
جارتي استنتني على باب البيت وقالتلي: «ابنك بقاله ست أيام عندي»
حسيت الدنيا بتلف بيا، لأني كنت دافن ابني من سبع سنين. ماجادلتهاش… طلعت شهادة وفاته وبصيت للولد. وقتها هي ادتني ورقة مكتوبة بخط إيدي… وفهمت إن حد كان مخطط لكل حاجة من زمان.
الجزء الأول
—يا أستاذ، ابنك بقاله ست أيام نايم عندي… وأنا خلاص مش قادرة أخبيه أكتر من كده.
دي كانت أول جملة سمعتها بعد ما قضيت تقريبًا أسبوع كامل بعيد عن الدنيا، شغال في رش الأراضي الزراعية في المنوفية والبحيرة.
اسمي حسام عبدالسلام، عندي واحد وأربعين سنة، وبشتغل طيار زراعي.
واللي بيشتغل في المجال ده عارف إن وقت الطيران مفيش فيه هزار.
بتطير واطي جدًا فوق الأرض، وسط الزرع، والأسلاك، والأشجار، وأعمدة النور اللي بتعدي جنبك كأنها هتدخل في الكابينة.
عشان كده كنا بنسيب الموبايلات في دولاب صغير في المطار، ومحدش بيفتح تليفونه غير بعد ما نخلص الشغل ونرجع.
المرة دي الشغل خد ست أيام كاملة.
حوالي مية وتمانية وأربعين ساعة.
أول ما شغلت موبايلي، لقيت 87 مكالمة فائتة.
أغلبهم من جارتي، الحاجة سعاد.
أول حاجة جات في بالي إن البيت حصل فيه مصيبة.
يمكن حريقة.
يمكن حد من أهلي تعبان.
يمكن الشرطة بتحاول توصل لي.
لكن الحقيقة كانت أسوأ بكتير.
لما وصلت بلدنا، في ضواحي شبين الكوم، لقيت الحاجة سعاد واقفة قدام باب بيتي.
كانت ست عندها أربعة وستين سنة، قضت عمرها تقريبًا وهي بتربي عيال الجيران.
من نوعية الستات اللي تعرف مين اتجوز، ومين خلف، ومين ابنه تعبان، ومين مراته اتخانقت معاه.
نزلت من العربية وأنا مستغرب.
—في إيه يا حاجة سعاد؟ إيه اللي حصل؟
بصتلي بنظرة غريبة، كأنها بقالها كام يوم مستنية اللحظة دي.
وبعدين قالت وهي بتكتم عياطها:
—أنا مش قادرة أكمل في الموضوع ده يا حسام… الواد كل شوية يسألني: بابا هيرجع إمتى؟
وقفت مكاني.
—واد مين؟
دموعها نزلت على خدها.
وقالت:
—ابنك.
حسيت كأن حد ضربني في صدري.
مراتي داليا ماتت من سبع سنين في حادثة عربية.
كانت راجعة من إسكندرية ومعاها ابننا آدم، وكان وقتها عنده سنتين بس.
العربية خبطت في عربية نقل على الطريق الزراعي، وبعدها ولعت بالكامل.
داليا اتعرف عليها عن طريق سجلات الأسنان.
لكن آدم…
ماحدش قدر يجيبلي جثته.
ولا حتى جزء منها.
التقرير الرسمي قال إن وفاته اتأكدت بشكل افتراضي بسبب حالة العربية والحريق.
وأنا صدقت.
أو بالأصح…
اضطريت أصدق.
دفنت صندوق رمزي.
وعملت لابني قبر.
ومن يومها وأنا كل سنة بروح أقرأ له الفاتحة، وأقول لنفسي إن ابني مات وهو لسه صغير.
بصيت للحاجة سعاد وقلت بصوت مبحوح:
—سعاد… ابني مات.
هي ما ردتش.
بس اتحركت خطوة على جنب.
وساعتها شفته.
ولد واقف وراها.
سنّه حوالي تسع سنين.
جسمه نحيف، شعره أسود ومقصوص بطريقة عشوائية، لابس تيشيرت واسع عليه آثار تراب، وشايل شنطة مدرسة قديمة.
لكن الغريب…
إنه ماكانش بيعيط.
ولا حتى باين عليه الخوف.
كان واقف وباصصلي بهدوء غريب.
هدوء مش طبيعي على طفل.
كأنه شاف حاجات كتير أكبر من سنه.
وكأنه مستني يشوف أنا هعمل إيه.
سألت وأنا مش قادر أشيل عيني عنه:
—مين الواد ده؟
الحاجة سعاد ردت:
—إنت اللي سيبته عندي.
وبعدين طلعت ورقة متنية من جيب جلابيتها.
مدتهالي.
كانت ورقة من كشكول مدرسة.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها:
«يا سعاد، حصلتلي حاجة ضرورية ولازم أختفي كام يوم. خلي بالك من الواد لحد ما أرجع. وماتقوليش لحد حاجة، حتى تريزة. وبعدها هفهمك كل حاجة. وحقك عليّا وهعوضك.
حسام.»
إيدي بدأت تترعش.
لأن الخط…
كان خطي.
مش شبه خطي.
ده خطي أنا.
نفس شكل حرف الحاء.
نفس طريقة كتابة السين.
حتى النقطة الصغيرة اللي بحطها بعد آخر كلمة من غير ما أحس.
فضلت أبص للورقة كأني مستني الحروف تتغير قدامي.
وبعدين سألتها:
—مين جابلك الورقة دي؟
قالت:
—والله ماعرفش.
—يعني إيه ماعرفيش؟
—يوم الأحد الصبح فتحت الباب، لقيت الواد قاعد قدام الشقة ومعاه شنطة صغيرة. والورقة دي كانت متعلقة تحت جرس الباب.
وسكتت لحظة، وبعدين قالت:
—فضلت أتصل بيك طول اليوم. وبعدها يومين… وبعدها تلاتة. وإنت مابتردش.
فتحت موبايلها وورتهولي.
كان عندها عشرات المكالمات لرقمي.
وبعدين بصت للولد وقالت:
—الواد ده حاله غريب يا حسام.
قربت مني وقالت بصوت واطي:
—بيخبي الأكل تحت المخدة.
اتجمدت مكاني.
—ليه؟
—مش عارفة.
—وبعدين؟
—مش بيرضى ياكل لو حد باصصله.
سكتت شوية.
—ومن يومين نام جوه الدولاب.
بصيت للولد.
كان ساكت.
الحاجة سعاد كملت:
—وكل ما يسمع عربية تقف تحت البيت، يجري على الشباك ويسألني: «هما جم يا طنط؟»
—مين اللي جم؟
هزت راسها.
—ما بيردش.
الولد رفع إيده ناحيتي.
وسلّم عليّا.
بس كده.
أنا طول عمري شغلي فيه مخاطرة.
نزلت بطائرة ومحركها كان فيه عطل.
عديت بين أسلاك ضغط عالي.
وشفت نار بتاكل أرض زراعية كاملة وأنا فوقها.
لكن ولا موقف في حياتي خلاني أحس بالعجز اللي حسيت بيه ساعتها.
رجلي ما شالتنيش.
قعدت على الرصيف قدام البيت.
ومش عارف أبص للولد ولا أبص للورقة.
بعد ساعات وصلت الشرطة.
وبعدها جت لجنة من حماية الطفل.
فضلوا يسألوني أسئلة كتير.
كنت فين الست أيام اللي فاتوا؟
مين يقدر يثبت إنك كنت في شغلك؟
مين يعرف إنك مسافر؟
ليه جارتك عندها ورقة مكتوبة بخطك؟
وإزاي طفل مجهول يظهر فجأة قدام بيتها في نفس الفترة اللي إنت كنت فيها بعيد ومش بترد على التليفون؟
أما الولد…
فماقالش اسمه.
