
حنة أخت جوزي اللي كانت المفروض تبقى أسعد يوم في عمرنا، اتقلبت لكابوس وكسرة نفس عمري ما هنسى مرارها. حماتي ست غلبانة وطيبة وشقيانة طول عمرها، ودي كانت أول فرحة تدق بابها، بنتها الكبيرة وبتتجوز. من قبل الحنة بأيام وهي شايلة همها ومحتارة في الغدا، أصل عيلتها وعيلة جوزها وإخواتها هيتجمعوا من أول طلعة النهار، والعدد كبير واليد قصيرة.
وسط الحيرة دي، الموبايل رن وكانت أختها الكبيرة، قالتلها بصوت كله عشم يا أم العروسة، انسي هم الطبيخ خالص، الغدا عندي وهيجيلك سخن ومتحمر يوم الحنة لحد باب الشقة، اعتبري دي نقطتي لبنتك عشان ترتاحي وتفرحي بيها. حماتي ساعتها سجدت على الأرض من كتر الفرحة والدموع غلبتها، وقالتلي شفتي حنية الأخت وسند الدم؟
طلع الصبح، ومن النجمة والبيت اتملى عن آخره. إخواتها بولادهم والعيال بتجري، والكل قاعد ومستني لقمة تسند بطنه. دخلت أختها وإيد ورا وإيد قدام، حماتي ابتسمت وغمزتلي وقالتلي أكيد موصية طباخ يجيب الوجبات على الغدا علطول. ومشينا الوقت بالضحك والزغاريد.
عدت الساعة اتناشر، وبعدها اتنين الضهر، والعيال الصغيرة بدأت تصرخ من الجوع. الناس بدأت تتلفت بسؤال: مفيش لقمة يا جماعة؟ حماتي وشها اصفر، شدت أختها على جنب وسألتها بصوت واطي يا حبيبتي الأكل فين؟ العيال هيموتوا من الجوع.
ردت عليها ببرود: أكل إيه يا ختي؟ أنا رجعت في كلامي وقولت أنقط فلوس في إيد البت وخلاص، هو أنا قادرة أقف وأطبخ؟ حماتي اتصدمت وقالت: ترجعي في كلامك إزاي وإحنا سيبنا كل حاجة على حس كلمتك؟! مقولتيش ليه من الصبح بدري نلحق نتصرف؟ ردت بنفخة وغرور: حصلي ظروف ومعرفتش أرن، هتعمليلي محاكمة؟ حماتي مقدرتش تمسك نفسها وقالت: تقلّي بيا في أول فرحتي وتصغريني قدام الناس؟ الست سمعت الكلمة دي، قامت لامة حاجتها ولابسة طرحتها، وخرجت ورزعت الباب وراها وخلت البيت يغلي.
حماتي قعدت في ركن الصالة حاطة إيدها على راسها وبتعيط، منظر يقطع القلب. أكل لخمسين بني آدم هيجي منين دلوقتي؟ ملقتش حل غير إني أشد طرحتي، نزلت السوق اشتريت كمية لحمة مفرومة وجبنة موتزاريلا، وطرت على فرن عيش بلدي حكيت للفرارجي القصة وأنا بنهج، قالي هاتي لحمتك وظبطي تتبيلتك وأنا هخبزلك حواوشي بالعجين في ثواني.
عملت مية رغيف حواوشي سخن، واشتريت كراتين كاتشب وأطباق فويل، ورصيت وغطيت كل رغيفين بمخللهم وشياكتهم، أكل يشرف بلد. أخدت تاكسي وطايرة عشان ألحق أستر البيت وأفرح قلب حماتي المكسور. طلعت السلم خطوتين في خطوة، فتحت الباب والريحة قالية العمارة كلها، وكنت متوقعة ألاقي الزغاريد والناس مستنية..
بس أول ما دخلت، اتسمرت مكاني. الشقة كانت هادية، المعازيم فص ملح وداب.. الصالة فاضية ومفيهاش غير حماتي لوحدها، قاعدة على الأرض في الضلمة بتعيط!
رميت العلب من إيدي وجريت عليها: ماما! إيه اللي حصل؟ الناس فين وإخواتك راحوا فين؟!
رفعت عينيها وبصتلي بحرقة وقالتلي: مشيوا يا بنتي.. اتلموا عليا وزعقوا، وقالولي طالما زعلتي أختنا الكبيرة يبقى ملكيش عيلة عندنا، اشتروا خاطرها ورموا خاطري أنا وبنتي، وسابوا الحنة ومشيوا.. ده غير إنهم حلفوا ما حد فيهم عتبة الفرح هيعتبها بكرة، وهيكسروا فرحة البت قدام أهل عريسها!
وفجأة، لقيت باب الشقة بيخبط خبط عنيف، جريت فتحت وأنا قلبي خفق من الخضة، لقيت العريس واقف في وشي ومعاه أهله، وبيسأل بصوت عالي: فين المعازيم؟ وإيه اللي بيتقال في الشارع ده؟!
رجلي اتسمرت في الأرض وأنا ماسكة أكرة الباب. البيت اللي كان المفروض يتهز بالأغاني والزغاريد، بقى عامل زي المأتم، مفيش غير صوت أنفاسنا العالية وصوت عياط حماتي اللي جاي من جوة.
العريس خطى خطوة لجوة، وشه أحمر، وبص في الصالة الفاضية والعلب المرصوصة على الترابيزات، وقال: هو إيه اللي بيحصل هنا بالظبط؟ داخلين الشارع نلاقي الناس بتبص علينا وبتهمس، وشوفنا خالات العروسة وعيالهم بيقولوا كلام يسم البدن! بيقولوا طردتوهم وجوعتوهم، وإنكم ناس ملكوش أصل! إيه المهزلة دي؟ فين عروستي وفين حماتي؟
أمه وقفت في ضهره وقالت: خير يا أم فلان؟ إحنا جايين نهني ونشوف حنة عروستنا، نلاقي الشارع كله بيتكلم عنكم؟ هو إحنا بنشتري في عيلة متسواش ولا إيه؟ إيه الفضايح دي من أولها؟
حماتي أول ما سمعت كلام حماتها، قامت مسحوبة من طولها، عينيها منفخة وطرحتها مايلة، ووقفت بكسرة نفس: استهدوا بالله يا جماعة، مفيش حاجة من دي، ادخلوا بس جوة واقعدوا وافهموا اللي جرى.
العريس صوته علي أكتر: أقعد فين وأفهم إيه؟ خالتها الكبيرة قابلت أمي في أول الشارع وقالتلهم إنكم طردتوها وبتعاملونا بأسلوب مش كويس!
هنا أنا مكنش ينفع أسكت. حماتي كانت هتقع من طولها، والعروسة طلعت من أوضتها بالفستان ودموعها مغرقة خدودها. زقيت الباب شوية ووقفت في وشهم، بلعت ريقي وبصيت في عين العريس وأمه وقولت بحزم: استهدى بالله يا عريس، وصلي على النبي كده يا أم أحمد واسمعوا مني كلمتين لوجه الله قبل ما تظلموا ولية غلبانة.
أمه بصتلي من فوق لتحت بقرف: وإنتي هتطلعي مين إنتي كمان عشان تدخلي في كلام العائلات؟
رديت عليها بثبات: أنا مرات ابنها، وأكتر واحدة شاهدة على كل دقة قلب في البيت ده من الصبح. حماتي لا طردت حد ولا هانت حد. أختها الكبيرة طلبت من يومين تشيل غدا الحنة كله وتقول ده نقطتي، وحماتي صدقتها. جم من الصباحية قاعدين مفيش لقمة دخلت البيت، ولما الساعة بقت اتنين والعيال جاعت، وبنسألها الأكل فين بكل ذوق، قالت ببرود أنا رجعت في كلامي!
أبو العريس، وكان راجل عاقل، بص لابنه وبصلي وقال: وبعدين يا بنتي؟
كملت والحرقة في صوتي: حماتي عاتبتها بس، قالتلها تصغريني قدام الناس يا أختي؟ تقوم الست لامة هدومها وخارجة، وتجمع إخواتهم كلهم وتقولهم لو قعدتوا عند أختكم تبقوا بتقلو مني! الناس اشتروا خاطرها ورموا خاطر أم العروسة وبنتها، ومشيوا وسابوا البيت يصفر. وأنا نزلت أجري على رجلي وجبت لحمة ووقفت قدام الفرن وخبزت مية رغيف حواوشي عشان أستر البيت وألحق المعازيم، رجعت لقيتهم هربوا وسابوا الولية لوحدها عشان يكسروا نفسها!


