
يوم ما حبيبي نشر صورة مع حبيبته القديمة… قررت أطير في الاتجاه العكسي في اليوم التالت من الحرب الباردة اللي بيني وبين حبيبي، نشر صورة غيّرت حياتي كلها. كان اسمه آدم الشامي، واحد من أكتر كباتن الطيران احترامًا في شركة طيران كبيرة. وفي الصورة كان ماسك إيد حبيبته السابقة، ريهام منصور. وتحت الصورة كتب جملة واحدة:
“أوقات لازم تلف الدنيا كلها، عشان تعرف مين كان الشخص الصح.”
فضلت أبص للشاشة كام ثانية.
ما عيطتش.
ما اتصلتش بيه.
وما سألتهوش الصورة دي معناها إيه.
قفلت الموبايل، وقومت واتجهت لمكتب مدير العمليات.
فوق مكتبه كان فيه طلب مستني توقيعي بقاله شهور.
ترقيتي.
الفرصة اللي ممكن تخليني كابتن طيران.
— ليلى — قال لي مدير العمليات، الكابتن محمود — إنتِ بقالك خمس سنين مساعدة كابتن مع آدم. عندك ساعات طيران أكتر من المطلوب، وتقييماتك ممتازة، وعندك خبرة كفاية إنك تقودي طاقم كامل لوحدك.
وزق الورق ناحيتي.
— الشركة عايزة تعرض عليكي الرحلة T028.
حسيت صدري اتقبض.
رحلات آدم كانت ناحية الشرق.
أما الرحلة T028… فكانت ناحية الغرب.
لو وافقت، مواعيدنا تقريبًا مش هتتوافق تاني.
رحلتين.
حياتين.
وخطين ماشيين بعيد عن بعض في اتجاهين عكس بعض.
تاني يوم كان فيه عشا مع فريق الطيران.
وسط الهزار، واحد من الطيارين سألني:
— ليلى، إنتِ بجد ناوية تفضلي زعلانة من آدم؟ الراجل بارد أوي… اتصالحي معاه قبل ما ريهام ترجع تاخده منك.
الكل ضحك.
أنا فضلت ألف الكوباية بين صوابعي ببطء.
ما رديتش.
آدم، اللي كان قاعد قدامي، رفع عينه أخيرًا.
— خلاص بقى.
وبعدين بص لي بكل هدوء وقال:
— هنرجع البيت سوا. بكرة عندنا رحلة. خلينا ما نخلطش مشاكلنا الشخصية بالشغل.
قالها كأن مفيش أي حاجة اتغيرت.
كأنه واثق تمامًا إني هفضل مستنياه.
ويمكن دي كانت أكتر حاجة وجعتني.
الليلة دي رجعت بيتنا لوحدي.
وعند المدخل، كانت لسه معلقة صورة أول رحلة طيران عملناها سوا.
كنا الاتنين بنضحك قدام الطيارة، شباب، مرهقين، ومقتنعين إننا هنقدر نكسب السما وإحنا جنب بعض.
قبل خمس سنين، آدم عمل حاجات كنت فاكرة إنها مستحيلة عشان يكسب قلبي.
في عيد ميلادي، خلّى مئات الطيارات الصغيرة ترسم صورتي وسط نجوم السما فوق المدينة.
ولما دخلت المستشفى بسبب التعب، اتعلم الطبخ مخصوص عشان يعمل لي شوربة بإيده.
سنين طويلة قضيناها سوا في قمرة القيادة، وسط المطبات الهوائية، والرحلات الليلية، والفنادق، والمطارات، وبيت محدش في الشركة كان يعرف إنه بتاعنا إحنا الاتنين.
كنت فاكرة إن الحب ده هيستحمل أي عاصفة.
لحد ما سمعت صوت الباب.
آدم دخل ولسه لابس بدلة الكابتن.
وقبل حتى ما يتكلم، شمّيت البرفان.
— إنتِ لسه صاحيه؟ — سألني.
وبعدين طلع علبة صغيرة زرقا من جيبه.
— جبتلك حاجة.
فتحتها.
كان جواها إسورة أنيقة كنت معجبة بيها من شهور.
للحظة، حسيت بحاجة شبه الحنان.
لحد ما افتكرت صورة ريهام اللي نشرتها قبلها بثلاث أيام.
كانت لابسة نفس الإسورة بالظبط.
وكانت كاتبة:
“الكابتن آدم ذوقه حلو. بيقولوا إن التصميم ده معناه الأبدية.”
حد سألها في التعليقات إذا كانت هي وآدم رجعوا لبعض.
ريهام ردت بوش مبتسم:
“بلاش تألفوا حاجات من عندكم.”
لا أكدت.
ولا نفت.
قفلت العلبة.
— أعتقد إني مبقتش بحبها.
آدم قطّب حواجبه.
— ما إنتِ قولتي إنك عايزاها.
— يمكن بعض الحاجات بتبطل تحبها لما تفضل تبص لها كتير.
هو حتى ما فهمش قصدي.
— مش مهم. المرة الجاية هجيبلك حاجة تانية.
وبعدها دخل.
ساعتها بصيت على الترابيزة.
كان عليها طلب ترقيتي.
أنا كنت سايباه قدامه عن قصد.
آدم عدى من جنبه كذا مرة.
ولا حتى أخد باله منه.
في اللحظة دي فهمت حاجة موجعة:
العلاقة نادرًا ما بتنتهي بسبب خطأ واحد.
أوقات بتموت بعد مئات المرات من التجاهل الصغير.
مسكت الموبايل.
— كابتن محمود.
— قولي يا ليلى.
بصيت من الشباك على أنوار المدينة البعيدة.
— أنا موافقة على الترقية.
سكت شوية.
— ليلى… إنتِ عارفة معنى اختيار الرحلة T028؟ آدم هيسافر ناحية الشرق، وإنتِ ناحية الغرب. مواعيدكم ممكن ما تتقابلش لسنين.
خدت نفس عميق.
ومن الناحية التانية من البيت، كان لسه صوت المية شغالة.
الرجل اللي حبيته خمس سنين، لسه ما يعرفش إنه على وشك يخسرني.
المدير سألني تاني:
— إنتِ متأكدة تمامًا؟
بصيت للمرة الأخيرة على صورتنا فوق الكومودينو.
وردّيت:
— أيوه.
— طيب… فيه حاجة تانية لازم تعرفيها قبل ما أوقّع قرار نقلك…
الجملة اللي قالها بعد كده خلتني أفضل واقفة مكاني…
لأن اللي اكتشفته في اللحظة دي كان أكبر بكتير من مجرد إهمال.
—
يوم ما حبيبي نشر صورة مع حبيبته القديمة… قررت أطير في الاتجاه العكسي
(الجزء الثاني)
— الرحلة T028 مش مجرد تغيير في خط السير — قال لي الكابتن محمود — إحنا بنشكّل وحدة دولية جديدة، وعايزينك تكوني الكابتن الأساسي فيها لمدة تلات سنين. قاعدة التشغيل هتكون في سياتل.
فضلت ساكتة للحظة.
سياتل.
دي مش مجرد محطة تانية.
ولا وردية شغل مختلفة.
دي مدينة تانية.
بيت تاني.
وحياة تانية.
— لو مضيتي — كمل — لازم تبدأي شغلك هناك خلال أسبوعين. أنا عارف إن القرار كبير، وعشان كده حبيت أتأكد إنك عارفة كل التفاصيل.
لفيت وشي.
ومن مكاني كنت شايفة جاكت آدم معلق جنب الباب.
خمس سنين، واليونيفورم بتاعي كان دايمًا جنب يونيفورمه.
حتى ده كان باين كأنه وعد.
دليل صغير كل يوم إننا بننتمي لنفس المكان.
لكن يمكن أنا قضيت وقت طويل جدًا بخلط بين العِشرة وبين القدر.
— موافقة — قلت.
— متأكدة؟
— متأكدة تمامًا.
سكت الكابتن محمود كام ثانية.
— خلاص. بكرة هجهز الورق.
قفلت المكالمة، وحسيت بالخوف.
لكن تحت الخوف كان فيه إحساس بقاله وقت طويل جدًا مش بيزورني.
الراحة.
مش السعادة.
لسه بدري عليها.
بس إحساس إني فتحت شباك في أوضة كنت بقالي سنين بتنفس فيها بالعافية.
سمعت صوت المية وقف.
وبعد كام دقيقة خرج آدم وشعره مبلول.
— كنتِ بتكلمي مين؟
— محمود.
— في الوقت ده؟
— أيوه.
استنيت.
جزء جوايا كان لسه نفسه يسألني ليه.
نفسه يبص على الورق اللي فوق الترابيزة.
نفسه يفهم.
لكن آدم فتح التلاجة وطلع إزازة مية.
— فيه مشكلة في مواعيد بكرة؟
— لأ.
— كويس.
ومشي.
وبس.
الأيام اللي بعدها كانت هادية بشكل غريب.
كنت كتير أتخيل شكل نهاية علاقة خمس سنين.
كنت فاكرة هيبقى فيه خناقات.
عتاب.
دموع.
لكن ولا حاجة من دي حصلت.
آدم كمل حياته كأني لسه في مكاني المعتاد.
يخرج بدري.
يرجع متأخر.
يرد على رسايل وقت العشا.
وساعات كان بيبتسم وهو باصص في شاشة موبايله.
زمان، كل حاجة من دي كانت بتخليني أحس بعدم الأمان.
دلوقتي كنت بس بسجلها في دماغي.
صباح التلات، وصلتني الموافقة الرسمية.
الكابتن ليلى الشامي.
قريت السطر ده أربع مرات.
كنت مستعدة أشوفه قدامي بقالى سنين.
ومع ذلك، لفترة طويلة جدًا سمحت إني أختصر أكبر إنجاز في حياتي المهنية في سؤال واحد:
“آدم هيقول إيه؟”
المرة دي ما قلتلوش.
حطيت الخطاب في شنطتي وروحت الشغل.
في غرفة العمليات قابلت ريهام.
شعرها كان مربوط بعناية، وعلى إيدها نفس الإسورة.
الإسورة اللي آدم جابها لي أنا كمان.
لما شافتني، رفعت إيدها بحركة بسيطة جدًا.
الألماسة لمعت تحت النور.
— إسورة حلوة — قلت.
ريهام ابتسمت.
— شكرًا.
— شكلها مميزة.
ابتسامتها اتسعت شوية.
— هي فعلًا مميزة.
ما سألتهاش مين جابهالها.
واضح إنها كانت مستنية مشهد.
نظرة غيرة.
سؤال يائس.
لكن أنا ما اديتهاش أي حاجة.
عديت من جنبها.
— رحلة موفقة.
سمعت صوتها ورايا.
— ليلى.
وقفت.
— أيوه؟
قربت مني.
— أنا مش عايزة يبقى فيه أي سوء تفاهم بينا.
كدت أبتسم.
— يبقى ما يبقاش فيه.
— أنا وآدم بينا تاريخ.
— عارفة.
— فيه حاجات يمكن إنتِ مش فاهمَاها.
بصيت لها لأول مرة في عينيها.
ريهام كانت جميلة.
شيك.
وواثقة من نفسها.
لشهور كنت فاكرة إنها هي الخطر.
لكن ساعتها فهمت إنها مش هي المشكلة.
الشخص التالت ما يقدرش يدخل فعلًا، إلا لما حد من جوه يفتح له الباب.
— ريهام — قلت بهدوء — أي حاجة آدم يعملها، دي مسؤوليته هو.
ملامحها اتغيرت.
واضح إنها كانت متوقعة إني ألومها.
— أنا…
— عندي اجتماع.
مشيت قبل ما تكمل كلامها.
في نفس اليوم، خبر ترقيتي ظهر على النظام الداخلي للشركة.
ما عداش عشرين دقيقة، والخبر انتشر في الشركة كلها.
لما دخلت غرفة الاستراحة، كذا حد بدأ يصفق.