ولا قال هو جاي منين.
كل ما حد يسأله، يسكت.
كان بياخد المية والأكل لما يتعرضوا عليه، لكن أول ما السؤال يدخل في سكة أهله أو بيته أو الشخص اللي جابه…
يقفل على نفسه تمامًا.
وقبل ما ياخدوه، قربت مني أخصائية اجتماعية وقالت:
—لحد ما نعرف الولد ده مين، حضرتك ماتقدرش تعتبره ابنك أو تاخده على مسؤوليتك.
رجعت بيتي لوحدي بعد نص الليل.
البيت كان هادي بشكل يخوف.
دخلت أوضة النوم.
فتحت دولاب قديم كنت بقالي سبع سنين مش قادر أقرب منه.
طلعت صندوق صغير.
جواه كانت كل ورق الحادثة.
ومن بينهم شهادة وفاة آدم.
قعدت أقراها للمرة الألف.
لكن المرة دي…
عينيا وقفت عند جملة عمري ما ركزت فيها بالشكل ده.
«الوفاة مثبتة بصورة افتراضية.»
يعني مفيش تحليل DNA.
مفيش إثبات جسدي.
مفيش حتى جثة مؤكدة.
مجرد افتراض إن ابني كان جوه العربية…
لأنه كان مسافر مع أمه.
فضلت قاعد مكاني وأنا بحاول أفتكر كل حاجة حصلت وقتها.
وفجأة…
افتكرت حاجة.
بعد الحادثة بثلاث أيام، جاتني ست من جمعية بتساعد أهالي ضحايا الحوادث.
اسمها نهى سامح.
كانت بتساعدني في الإجراءات، وترد على التليفونات، وترتب الورق، وأنا وقتها كنت شبه مش واعي من الصدمة.
هي اللي قالتلي وقتها:
—ممكن نحتاج عينة DNA منك احتياطي، عشان لو ظهرت أي معلومة بعدين.
وافقت.
وأخدت مني عينة لعاب.
لكن عمري ما سألتها العينة راحت فين.
ولا استخدموها في إيه.
في الليلة دي، لأول مرة قررت أعرف.
دورت على رقم الجهة اللي كانت بتشتغل معاها واتصلت.
استنيت كام دقيقة على التليفون.
وبعدين الموظفة قالتلي:
—أستاذ حسام… حضرتك متأكد إنك ماطلبتش سحب العينة أو إلغاء استخدامها؟
حسيت بإيدي بتتلج.
—أنا؟ لأ طبعًا. عمري ما طلبت حاجة زي دي.
سكتت الموظفة.
سمعت صوت الكيبورد من الناحية التانية.
وبعدين قالت جملة خلت نفسي ينقطع:
—غريبة…
—في إيه؟
—عندنا هنا طلب بسحب العينة بعد تسليمها بثلاث أيام.
—ومين اللي قدم الطلب؟
صمتت ثواني.
وبعدين قالت:
—الطلب متسجل باسمك.
حسيت ببرودة في ضهري.
—مستحيل.
قالت:
—والتوقيع الموجود عليه…
وسكتت.
—إيه؟
قالت:
—مطابق لتوقيعك تقريبًا.
قفلت المكالمة وأنا مش قادر أتحرك.
بصيت لشهادة وفاة ابني.
وبعدين بصيت للورقة اللي كانت الحاجة سعاد ادتهالي.
وبعدين افتكرت الولد اللي واقف قدامي من كام ساعة.
ولأول مرة بعد سبع سنين…
دخل سؤال مرعب دماغي:
لو آدم فعلًا… مين اللي كان محتاج يزوّر كل حاجة؟
ماكنتش أعرف وقتها…
إن اللي اكتشفته في الليلة دي ماكانش نهاية السر.
ده كان أول خيط بس.
والحقيقة اللي كانت مستنياني بعدها…
كانت أسوأ بكتير من فكرة إن ابني ممكن يكون عايش…
الجزء الثاني


