عام

ملاك وجاد

وهي في المدرسة، مكنش عندها صحاب، وبسبب جمالها كانت معظم البنات بيغيروا منها ويبعدوا عنها. ولما كبرت شوية، بدأت تخاف من الناس اللي كانوا بيحاولوا يستغلوا ضعفها رغم سنها الصغير، لدرجة إنها فقدت القدرة على تذكر عدد الشباب اللي تقدموا لها أو حاولوا التقرب منها.

لكن اللي حصل بعدها كان أصعب من كل ده.

أخوها خالد قرر يزوجها مقابل مبلغ كبير، من غير ما يهتم بموافقتها أو بمشاعرها.

كان الشخص اللي هتتزوجه اسمه جاد، وكانت نظرته لها من البداية مليانة تحفظ وغموض.

ملاك كانت حاسة إنها فقدت السيطرة على حياتها، وإنها بقت مجرد جزء من صفقة اتعملت من غير إرادتها.

خبت وشها بإيديها وهي بتبكي من القهر والخوف.

بعد دقائق، وصل الحارس الشخصي ومعه المأذون.

جاد قعد مع خالد عشان يتمموا إجراءات الزواج، لكن المأذون طلب إنه يتأكد بنفسه من موافقة العروسة.

دخلت سما إلى الغرفة وبصت لملاك بتحذير.

قالت لها بصوت منخفض:

“وافقي من غير كلام عشان نخلص الموضوع. لو خالد ما أخدش الفلوس، الأمور هتتعقد علينا كلنا. وافقي بهدوء.”

خرجت ملاك من الغرفة وهي ساكتة بمنتهى الهدوء.

المأذون سألها:

“إنتِ موافقة يا بنتي على زواجك من جاد المحمدي؟”

ملاك بصت لجاد بحزن، لكنها كانت عارفة إن حياتها مع أخوها وزوجته بقت مستحيلة، وإنها محتاجة تخرج من الوضع اللي حطوها فيه.

قالت بهدوء:

“موافقة.”

المأذون قال:

“على بركة الله.”

تم عقد الزواج، وملاك ظلت ساكتة.

بعد انتهاء الإجراءات، وقف جاد وبصلهم ببرود، وقال لخالد:

“ده حقك، ومن دلوقتي أنا مش عايز مشاكل أو تدخلات منك. مفهوم؟”

ثم أخذ ملاك وترك المكان.

خالد وسما ابتسموا بسعادة، وكأنهم فاكرين إنهم كسبوا صفقة ناجحة.

لكنهم ما كانوش يعرفوا إن اللي عملوه هيكون بداية لمراجعة كل تصرفاتهم.

في عربية جاد

كانت ملاك قاعدة جنبه وساكتة، بتبص للشوارع من زجاج العربية وكأنها مش عايزة تفكر في أي حاجة.

جاد قال بجدية:

“هنسافر دلوقتي للصعيد. في بيت العيلة مش عايز مشاكل مع حد. أبويا راجل صارم، ومش بيحب المشاكل. أمي لو حصل بينها وبينك أي خلاف، حاولي تحلي الأمور بهدوء.”

وسكت لحظة، ثم قال:

“وحاجة كمان، مش عايز أي حد يعرف تفاصيل اللي حصل بينا. لو حد سألك، قولي إن الأمور بينا كويسة.”

ملاك كانت هترد عليه، لكنه أشار لها إنها تستنى.

ثم طلع موبايله وبدأ يتكلم مع شخص في الشغل.

بعد مرور ثلاث ساعات

كانت ملاك متوترة جداً، وبتضغط على إيديها من شدة القلق.

جاد لاحظ حركة إيديها بطرف عينه، لكنه ما علقش.

نزل من العربية، ونزلت ملاك معاه.

بصت للمكان بإعجاب وانبهار.

يمكن لأنها كانت أول مرة تروح الصعيد، أو حتى تخرج بعيد عن الإسكندرية.

بصت للأراضي الخضراء المزروعة بانبهار، وللقصر الكبير القريب من ضفة النيل.

جاد شاف أفراد العيلة خارجين، فمد إيده ومسك إيدها.

ملاك بصت له بصدمة، لكنها ما لحقتش تسحب إيدها، لأن أصوات الاحتفال كانت عالية، والناس كلها متجمعة لاستقبالهم.

جاد قال لها بهدوء:

“متخافيش.”

الجزء الثاني

جاد مسك إيد ملاك، وهي كانت بتبص حواليها بقلق.

أفراد العيلة متجمعين قدام باب القصر، والغفر واقفين على الجانبين.

جاد قال:

“متخافيش، دي طريقة استقبال عندنا.”

ملاك قالت بصوت منخفض:

“استقبال؟ أنا افتكرت إن في حاجة حصلت!”

