
مرت الأيام الأولى بعد الفضيحة زي تيار مياه عاصف، بيكنس في طريقه كل الرواسب اللي كانت خنقاني. في الشركة، كل الأوراق اتفتحت على مصراعيها؛ لجان الجرد والمراجعة المالية قعدت ليل نهار تفلي كل فاتورة مازن مضى عليها، وكل إيميل طلع من حسابه. التحقيقات ما وقفتش عند حدود الـ 700 ألف جنيه؛ المستشار القانوني وصل لعقود تانية فرعية كان بيسربها لما يسمى بشركات أصدقاء، ومن ضمنها عمولات غير مباشرة كانت بتتحول لحساب والدة نهى. النيابة استدعتهم رسمي، وفي أقل من تمانين ساعة، كان مازن محبوس على ذمة القضية، ونهى ممنوعة من السفر ومحطوطة تحت الإقامة الجبرية على ذمة رد المبالغ اللي دخلت حساباتها من أموال المشروع.
تليفوني مكانش بيبطل رن من أرقام غريبة، ورسايل واتساب من خطوط ما أعرفهاش، كلها من أهل مازن.
«يا مريم يا بنتي حرام عليكي، ابننا مستقبله بيضيع.. ده كان باقي أسبوع ويبقى جوزك!» «اتنازلي عن الشق الجنائي والفلوس هنجمعهالك من قرايبنا ونسددهالك جزمة على رقبتنا.. بلاش فضايح في المحاكم!» «نهى بنت مسكينة واتضحك عليها،
متخربيش بيوت عشان غيرة حريم!»
مسكت التليفون، ومن غير ما أرد بحرف واحد، عملت حظر لكل رقم، لحد ما غيرت الشريحة كلها برقم جديد ميعرفوش غير أستاذ فريد وفريق العمل الأساسي معايا في المشروع. الوجع اللي كان جوايا ما كانش ضعف؛ كان زي النار اللي بتكوّي الجرح عشان يقفل وميصدّيش. سنين عمري اللي ضاعت مع شخص كان بيحسبني ساذجة عشان كنت أصيلة وبتحمل، اتكشفت قدامي في لحظة واحدة.. وبدل ما أقعد أعيط على اللبن المسكوب، قررت إن الطاقة دي كلها تتحول لحاجة تانية خالص: الشغل، والنجاح، وإني أثبت لنفسي وللدنيا كلها إن مريم مش مجرد “عكاز” بيسند حد فاشل، مريم هي العمود اللي كان شايل السقف كله، ويوم ما سابته، السقف وقع على دماغ اللي تحته.
استلمت إدارة «طريق النجوم» بشكل كامل. قعدت مع التيم بتاعي؛ شباب زي الورد كانوا مقتولين ومهمشين تحت إدارة مازن، اللي كان بينسب كل فكرة ليهم لنفسه، وبيرمي كل غلطة على حد فيهم. جمعتهم في أوضة الاجتماعات الكبيرة—نفس الأوضة اللي اتفضح فيها—وبصيت في وشوشهم: —اللي فات مات. المشروع ده باقي عليه
تسعة أسابيع ولازم يتسلم للهيئة في ميعاده وبأعلى مواصفات. مش هطلب منكم مجهود خارق من غير مقابل؛ كل واحد هيشتغل ساعة زيادة هياخد أجرها بنظام الأوفر تايم المعتمد، والأرباح اللي متخصصة للإدارة هتتوزع علينا كلنا بالتساوي على حسب التقييم. مفيش هنا حد بياكل حق حد، ومفيش هنا حد هياخد فضلات حد.
القاعة اتهزت من الحماس. حسيت وقتها إن الروح رجعت للمكان، وإن العتمة اللي كانت مفروضة على المشروع اتبددت.
نقلت كل حاجتي من الشقة القديمة بتاعة مدينة نصر. المحامي بتاعي خلص كل الإجراءات بسرعة الصاروخ؛ الحجز التحفظي على نصيب مازن في الشقة عشان سداد مديونية الشركة سهّل إني أتنازل عن حصتي القانونية مقابل رد كامل المبالغ اللي اتسحبت من حسابنا المشترك مع تعويض مدني مبدئي، وفلوسي رجعت لحسابي الشخصي في البنك قرش ينطح قرش. خدت شنطي، وقفلت باب الشقة دي ورايا للأبد، وسلمت مفتاحها لحارس العقار والمحامي، ومن غير ما التفت ورايا خطوة واحدة.
الاستوديو بتاعي في المعادي كان هو الملاذ. مكاني الصغير اللي كنت شرياه من أول مكافأة أخدتها
في حياتي، وكنت مأجراه لفترة عشان أساعد في مصاريف الجواز. كلمت الباشمهندس عصام، ونزلنا هدينا الحيطان الزيادة. وسعنا الصالة، عملنا واجهة زجاجية كاملة بتبص على أشجار المعادي العتيقة ونيلها الهادي من بعيد. كل ركن صممته على مزاجي: مكتبة خشب زان عريضة شايلة كتبي وملفاتي، ترابيزة رسم هندسي واسعة، وركن قهوة صغير فيه ماكينة إسبريسو محترمة ومجات بيضا نضيفة. مسحت كل أثر لمازن من حياتي؛ الجاكيت الووتربروف اللي خدته من نهى تبرعت بيه لجمعية خيرية مع كراتين هدوم وأشياء كانت تفكرني بيه، عشان يدفي حد يستاهل وما يبقاش في بيتي ريحة نكران جميل واستغفال.
مرت تلت شهور. الشغل كان بياخد مني اتناشر ساعة في اليوم، بس كنت بروح بيتي مرتاحة، بنام على مخدتي بضمير صافي، مفيش كدبة محتاجة أداريها، ومفيش خذلان مستنياه على نار. «طريق النجوم» طلع للنور؛ السيستم اشتغل بكفاءة غير مسبوقة، والبنية التحتية التكنولوجية اللي أشرفت عليها بنفسي خطوة بخطوة مع الشركات المحترمة اللي اتعاقدنا معاهم بدال “إيكو ترافيل” أخدت تقييم ممتاز من هيئة




