منوعات

هي دي مراتك

هي دي مراتك؟!
قالها مدير جوزي وهو بيبصلي من فوق لتحت، قدام كل اللي قاعدين على الترابيزة في حفلة الشركة.
جوزي، شريف، في الضحك قبل حتى ما يرد.
وبعدين قال بمنتهى البرود
أيوه للبيت كويسة. إنما إني آخدها معايا مناسبات زي دي؟ بصراحة مش أوي.
الترابيزة كلها انفجرت في الضحك.
وأنا
حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت، بس من غير صوت.
كنت متجوزة شريف بقالنا تمنتاشر سنة.
تمنتاشر سنة وأنا واقفة جنبه في كل حاجة.
قبل ما نخرج الحفلة دي بساعات، كنت كاوية له قميصين، عشان هو غير رأيه في آخر لحظة وقال إنه مش عاجبه القميص الأول.
وقفت قدام المراية في شقتنا في مدينة نصر، وعدلت الفستان الكحلي اللي كنت لابساه، ولميت شعري بإيدي.
ما رحتش للكوافير.
مش عشان مش معايا فلوس
لكن عشان كنت دايمًا بقول لنفسي إن الحاجات دي مش ضرورية.
وقبل ما نخرج، وقفت قدامه وسألته
شكلي كويس؟
رفع عينه من على الموبايل ثانيتين، وبصلي بسرعة.
آه آه كويسة.
وبس.
طول الطريق كان بيأكد عليّا
بس خليكي هادية هناك، وماتدخليش في كلام الشغل. أنا قاعد مع ناس كبار وعندنا كلام مهم.
بصيت من الشباك وما رديتش.
في المطعم، قعد شريف جنب مديره، الأستاذ مدحت، مدير الشركة اللي شغال فيها، ومعاه كام عميل مهم.
وأنا قعدت في آخر الترابيزة تقريبًا، جنب مرات الموظفين التانيين.
شريف طول السهرة كان بيتكلم عن الشغل.
شحنات.
عربيات نقل.
تأخير في التسليم.
عملاء.
أرقام.
صفقات.
وكان بيتكلم بثقة كأنه هو اللي شايل الشركة كلها على كتفه.
أما أنا؟
تقريبًا ما بصليش مرة واحدة.
لحد ما مدحت، بعد كذا كوباية، بصلي فجأة وسأل
هي دي مراتك يا شريف؟
شريف بصلي.
وبعدين بصله.
وبدون ما يتردد، ضحك.
أيوه دي مراتي.
سكت ثانية، وبعدين قال
يعني للبيت كويسة أوي إنما أطلع بيها مناسبات زي دي؟ لأ، خلينا في البيت أحسن.
الناس ضحكت.
واحد من اللي قاعدين ضرب كف على الترابيزة من كتر الضحك.
واحدة من الستات بصتلي وبعدين نزلت عينيها في طبقها، كأنها مش عارفة تعمل إيه.
أما شريف
فكان أكتر واحد بيضحك.
استنيت.
يمكن يقول
بهزر يا جماعة.
يمكن يبصلي ويعتذر.
يمكن حتى يحس إنه زودها.
ماحصلش.
فضل يضحك.
بعد حوالي عشر دقايق، مسكت شنطتي بهدوء.
وقلت له
أنا تعبانة همشي.
ما رفعش حتى عينه.
معاكي مفتاح الشقة؟
هزيت راسي.
آه.
خلاص.
دي كانت كل حاجة.
ما وقفش.
ما لحقنيش.
ما سألنيش حتى هركب إزاي.
رجعت البيت لوحدي.
دخلت أوضتي، خلعت الجزمة، وعلقت الفستان بعناية في الدولاب.
وبعدين وقفت قدام المراية وبدأت أفك دبابيس شعري واحدة واحدة.
ما عيطتش.
الغريب إني ما كنتش قادرة أعيط أصلًا.
كنت حاسة إن الدموع نفسها اختفت.
شريف رجع بعد نص الليل.
ريحة الكحول كانت مالية هدومه.
أول ما دخل، قال
إيه اللي عملتيه ده؟!
بصيتله.
عملت إيه؟
مشيتي فجأة كده قدام الناس! فضحتيني وخلتيني شكلي وحش.
كررت كلامه ببطء
للبيت كويسة.
اتنهد بضيق.
يا ستي كنت بهزر!
كلهم ضحكوا.
ما هو عشان كانت نكتة حلوة!