جاد لأول مرة بص لها بطرف عينه، وكأنه استغرب إنها اتكلمت.

وقال:

“لسانك قوي على واحدة كانت من شوية مش عارفة تتصرف.”

ملاك سكتت، ورفعت راسها بعناد.

“أنا بخاف من حاجات كتير، بس مش معناها إني هفضل ساكتة طول عمري.”

قبل ما جاد يرد، صوت ست كبيرة جه من قدامهم:

“جاد!”

رفع عينه، وكانت أمه واقفة عند مدخل القصر.

ست في أواخر الخمسينات، ملامحها قوية ونظرتها تخلي أي حد قدامها يحسب كلامه كويس.

جاد قرب منها وقبل إيدها.

“وحشتيني يا أمي.”

بصت لملاك من فوق لتحت، وبعدين قالت:

“دي مراتك؟”

جاد رد:

“أيوه.”

سكتت ثواني، وبعدين قالت:

“ادخلوا.”

ملاك مشت جنب جاد وهي حاسة إن كل العيون عليها.

بدأت الهمسات تنتشر:

“هي دي مرات جاد؟”

“شكلها صغيرة أوي.”

“محدش يعرف عنها حاجة.”

ملاك كانت سامعة كل كلمة، لكنها عملت نفسها مش سامعة.

دخلت القصر، وأول ما دخلت وقفت مكانها من شدة الانبهار.

السقف عالي، والحوائط عليها صور لأجداد العيلة، والأثاث قديم وفخم، وكل حاجة فيها هيبة وتاريخ.

لكن قبل ما تستمتع بالمكان، سمعت صوت أخت جاد:

“يا أمي، معقول دي اللي جاد اتجوزها؟”

جاد بص لها بحدة:

“اسمها ملاك.”

ضحكت البنت بسخرية خفيفة:

“ملاك؟ شكلها هادية أوي.”

ملاك بصت لها، لكنها فضلت ساكتة.

جاد قال:

“خلي حد يجهز لها أوضتها.”

أمه ردت:

“أوضتها جنب أوضتك.”

جاد اتفاجئ.

“ليه؟”

أمه بصت له بثبات:

“عشان الناس متتكلمش وتقول إنك جبت مراتك البيت وبعدين عايش بعيد عنها.”

جاد سكت.

أما ملاك فوشها احمر من الإحراج.

في اللحظة دي ظهر والد جاد.

رجل كبير، طويل، وصوته جهوري.

قال:

“جاد.”

جاد وقف باستقامة.

“نعم يا أبويا؟”

“تعال معايا.”

دخلوا مكتب كبير، وقفل الأب الباب.

قال:

“أنا مش هسألك جبتها منين ولا دفعت كام.”

جاد اتجمد مكانه.

أبوه كمل:

“لكن هسألك سؤال واحد: إنت ناوي تعمل إيه في البنت دي؟”

جاد رد ببرود:

“هتعيش هنا لحد ما الأمور تهدى، وبعدها كل واحد يشوف طريقه.”

والده قال بحزم:

“وإنت فاكر الجواز لعبة؟”

جاد سكت.

وأضاف والده:

“لو دخلت بيتنا باسم مراتك، تبقى مراتك قدام الناس. محدش هنا هيهينها، ومحدش هيتعرض لها.”

جاد قال:

“حتى لو هي مش مهمة بالنسبة لي؟”

أبوه قرب منه وقال:

“دي مشكلتك إنت. لكن طول ما هي تحت سقف بيتي، محدش يقدر يقلل منها.”

خرج جاد من المكتب وهو متضايق.

لكن أول ما وصل الصالة، سمع صوت أمه بتتكلم مع ملاك:

“إنتِ واقفة ليه؟”

ملاك كانت واقفة مرتبكة.

“مش عارفة أعمل إيه.”

“روحي أوضتك دلوقتي.”

ملاك اتحركت بسرعة.

جاد وقف يتفرج عليها.

ولأول مرة حس بحاجة غريبة.

البنت اللي أخوها عاملها كأنها مجرد وسيلة كانت مختلفة عن الصورة اللي رسمها في دماغه.

مكسورة، آه.

خايفة، آه.

لكن جواها حاجة تانية.

كرامة.

مرت الأيام الأولى بصعوبة.

ملاك كانت بتصحى بدري، تساعد العاملين في البيت، وتفضل ساكتة أغلب الوقت.

جاد كان طول الوقت في شغله، ولما يرجع، بالكاد يكلمها.

لكن في ليلة، ملاك سمعت صوت نقاش في الصالة.

نزلت بهدوء.

لقيت أخت جاد ماسكة موبايلها وبتسألها:

“إنتِ بتكلمي مين؟”

ملاك اتوترت.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى