم.
طارق مسك الموبايل. اتصل بالشرطة.
وبعدين بصلي:
ـ نورهان…
ـ نعم؟
ـ لازم نطلع من العمارة.
ـ ليه؟
ـ لأنهم عارفين إن الفلاشة معانا.
ـ بس الفلاشة في الصندوق.
ـ لأ.
ـ إيه؟
ابتسم ابتسامة مرعبة:
ـ أنا أخدت الفلاشة قبل ما نقفل الصندوق.
طلعتها من جيبه.
دي اللي كانوا بيدوروا عليها.
بصيت لها. كانت صغيرة جدًا. لكن شكلها كان كأنه شايل مصيرنا كله.
قلت:
ـ طيب لازم نعرف فيها إيه.
ـ مش هنا.
ـ نروح فين؟
ـ عند واحد أثق فيه.
ـ مين؟
سكت.
ـ طارق؟
ـ أخويا.
ـ إنت ما عندكش إخوات.
بصلي:
ـ مش أخويا بالدم.
ـ مين؟
قال:
ـ صاحب أبويا القديم.
خرجنا من الشقة المهجورة من باب خلفي، ونزلنا من سلم الخدمة لحد الجراج. ركبنا العربية.
وأول ما خرجنا من العمارة، تليفون طارق رن.
أمي كانت بتتصل. أقصد… أمه.
بص للشاشة. ما ردش.
اتصلت تاني. ما ردش.
بعتت رسالة: “طارق، متروحش لأي حد”.
وبعدها رسالة تانية: “أنا كنت بحاول أحميك”.
وبعدها: “لو فتحت الفلاشة، هتندم”.
طارق قفل الموبايل.
قلت:
ـ هي عارفة.
ـ عارفة إيه؟
ـ إن الفلاشة معانا.
سكت.
وبعد دقايق وصلنا لمكان غريب في مصر الجديدة.
عمارة قديمة.
طلعنا الدور الخامس. طارق خبط ثلاث خبطات. وبعدين خبطتين.
الباب اتفتح.
راجل كبير في السن ظهر. أول ما شاف طارق، وشه اتغير:
ـ إنت ابن أحمد؟
طارق قال:
ـ آه.
الراجل بصلي. وبص للشارع. وقال:
ـ ادخلوا بسرعة.
دخلنا. قفل الباب.
بالمفتاح.
وبعدين قفل قفل تاني.
وقفل السلسلة.
وقال:
ـ مديحة عرفت إنك جيت هنا؟
طارق قال:
ـ لأ.
الراجل تنفس براحة:
ـ الحمد لله.
قلت:
ـ حضرتك مين؟
قال:
ـ اسمي فؤاد.
وبص لطارق:
ـ وأنا كنت آخر واحد شاف أبوك قبل ما يموت.
طارق اتجمد:
ـ كنت معاه في المستشفى؟
فؤاد هز راسه:
ـ لأ.
ـ أمال فين؟
فؤاد بص لنا:
ـ في مكتبه.
ـ قبل ما يموت بكام؟
ـ تلات ساعات.
طارق قرب:
ـ وإيه اللي حصل؟
فؤاد سكت فترة طويلة. وبعدين قال:
ـ أبوك كان عارف إنه هيحاسب على كل حاجة.
أنا قلت:
ـ يعني إيه؟
ـ كان فيه حد بيهدده.
ـ مين؟
فؤاد بص لطارق:
ـ أمك.
طارق رجع خطوة:
ـ ماما؟!
فؤاد قال:
ـ مش لأنها كانت عايزة تأذيه.
ـ أمال؟
ـ لأنها كانت آخر شخص طلب منها أبوك إنها تثق فيه.
سكت.
ـ بس مديحة خانته.
طارق قال:
ـ خانته إزاي؟
فؤاد اتجه لدولاب قديم. طلع صندوق خشب. فتحه. وأخرج ملف:
ـ أبوك سلمني ده قبل ما يموت.
طارق أخده:
ـ ليه ما ادتهوليش؟
ـ لأنه قال لي ما أسلمهوش لك إلا لما تتجوز.
طارق بص له:
ـ اتجوزت من سنتين.
ـ عارف.
ـ وعرفت منين؟
فؤاد ابتسم:
ـ مديحة كانت بتبلغني بكل حاجة.
قلبي وقع.
ـ يعني كانت عارفة إننا هنا؟
فؤاد سكت.
طارق فهم قبلي:
ـ هي اللي قالتلك؟
ـ آه.
ـ إنها كانت بتبلغك عن خروجاتنا؟
فؤاد قال:
ـ مش أنا.
ـ أمال مين؟
قبل ما يرد، سمعنا خبط على الباب.
ثلاث خبطات.
كلنا اتجمدنا.
فؤاد همس:
ـ محدش يتحرك.
الخبط اتكرر.
وبعدين صوت امرأة. صوت مديحة:
ـ فؤاد… افتح.
طارق بصلي. فؤاد وشه اصفر:
ـ هي عرفت.
مديحة خبطت تاني:
ـ فؤاد، أنا عارفة إن طارق عندك.
طارق قرب من الباب:
ـ ماما!
صوتها اتغير:
ـ طارق… افتح.
ـ إنتِ بعتِ حد ينهي حياتنا؟
سكتت.
ـ مين اللي كان في الشقة؟
ـ أنا ما بعتش حد.
ـ كانوا عايزين الفلاشة.
ـ فلاشة إيه؟
ـ ماما!
ـ طارق، بالله عليك اسمعني.
ـ إنتِ كنتِ عارفة إن أبويا سايب أدلة.
ـ آه.
ـ وكنتِ عارفة إن عماد بيلاحقني.
ـ آه.
ـ وكنتِ بتراقبي نورهان؟
سكتت.
ـ ماما!
قالت بصوت مكسور:
ـ أنا كنت بحميكم.
طارق ضحك:
ـ بتحمينا؟!
ـ آه.
ـ من مين؟
ـ من الشخص اللي كان أبوك خايف منه.
ـ مين؟
مديحة ما ردتش.
فؤاد قال بصوت عالي:
ـ قولي له يا مديحة.
سكتت.
ـ قولي له الحقيقة.
وبعد لحظات… سمعنا صوتها وهي تبكي:
ـ الشخص ده… مش عماد.
طارق قرب من الباب:
ـ أمال مين؟
قالت:
ـ أبوك.
طارق اتجمد:
ـ إيه؟!
مديحة قالت:
ـ أبوك ما ماتش زي ما قلتلك.
أنا شهقت.
طارق ما اتحركش.
صوتها كمل:
ـ أبوك اختفى.
ـ اختفى؟!
ـ آه.
ـ يعني إيه اختفى؟!
ـ اللي فارق الحياة في المستشفى…
سكتت.
ـ مش أبوك.
الفصل انتهى عند اللحظة دي… لكن قبل ما أقدر حتى أستوعب الجملة، فؤاد فتح الملف اللي كان في إيد طارق.
أول ورقة وقعت منه. كانت شهادة رسمية.
طارق مسكها. بص فيها. وبعدين بص لفؤاد.
ـ الاسم…
فؤاد قال:
ـ اقرأ الاسم.
طارق قرأ. وساعتها وشه اتجمد.
لأن اسم المتوفى ما كانش أحمد محمود… كان اسم شخص تاني تمامًا.
أما اسم والد طارق الحقيقي… فكان مكتوب في خانة الشاهد.
وتحت التوقيع مباشرة… كان فيه توقيع مديحة.
لكن المفاجأة الأكبر كانت في آخر الورقة. تاريخ التوقيع كان… بعد الواقعة بأيام.
طارق رفع عينه لفؤاد:
ـ يعني أبويا كان عايش وقت ما أمي مضت الأوراق؟
فؤاد ما ردتش.
وفي نفس اللحظة، صوت مديحة من ورا الباب قال:
ـ أيوه.
طارق قرب من الباب:
ـ وإنتِ كنتِ عارفة هو فين؟
سكتت. وبعدين قالت جملة واحدة:
ـ أبوك موجود لحد النهارده.
طارق رجع لورا. وأنا حسيت إن الأرض بتتهز تحت رجلي.
لكن قبل ما نلحق نسألها فين… وصلت رسالة جديدة على موبايل طارق. من نفس الرقم المجهول.
فتحها. وكان مكتوب:
“ما تصدقش مديحة… أبوك مش هو الشخص اللي لازم تدور عليه”.
وبعدها مباشرة وصلت صورة. طارق فتحها.
الصورة كانت حديثة جدًا. وفيها راجل قاعد في مطعم. وشه مش واضح بالكامل. لكن قدامه جريدة مفتوحة. وعلى الجريدة خبر قديم.
وتحت الصورة مكتوب:
“أنا عارف مين أبوك كان بيقابله قبل اختفائه… وعارف ليه اختارك أنت بالذات”.
وبعدها رسالة تانية:
“لكن لو عايز تعرف الحقيقة، لازم تروح للمكان اللي…”

مديحة كانت بتمنعكم تروحوه طول السنتين اللي فاتوا.
طارق قرأ الرسالة.
وبصلي:
ـ نورهان…
ـ إيه؟
قال بصوت مخنوق:
ـ المكان اللي كانت ماما كل مرة بتعمل نفسها تعبانة عشان تمنعنا نسافر له…
ـ الساحل؟
هز راسه:
ـ لأ.
ـ أمال؟
فتح الرسالة تاني. وكان في آخرها عنوان.
عنوان شقة.
في نفس العمارة اللي عشنا فيها أول ست شهور بعد جوازنا.
الشقة اللي كنا سايبينها من سنة ونص.
واللي…
مفتاحها كان موجود جوه الصندوق الحديد.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى