منوعات

الجنازة – محمد نور

أنا عارف إني غلطت..

— غلطت؟!

— مش هنمسك لبعض على الكلمات بقى!

— انت عندك خطيبة، وقلت لها إن مراتك ماتت، ورايح تتجوزها، وعايش بقالك 3 شهور بتمثل إنك في قارة تانية!

بصلته بثبات وقلتله:

— نفسي بجد أعرف تعريف “المشكلة الكبيرة” عندك إيه؟!

— مريم بتمر بظروف زفت ومكسورة..

— ده مش إجابة على سؤالي.

— باباها كان تعبان، وكانت معتمدة عليا في كل حاجة.

— وعشان كده خطبتها؟!

كريم حط إيده على وشه يمسحه، وبعدين قال جملة فتحت عيني على الحقيقة كاملة:

— كنت محتاج وقت..

— وقت لإيه؟

ما ردش على طول.. وساعتها فهمت إنه لأول مرة من ساعة ما خرج من دار المناسبات، عمال بيحسب في دماغه إيه الجزء من الحقيقة اللي يقدر يقولهولي من غير ما يضر نفسه.

— الحاج الله يرحمه كان عنده علاقات ومعارف تقيلة أوي هتنفع شغلي وشركتي..

أهو ظهر!

تحت ثوب الخطيب الحنين..

تحت ثوب الابن البار المخلص..

تحت سهرات المستشفى والشقا..

ظهر الراجل اللي أنا عرفاه كويس.. الراجل اللي بيقيس قيمة كل حاجة بمدى الاستفادة منها.

— انت قربت من مريم عشان الشغل والمصالح؟

— بلاش تحطيها بالأسلوب ده!

— أومال أحطها بـ إيه؟

— باباها كان عاوز يطمن عليها، وكان بيعزني، وبدأ يقدمني للناس الكبار والمسؤولين..

— وانت سبته يصدق إنك هتتجوز بنته!

كريم أخد نفس عميق:

— في الأول افتكرت إني هقدر أسيطر على الموقف.

— وبعدين؟

— وبعدين تعب أسرع مما كنا متوقعين كلنا.

فجأة حسيت بغثيان.. مش عشان الخيانة، عشان البرود والندالة!

راجل كان بيموت وهو مطمن إنه سايب بنته في إيد راجل أمانة.. وكريم عاش الدور ده بكل أريحية.

يمكن عشان شغل، ويمكن عشان رغبة.. والأغلب عشان الاتنين مع بعض.

— مريم تعرف إنك متجوز؟

كريم بص في عيني مباشرة وقال:

— لا.

— ممتاز أوي..

قربت منه خطوة وقلتله:

— قدامك لحد ما العزا يخلص، تروح تقولها بنفسك.

ملامحه اتغيرت للرعب:

— انتِ مش ممكن تعملي كده!

— أعمل إيه؟

— مش النهاردة يا نادية!

— أنا مقلتش إني هروح أقولها النهاردة.

— نادية، باباها لسه ميت!

— عشان كده بالظبط أنا مدياك فرصة تتكلم انت بنفسك.

— أنا محتاج كام يوم..

— انت أخدت 3 شهور كاملين!

— هي مش هتحتمل صدمة تانية دلوقتي!

بصلته في صمت.. يا للراحة!

طول الشهور اللي فاتت كان بيستخدم “التعب والشغل” عشان يمنعني أسأل.. والدلوقتي بيستخدم “حزن مريم”!

دايماً عنده سبب يخلي الحقيقة لازم تستنى!

— الليلة دي تلم هدومك وحاجتك من البيت.

— لا.

قالها بسرعة لدرجة إنها ضحكتني.

— أنا مش بطلب منك.. أنا بأمرك.

— البيت بيتي أنا كمان.

— بالقانون؟ اه بيتك..

قربت من باب العربية وقلتله:

— بس افتكر تراجع إيه تاني قانوناً بتاعي، قبل ما تفكر تهددني يا كريم.

شفت نظرة قلق وضياع في عينيه.. وده أداني فكرة.

كريم طول عمره هو اللي ماسك الحسابات والاستثمارات بتاعتنا.

طول السنين اللي فاتت كان بيقنعني إني شاطرة في إدارة الزباين، بس “الأرقام الكبيرة” والتجارة يسيبهالي هو.

مرتبي كان بينزل في حساب مشترك.. والاستثمارات هو اللي بيحركها.

اللوتات، الصناديق، وحتى جزء من ورث بابا الله يرحمه.

فجأة سألت نفسي: يا ترى أد إيه من جوازنا كان ملكي بجد؟

بعد الظهر ده، مثرجعتش على البيت على طول.. طلعت على المكتب.

الشركة كانت شبه فاضية عشان الإجازة.

فتحت الكومبيوتر بتاعي وفتحت ملف الزباين.

اسم “مريم” والشركة بتاعتهم كانت من أكبر الحسابات عندي.

والدها كان مؤسس شركة “بنيت للمستلزمات الطبية”، شركة متوسطة بتورد للمستشفيات الخاصة.

لمدة سنتين كنت مسكانا جزء من عقود التأمين بتاعتهم.. ومن هنا عرفت مريم.

ومن هنا برضه -زي ما فهمت بعدين- كريم عرفها!

في حفلة رأس السنة بتاعة شركتي.. أنا بنفسي اللي عرفتهم على بعض!

فاكرة الليلة دي بالتفصيل:

“يا مريم، ده كريم جوزي.”

ومريم ابتسمت وقالت:

“أهلاً بحضرتك.. أستاذ كريم الراجل المشهور اللي مدام نادية دايماً بتشكر فيه!”

وكريم حط إيده حوالين وسطي وقال:

“أتمنى تكون بتقول نص عيوبي بس!”

والتلاتة ضحكنا.. يا لغرابة الذاكرة لما تحول مشهد بريء للوحة إدانة!

فتحت إيميلاتي في الـ 6 شهور الأخيرة.. سرشت باسم العيلة.. وبعدين باسم “كريم”.

في الأول مفيش حاجة ظهرت.. بعدين افتكرت حاجة.

قبل السفرية الوهمية بـ شهريين، كريم كان مصمم نجدد التوقيع الإلكتروني لبعض أوراق الاستثمار.

سرشت في التحويلات البنكية.. وهناك شفت الفاجعة.

تحويل بـ 180 ألف دولار!

من حساب استثمارنا المشترك.. لشركة غريبة معرفهاش!

اسمها: Northbridge Consulting LLC.

التاريخ: بعد 12 يوم بالظبط من يوم ما كريم “سافر فرانكفورت”!

حاولت أدخل على تفاصيل الحساب.. “كلمة السر خاطئة”.

جربت تاني.. “خاطئة”.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى