
— الكابتن ليلى!
— أخيرًا!
— كنا عارفين إنك هتوصلي!
حسيت وشي سخن من الإحراج.
سنين وأنا بشتغل عشان اللحظة دي.
كنت بذاكر والناس نايمة.
أعيد إجراءات الطيران لحد ما أحفظها عن ظهر قلب.
قضيت مئات الساعات في أجهزة المحاكاة.
هبطت في عواصف.
تعاملت مع حالات طوارئ.
وضيعت أعياد ميلاد، وأعياد، وإجازات نهاية الأسبوع.
الترقية دي ما كانتش هدية.
دي كانت بتاعتي.
ساعتها الباب اتفتح.
آدم دخل.
الكلام في الغرفة بدأ يهدى واحدة واحدة.
عينه لفت في المكان لحد ما وقفت عليا.
وبعدين بص للإعلان اللي حد كان عارضه على الشاشة.
شفت اللحظة بالظبط اللي فهم فيها.
— كابتن؟ — سأل.
محدش رد.
آدم قرب مني.
— من إمتى؟
— رسميًا من النهارده.
— ليه ما قلتليش؟
السؤال فاجأني لدرجة إني كنت هضحك.
— الورق كان فوق ترابيزة بيتنا تلات أيام.
وشه اتغير.
— أنهي ورق؟
الحاجة دي وجعتني أقل مما توقعت.
— بالظبط.
حصل صمت محرج.
واحد من زمايلنا تمتم بأي حجة وخرج.
والباقي خرج وراه.
وبعد لحظات بقينا لوحدنا.
آدم قفل الباب.
— ليلى، إيه اللي بيحصل؟
— مفيش حاجة.
— ما تقوليش مفيش حاجة.
— اترقيت.
— ده أنا شايفه. هتروحي أنهي رحلة؟
بصيت له.
— T028.
لأول مرة فقد تمامًا هدوءه المعتاد.
— T028؟
— أيوه.
— الرحلة اللي طالعة من سياتل؟
— أيوه، عارفة.
— سياتل؟
— آدم، أنا كنت في الاجتماع. عارفة كويس سياتل فين.
— لمدة قد إيه؟
— تلات سنين.
بص لي كأني كنت بتكلم لغة تانية.
— إنتِ مش بتتكلمي جد.
— لأ، بتكلم جد.
— وبيتنا؟
— خليه ليك.
— أنا مش بتكلم عن البيت.
— أمال بتتكلم عن إيه؟
شد فكه.
— عننا.
أهو.
بعد أسابيع من البُعد.
بعد الصورة.
بعد ريهام.
بعد الإسورة.
بعد ما تجاهل شغلي تمامًا.
أخيرًا نطق الكلمة دي.
عننا.
— وإيه اللي هيحصل لنا؟ — سألته.
— ما ينفعش توافقي على نقل تلات سنين من غير ما تتكلمي معايا.
— أنا وافقت خلاص.
— وده بالظبط اللي أنا بتكلم عنه.
— وإنت نشرت صورة وإنت ماسك إيد حبيبتك القديمة من غير ما تتكلم معايا.
فتح بقه.
وما قالش حاجة.
— هو ده كان مختلف؟ — سألته.
— الصورة ما كانش معناها اللي إنتِ فاكرة.
— أنا ما قلتلكش أنا فاكرة إيه.
— إنتِ كنتِ زعلانة.
— في الأول، أيوه.
— ليلى…
— في الأول كنت زعلانة. بعد كده بطلت.
وده باين إنه قلّقه أكتر.
— أنا وريهام بس…
— مش محتاجة تفسير.
— بس أنا عايز أشرحلك.
— ليه دلوقتي؟
سكت.
سؤالي فضل معلق بينا.
وأخيرًا آدم بص بعيد.
— حصل بينا خناقة.
— إحنا حصل بينا خناقة.
— أيوه.
— وفي الخناقة دي قررت تروح لريهام.
— الموضوع مش كده.
— أمال كان إزاي؟
مرر إيده في شعره.
— هي كانت بتمر بوقت صعب. روحنا نشرب قهوة. اتكلمنا عن حاجات من الماضي. الصورة كانت غلطة.
— والجملة؟
— كنت متعصب.
هزيت راسي ببطء.
— فهمت.
— واضح إنك مش فاهمة.
— لأ، فاهمة. كنت زعلان مني، فحبيت توجعني.
ملامحه اتشدت.
— ما فكرتش فيها بالطريقة دي.
— ده مش بيخليها أحسن.
سكت.
— والإسورتين؟ — سألته.
عينيه نزلت على إيدي.
— إيه؟
— إسورة ريهام وإسورتي.
فهم قصدي.
ولأول مرة شفت حاجة شبه الإحراج على وشه.
— بتاعتها كان…
— مش مهم.
— ليلى، أقدر أشرح.
— أكيد.
— طيب خليني أشرح.
— مش عايزة.
— ليه؟
صوتي طلع أهدى مما توقعت.
— عشان بقالي سنين بسمع تفسيرات لحاجات كانت بتخليني أحس إني صغيرة ومش مهمة.
الكلام ده خلّاه يسكت.
— لما كنت بتوصلها البيت، كان ده زمالة.
— لما كنت بترد على مكالماتها وإحنا بنتعشى، كان ده شغل.
— لما كنت بتغير مواعيدك عشان تتوافق معاها، كانت صدفة.
— لما نسيت ذكرى جوازنا لأنك كنت بتغطي رحلتها، كانت مسؤولية شغل.
— ولما نشرت الصورة، كنت متعصب.
بصيت له.
— دايمًا فيه تفسير يا آدم. المشكلة إن مفيش تفسير واحد قدر يغير إحساسي.
— أنا عمري ما كنت عايز أخليكي تحسي كده.
— عارفة.
وكان ده حقيقي.
يمكن دي كانت أكتر حاجة حزينة.
أنا مش مصدقة إن آدم صحى في يوم وقال لنفسه: “النهارده هدمر ليلى.”
هو بس وصل لدرجة إنه بقى واثق مني لدرجة إنه بطل يفكر في احتمال إني أمشي.
وجودي بقى بالنسبة له حاجة مضمونة.
زي الهوا.
— أنا مش عايز أنهي علاقتنا — قال.
أخدت نفس ببطء.
— أنا عايزة.
الجملة نزلت عليه كأنها خبطته فعلًا.
— إيه؟
— عايزة ننفصل.
— إنتِ زعلانة.
— لأ.
— إنتِ بتاخدي قرار متسرع.
— القرار المتسرع كان إني استحملت كل ده للمدة دي.
فضل واقف مكانه.
— خمس سنين يا ليلى.
— بالظبط.
— مش هترمي خمس سنين بسبب صورة.
— أنا مش برمي خمس سنين بسبب صورة.
قربت منه.
— أنا بسيب علاقة بعد سنين قضيتها وأنا حاسة إني لازم آخد إذن عشان يكون لي مكان في حياتك.
بص لي بتركيز.
— ده مش عدل.
— يمكن. بس ده إحساسي.
— أنا بحبك.
من خمس سنين، الكلمتين دول كانوا ممكن يوقفوني.
النهارده خلوني بس أحس بالتعب.
— يمكن.
— “يمكن”؟
— إنك تحب حد مش معناه دايمًا إنك بتعامله كويس.
ما ردش.
— أنا هسافر الأسبوع الجاي — ضفت.
— الأسبوع الجاي؟
— التدريب بتاعي بيبدأ يوم الاتنين.
— ليلى…
— لازم أمشي.
فتحت الباب.
قبل ما أخرج، آدم اتكلم ورايا.
— فيه حد تاني؟
لفيت له.
السؤال ده أكد لي قد إيه هو مش فاهم أي حاجة.
— أيوه.
وشه شحب.
استنيت ثانيتين.
— أنا.
وخرجت.
خلال الأيام اللي بعدها، آدم اتغير.
بقى يرجع البيت بدري.
يعمل قهوة.
يشتري الورد اللي بحبه.
وفي ليلة حتى طبخ الشوربة اللي كان عملهالي أول ما مرضت وإحنا صغيرين.
دوقت معلقة.
طعمها كان زي زمان بالظبط.
— فاكرة؟ — سأل.
— أيوه.
— حرقت تلات حلل قبل ما أعرف أعملها.
— فاكرة برضه.
استنى إني أبتسم.
ما ابتسمتش.
— ليلى، نقدر نصلح الموضوع.
— أنا مش عايزة أصلحه.
— اديني فرصة.
— اديتك فرص كتير.
قطب حواجبه.
— يعني إيه؟
— كل مرة كنت بتخذلني وأقرر أفضل، كانت فرصة.
كل مرة كنت بعيط لوحدي وتاني يوم أتصرف كأن مفيش حاجة، كانت فرصة.
كل مرة اخترت أثق فيك رغم إن فيه حاجات مش منطقية، كانت فرصة.
بصيت له بتعب.
— ما ينفعش تطلب فرصة جديدة لمجرد إنك دلوقتي اكتشفت إن الفرص القديمة خلصت.
آدم وطّى عينه.
الليلة دي نام على الكنبة.
وأنا بدأت ألم حاجتي.
الجمعة كان فيه احتفال بترقيتي.
أنا ما كنتش عايزة حفلة، لكن الفريق أصر.
في المطعم كان فيه طيارين، وفنيين، وموظفين أرضيين، وكذا طاقم اشتغلت معاهم سنين.
ولأول مرة، الليلة ما كانتش بتدور حوالين:
“ليلى، مساعدة كابتن آدم.”
الليلة كانت عني أنا.
الكابتن ليلى.
واحد رفع كوباية.
— نخب الست اللي خلتنا كلنا نحس إننا فاشلين في جهاز المحاكاة.
الكل ضحك.
وأنا ضحكت معاهم.