سكت شوية.
وبعدين قال الجملة اللي كانت أسوأ من كل اللي قاله قبل كده
وبعدين خلينا صريحين أنا وإنتِ بقينا في مستويين مختلفين يا نادية. أنا بتعامل مع رجال أعمال وعملاء وناس متعلمة وبتفهم. إنتِ بقالك سنين قاعدة في البيت.
فضلت أبصله.
ما دافعتش عن نفسي.
ما صرختش.
ما حتى سألتوش إنت بتتكلم جد؟
بس في اللحظة دي، حاجة جوايا خلصت.
تمنتاشر سنة كاملة خلصت.
تاني يوم الصبح، وهو واقف في المطبخ بيدور على حاجة يفطر بيها، قلتله بهدوء
أنا عايزة أطلق.
إيده وقفت مكانها.
بصلي كأنه مش فاهم.
إيه؟
عايزة الطلاق.
ضحك ضحكة قصيرة، كأنه فاكر إني بهزّر.
طلاق؟!
وبعدين انفجر
وإنتِ هتروحي فين؟! الشقة أصلًا باسم أمي. وإنتِ من سنين ما بتشتغليش. يعني إنتِ معندكيش حاجة.
قعدت أبصله ثواني.
وبعدين دخلت الأوضة.
طلعت شنطة سفر قديمة.
حطيت فيها هدومي.
وأنا بلم حاجتي من الدولاب، دخلت المطبخ آخد كشكول وصفاتي القديم.
كان كشكول بقاله سنين في درج المطبخ.
سحبته.
ولما فتحته، وقعت منه شوية ورق قديم على الأرض.
انحنيت ولمّيتهم.
وقفت مكاني.
الورق ده
ماكانش وصفات.
كانت خطط شغل.
جداول عربيات.
مواعيد تسليم.
خطوط سير.
ملاحظات بخط إيدي.
ورقة مكتوب عليها
العربية دي مش هتلحق المعاد ده.
وورقة تانية
خلي العربيتين دول يطلعوا مع بعض بدل ما كل واحدة تمشي لوحدها.
وورقة تالتة
ماتدخلش الطريق ده وقت الذروة.
فضلت باصة للورق.
افتكرت كل مرة شريف كان ياخد الكشكول أو الأوراق من إيدي ويقول
أنا عندي اجتماع مهم.
وبعدها يرجع البيت فرحان.
المدير مبسوط مني.
العميل مدح الخطة.
النهارده وفرنا وقت وتكلفة بسبب اللي عملته.
كنت بفرح له.
عمري ما سألت
مين عمل الخطة؟
ولا مرة.
كنت فاكرة إننا فريق.
لكن دلوقتي
فهمت.
الست اللي هو قال قدام الناس إنها للبيت كويسة
كانت بقالها سنين بتساعده يبني صورته وشغله ونجاحه من غير ما تاخد جنيه، ولا حتى كلمة شكر.
قفلت الكشكول.
وحطيته في شنطتي.
قبل ما أخرج، حطيت مفتاح الشقة على الرف.
شريف كان واقف عند الباب، بيبصلي وأنا شايلة الشنطة.
ابتسم بثقة وقال
أسبوع واحد وهترجعي.
بصيتله.
ثواني.
وبعدين فتحت الباب.
خرجت من غير ما أرد.
هو كان فاكر إني خارجة أهوش شوية وهارجع.
وماكانش يعرف إن المرة دي
أنا مشيت وأنا أخيرًا بدأت أفهم قيمتي.
لكن اللي ماكانش يعرفه شريف، إن الأوراق اللي أخدتها معايا من المطبخ
ماكانتش مجرد ذكريات قديمة.
كانت بداية لحاجة هتغير حياتنا إحنا الاتنين.
وبعد حوالي سنة
هنتقابل تاني.
بس المرة دي مش في حفلة.
ومش قدام زمايله.
ومش وهو قاعد بيضحك عليّا.
هنقعد قصاد بعض على ترابيزة واحدة
وساعتها بالذات
شريف مش هيقدر يضحك.
لأن اللي هيكون قدامه وقتها
مش الست اللي خرجت من بيته بشنطة هدوم.
هيكون قدامه الست اللي اكتشف متأخر جدًا إنه كان محتاجها أكتر مما عمره تخيل.
خرجت من باب الشقة، والشنطة في إيدي، وأنا لأول مرة
من تمنتاشر سنة ما كنتش عارفة رايحة فين.
