
شاورت على العلب والكراتين المرصوصة في الصالة: الأكل أهو يشرف بلد كاملة! بس هما مش عايزين لقمة، هما عايزين يكسروا فرحة البت عشان حاقدين إنها بتتجوز وبتفرح، ودي الحقيقة اللي مفيش غيرها.
الصالة سكتت لحظة. أبو العريس بص للعلب، وبص لدموع العروسة، ولف لابنه وقاله بصوت واطي بس صارم: شفت؟ قولتلك متسمعش كلام الشوارع. الناس مستورين وأصيلين، والعيب طلع من اللي خرج وفضح نفسه.
بس أم العريس كانت لسه مش راضية، لوت بوزها وقالت: ماشي يا أبو أحمد، ولاد الأصول على عينا وراسنا.. بس برضه إحنا مش هنروح بكرة قاعة الفرح نلاقي نص القاعة فاضي! المعازيم من طرفنا جايين أشكال وألوان، ومش هسمح لحد يعاير ابني! لو أهلها مجوش الفرح بكرة، يبقى الفرح ده ملوش لزوم!
الكلمة نزلت على راس حماتي زي الصاعقة. العروسة رمت نفسها على الكنبة وفضلت تصرخ: حرام عليكم! ذنبي إيه أنا أتدفن حية كده في يوم فرحي؟!
العريس اتلخبط، قرب منها وقال: يا بسنت خلاص اهدي، مش قصدي والله، بس أمي خايفة على منظرنا قدام الناس.
حماتي وقفت على حيلها بالعافية، ومسحت دموعها بطرف طرحتها، وظهرت فيها قوة غريبة معرفش جابتها منين. قربت من أم العريس وقالتلها: بنتي مش مقطوعة من شجرة يا أم أحمد.. بنتي ليها رب كريم، وليها أم مستعدة تبيع لحم كتافها عشان متشوفش دمعة واحدة في عينيها. بكره القاعة هتتملى، ومش هسمح لمخلوق يكسر بخاطرها، ولو هروح ألم الناس من الشارع عشان يقفوا جنبها!
أبو العريس طبطب على كتف حماتي وقال: حقك علينا يا أم العروسة، اعتبري اللي حصل ده كأنه مكنش، وإحنا بكرة في ضهرك ومع بنتك. يالا يا أحمد، يالا يا أم أحمد، نسيب الناس ترتاح وتجهز نفسها لبكرة.
خرجوا، والسكوت رجع خيم على الشقة، بس سكوت المرة دي كان محمل بوجع تقيل. حماتي وقعت على الكرسي كأن كل طاقتها خلصت.
جريت عليها وجبتلها كوباية ماية بالسكر: اشربي يا ماما بالله عليكي، متعمليش في نفسك كده، ربنا مش هيسيبنا.
حماتي بصتلي بكسرة وقالت: هعمل إيه يا بنتي في الفرح بكرة؟ القاعة متفقين عليها على خمسمية فرد، أهله لوحدهم جايبين تلاتمية، وإحنا قرايبنا كان المفروض يملوا الميتين الباقيين. دلوقتي إخواتي حلفوا على العيلة كلها متروحش، والناس بتخاف من أختي الكبيرة. هروح بكره ألاقي الكراسي فاضية والناس تشمت فيا وفي بنتي؟
قعدت قدامها على الأرض ومسكت إيديها: وحياة حنية قلبك وطيبتك دي يا ماما، بكرة القاعة دي هتتقفل من كتر الناس، ومش هنخلي مخلوق يعايرنا، اسمعي مني بس.
قومت من جنبها وطلعت تليفوني، دخلت البلكونة ورنيت على جوزي، حكيتله كل اللي دار. الراجل كان راجع في السكة، صوته كان هيفرقع من الغيظ وهو بيسمع عمايل خالاته: ده أنا هروح أطربق الدنيا على دماغهم كلهم!
قلتله براحة: اهدى يا فلان، مش وقت خناق ولا فضايح! بكرة فرح أختك ومينفعش يتعكر. إحنا لازم نرد عليهم رد يوجعهم بالأصول والشياكة، رد يخليهم يضربوا كف على كف من الندم!
سألني وهو بياخد نفسه: وهنعمل إيه؟ إخواتها مسيطرين على باقي القرايب كلهم ومحدش هيجرؤ يعصى كلمتهم!
قلتله: سيب الموضوع ده عليا أنا وأنت، أول ما توصل نتقابل ونبدأ نتحرك.
قفلت مع جوزي، ودخلت بسرعة على جروبات العيلة، لقيت رسايل متوزعة من خالتها الكبيرة: محدش يحضر فرح بسنت، واللي هيحضر ملوش مكان وسطينا. الناس كانت ساكتة وخايفة.
مسكت التليفون وفتحت قايمة اتصالاتي الخاصة، أهلي، جيراني في منطقتي القديمة، صحابي في الشغل، زميلات بسنت في الكلية، ومعارف جوزي والشباب الجدعان في منطقتنا اللي بيقفوا في الأزمات. بعت رسايل وسجلت فويس نوت بصوت كله صدق: يا جماعة، بكرة حنة وفرح أخت جوزي، وأهل النفوس المريضة حبوا يكسروا بخاطرها في ليلة عمرها، القاعة لازم تتملى، واللي ليه خاطر عندي وعايز يقف جنب ولية غلبانة وعروسة ملهاش ذنب، يجي يشرفنا وينورنا.
وفي نفس الوقت، قومت وزعت الأكل اللي عملناه على الجيران والناس الطيبين في العمارة والشوارع اللي جنبنا، كل واحد ياخد طبقه ويدعي للعروسة. الدعوات دي كانت كفيلة ترد الروح في البيت.
جه تاني يوم الصبح، يوم الفرح الموعود. صحيت من الفجر، البيت كان بيتحرك زي خلية نحل. جوزي وصل وشه منور رغم التعب، حضن أمه وباس راسها وقالها: طول ما أنا عايش، مفيش مخلوق يقدر ينزل دمعتك يا أمي، ارفعي راسك وبنتك هتتجوز زفة ملوكي.
روحنا مع بسنت الكوافير، خليت الميكب أرتست تطلعها قمر، فستانها كان أبيض كأنه قطعة من الغيم، ولما حطت الطرحة وبصت لنفسها في المراية، ابتسمت أول ابتسامة من يومين.
الساعة بقت تمنية بالليل، معاد الدخول. ركبنا العربيات واتحركنا في زفة على القاعة الكبيرة. العريس كان واقف مستني عروسته وابتسامته وسعت أول ما شافها، مسك إيدها وباس جبينها، وبدأوا يتحركوا على ممر الشرف.
حماتي كانت ماشية وراهم بتتسحب، عينيها عمالة تدور في ترابيزات القاعة يمين وشمال برعب، خايفة تلاقي الكراسي فاضية.
بس أول ما فتحنا باب الصالة الكبيرة والستارة اترفعت.. رجلينا وقفت، وحماتي شهقت شهقة خلت الكل يلتفت ليها!
القاعة مكنتش فاضية.. القاعة كانت بتغلي بالناس، صريخ الزغاريد هز السقف، بس الصدمة مش هنا.. الصدمة كانت في الناس اللي قاعدين في أول ترابيزة في وش الباب بالظبط، ناس مكناش نتخيل في أسوأ كوابيسنا ولا أحلى أحلامنا إنهم يكونوا موجودين الليلة دي!
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