لكن الغريب
إني ما كنتش خايفة.
كنت موجوعة، آه.
مكسورة، آه.
بس جوايا إحساس غريب بيقول إن اللي حصل الليلة اللي فاتت ماكانش نهاية حياتي.
كان بداية حاجة تانية.
حاجة أنا نفسي ما كنتش عارفة شكلها إيه.
بعد أسبوع
روحت أقعد عند أختي هالة في شقتها الصغيرة في حلوان.
هالة أول ما فتحتلي الباب وبصت على الشنطة اللي في إيدي، ما سألتنيش حتى.
حضنتني وقالت
ادخلي الأول وبعدين نبقى نشوف.
قعدت عندها تلات أيام من غير ما أتكلم عن شريف تقريبًا.
وفي اليوم الرابع، وأنا قاعدة على السفرة بعمل شاي، هالة لمحت الكشكول اللي كنت حاطاه جنبي.
هو إيه ده؟
بصيتله.
حاجات قديمة.
فتحت الكشكول.
فضلت هالة تقلب في الصفحات.
وبعدين رفعت حاجبها.
نادية إنتِ اللي عاملة الجداول دي؟
آه.
دي جداول شغل؟
هزيت راسي.
أيوه.
وإنتِ كنتِ بتعمليها لشريف؟
ضحكت ضحكة صغيرة مليانة مرارة.
شريف كان بياخدها ويحط اسمه عليها.
هالة سكتت.
وبعدين قالت
طب وإنتِ ليه عمرك ما فكرتي تشتغلي في الموضوع ده؟
بصيتلها باستغراب.
أشتغل إيه؟
اللي إنتِ شاطرة فيه.
ضحكت.
أنا؟
آه إنتِ.
أنا ست قاعدة في البيت بقالها سنين.
هالة قفلت الكشكول وحطته قدامي.
دي أكتر جملة شريف قالهالك لحد ما صدقتيها.
سكت.
الجملة دخلت جوايا بطريقة غريبة.
بعد يومين، حصلت أول حاجة ما كنتش متوقعاها.
تليفوني رن.
رقم غريب.
رديت.
ألو؟
جالي صوت راجل كبير
مدام نادية؟
اتوترت.
أيوه.
أنا عم رجب سواق كنت شغال مع شريف.
افتكرته فورًا.
كان من أقدم السواقين في الشركة.
أيوه، فاكرة حضرتك.
سكت ثواني.
وبعدين قال
أنا مش عارف إذا كان ينفع أقولك ولا لأ بس أنا محتاج أقابلك.
اتقابلنا في كافيه صغير بعيد عن الشركة.
عم رجب كان باين عليه التوتر.
حط قدامي فلاشة صغيرة.
دي إيه؟
قال
حاجات كنت محتفظ بيها.
فتحتها على اللابتوب.
كان فيها صور لدفاتر تسليم، ورسائل قديمة، وجداول شحن.
بصيت للملفات.
وفجأة قلبي دق بسرعة.
كل الجداول دي
أنا عارفاها.
بس كان فيها حاجة غريبة.
خطط كنت كاتباها أنا، وبعدها حصل فيها تعديلات.
تعديلات أنا ما عملتهاش.
قلت
مين غيّر الكلام ده؟
عم رجب بص حواليه قبل ما يرد
شريف.
ليه؟
عشان في عربيات معينة كانت بتطلع على طرق أطول رغم إنك كنتِ بتكتبي الطريق الأقصر.
بصيتله.
يعني إيه؟
اتنهد.
يعني الشركة كانت بتخسر فلوس كل يوم.
وشريف كان عارف؟
هز راسه.
مش بس كان عارف كان بيصر إننا نمشي بالطريق ده.
سكت.
وبعدين سألته
ليه؟
عم رجب قرب صوته
عشان كان في شركة نقل تانية بتاخد نسبة من كل نقلة بتتعمل عن طريقها.
فضلت باصة له.
لأول مرة، بدأت أفهم إن الموضوع أكبر من مجرد إن جوزي كان بياخد مجهودي وينسبه لنفسه.
كان فيه حاجة تانية.
حاجة ممكن توقعه.
بعد المقابلة دي، ما نمتش طول الليل.
فتحت الكشكول القديم.
وبدأت أقارن.
خطة بخطة.
تاريخ بتاريخ.
فاتورة بفاتورة.
وبعد ساعات طويلة
اكتشفت حاجة أخطر.
كل مرة كانت الشركة بتخسر فيها مبلغ كبير، كان فيه تغيير معين في خط السير.
والتغيير ده
كان بيتكرر.
نفس النمط.
نفس الشركة الوسيطة.
نفس التوقيع.
ونفس الشخص اللي كان بيعتمد القرار في النهاية.
شريف.
قعدت على طرف السرير.
وقلت لنفسي
يعني إنت مش بس سرقت شغلي يا شريف
إنت كنت بتستخدمه عشان تخبي اللي بتعمله.
لكن بدل ما أروح أواجهه
عملت حاجة ما كانش يتوقعها أبدًا.
بدأت أشتغل.
مش عند شركة.
ولا عند مكتب.
بدأت من ترابيزة صغيرة في بيت هالة.
فتحت صفحة على الإنترنت باسم
ترتيب حلول النقل والتوصيل
في البداية، ما جاليش غير عميل واحد.
محل أجهزة كهربائية عنده عربيتين نقل.
صاحب المحل قاللي
يعني إنتِ هتعملي لنا إيه؟
قلت
هخليك توصل نفس الطلبات في وقت أقل، وببنزين أقل.
ضحك.
ولو ما حصلش؟
قلت
ماتدفعليش.
وافق.
بعد شهر
بقى عنده خمس عربيات.
وبعد تلات شهور
جالي عميل تاني.
وبعد ست شهور
كنت قاعدة في مكتب صغير إيجار في مصر الجديدة، وعندي أربعة موظفين.
مش مكتب فخم.
ولا عربية فارهة.
لكن لأول مرة في حياتي
كان على باب مكتبي اسمي.
نادية حسن حلول وتشغيل النقل.
مش زوجة شريف.
مش مراته.
مش الست اللي قاعدة في البيت.
أنا.
في نفس الفترة، حياة شريف بدأت تتقلب.
في الأول، كان شايف إن خروجي من البيت حاجة مضحكة.
وبعد شهرين
بدأ يكتشف إن الشغل مش ماشي زي الأول.
وبعد أربعة شهور
مدحت استدعاه لمكتبه.
قاله
إنت كنت بتقول إنك صاحب أحسن خطط تشغيل في الشركة.
شريف رد بثقة
أيوه.
مدحت حط قدامه ملف.
طب فسرلي ليه نسبة التأخير زادت ٣٨٪ من ساعة ما مراتك مشيت؟
وش شريف اتغير.
دي مجرد صدفة.
مدحت فتح ملف تاني.
وفسرلي ليه كل الجداول اللي كانت بتوصلني قبل كده كانت فيها ملاحظات بخط مختلف عن خطك؟
شريف سكت.
مدحت قرب منه.
أنا بدأت أراجع.
ولأول مرة
شريف حس إن الأرض بتتحرك من تحته.
بعد أسبوع، جالي إيميل.
من شركة كبيرة منافسة لشركة شريف.
كانوا طالبين اجتماع.
رحت.
قعد قدامي ثلاثة مديرين.
وأحدهم قال
إحنا سمعنا إنك قدرتي تقللي تكلفة التشغيل عند أكتر من شركة.
قلت
مش أنا لوحدي.
مين معاكي؟
بصيت حواليّا.
فريق صغير.
قال
وإنتِ إزاي اتعلمتي المجال ده؟
سكت ثانية.
وبعدين قلت
من تمنتاشر سنة وأنا بتعلمه.
ما قلتش اسم شريف.
ما احتجتش.
مرّ عام كامل.
وفي يوم
وصلني إيميل غريب.
دعوة لاجتماع.
المكان؟
نفس الفندق اللي حصلت فيه حفلة الشركة.
الموضوع؟
مناقصة ضخمة لنظام تشغيل وتوزيع جديد.
الطرف الأول؟
شركة منافسة.
والطرف الثاني
شركة شريف.
قريت الاسم أكتر من مرة.
وقعدت ساكتة.
هالة لما عرفت قالت
ماتروحيش.
بصيتلها.
ليه؟
عشان هتوجعك الذكرى.
ابتسمت.
لا.
قفلت اللابتوب.
أنا مش رايحة عشان شريف.
وبعدين قلت
أنا رايحة عشان أنا وصلت للمكان اللي كنت فاكرة إني مش هقدر أوصله.
دخلت قاعة الاجتماع.
بدلة بسيطة.
شنطة جلد

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى