
بعد وفاة جوزها، حماتها طردتها هي وعيالها الأربعة من الشقة في عز الليل! بدأت حياتها من الصفر لحد ما لقت دولاب قديم مرمي في الزبالة، ولما فتحته كانت الصدمة!
بداية الحكاية
أربعين ابني لسه مكملتش، وعايزاكي تاخدي عيالك الأربعة وتغوري من شقتي حالاً!
أسماء حست إن الأرض بتتسحب من تحت رجليها… كانت قدامها نيفين هانم، حماة عمرها، ماسكة مفاتيح باب الشقة في إيد، وبالإيد التانية بتشاور على السلالم.
طارق، جوز أسماء، كان توفى من خمس أسابيع في حادثة ميكروباص وهو راجع من ورديته بالليل. ومن ساعتها وأسماء مبقتش تذوق طعم النوم، بتلقم اللقمة بالعافية، وبتحاول تقف على رجليها عشان خاطر كريم ومنة والتوأم هناء وحسن.
مكنتش متخيلة أبداً إن لسه مستنياها صدمة توجع أكتر من فراق جوزها.
هنروح فين في ساعة زي دي بس يا نيفين هانم؟ أسماء قالتها وعينيها مكسورة على عيالها دول لحمك ودمك.. عيال ابنك!
أنا استكفيت وشيلت كتير! ابني تعب من كتر الشقا والهم عشانكم.. إنتي اللي قصرتي في راحته!
كريم، اللي عنده ستة عشر سنة، قبض إيده بغيظ وقال:
يا ستي، أبويا كان بيحبنا وبيشقى علشانا برضاه!
اخرس إنت خالص ومتقاطعش الكبار!
أسماء مسكت دراع ابنها بسرعة وشدته قبل ما الكلام يكبر.
وفي نفس الليلة دي، لمّوا هدومهم وبطايقهم وشهادات الميلاد وشوية صور قديمة في شنط سودا كبيرة بتاعة زبالة.
نيفين مستكترتش عليهم حتى ياخدوا معاهم تسريحة صغيرة كان طارق شاريها بالقسط بعد جوازهم.
أسماء معافرتش ولا نطقت بحرف… كان وجعها أكبر من إنها تضيّعه في زعيق وصويت في مدخل العمارة.
قعدوا شهر كامل مأجرين أوضة وصالة على الطوب الأحمر في أطراف المرج، يناموا كلهم متكدسين على فرشة واحدة في الأرض.
أسماء كانت صرفت مبلغ صغير من بوليصة تأمين كان طارق عاملها من سنين.
مكنتش ثروة ولا حاجة، وحماتها حاولت بكل الطرق تحط إيدها على الفلوس بحجة إنها هتديرها وتصرف عليهم بالمعروف، بس أسماء قفلت على الموضوع ورفضت.
وبكل مليم كان معاها، اشترت شقة صغيرة وقديمة في حواري الخانكة.
حيطة منها كانت مشبعة رطوبة، والمطبخ ضيق يدوب تعدي منه بالعافية، ومفيهاش غير أوضتين بس.
لكن كان فيها حاجة تسوى الدنيا وما فيها عند أسماء.
عقد الشقة كان مكتوب باسمها.
هي، ومفيش مخلوق يقدر يطردها.
يمكن تكون ضيقة ومكركبة، أسماء قالت لعيالها أول ليلة وهما قاعدين حوالين طبلية بلاستيك في الصالة، بس محدش في الدنيا هيعرف يكسر عيننا ولا يطردنا منها تاني أبداً.
ومن ساعتها، الكل حط إيده في إيد التانية…
كريم اتعلم يقف على البوتاجاز ويطبخ شوية رز وشعرية ويسلق بيض وفول من غير ما يبوظ الأكل.
منة شالت هم الغسيل والنشير.
والتوأم كانوا بيكنسوا ويغسلوا المواعين ويلموا الكراكيب على قدهم.
أسماء لقت شغل عاملة في مشتل شجر ونباتات زينة قريب من المنطقة.
اليومية كانت على القد، بس المواعيد ثابتة والمكان مكنش بعيد أوي عليها.
كانت بتحب الزرع.
وهي بتقصقص فروع الجهنمية أو بتنقل شتلات الفل والياسمين، كانت بتحس إن في حاجات في الدنيا قادرة تعيش وتخضّر حتى لو اقتلعوها من جذورها من غير رحمة.
صاحب المشتل لاحظ شطارتها وأمانتها في وقت قليل.
ما شاء الله عليكي يا ست أسماء، شغالة في المشتل كأنه ملكك!
اللي وراه أربع بطون مستنية لقمة العشا يا حاج، مبيعرفش يضيع ثانية واحدة.
واحدة واحدة، وببركة ربنا، الحال بدأ يتعدل والدنيا تهدى.
وفي أيام الجمعة، لما تاخد إجازتها، كانت أسماء ترجع لحاجة بتحبها من زمان: تجديد وتصليح الموبيليا القديمة.
مكنش معاها فلوس تشتري خشب جديد، فكانت تدور على كراسي مكسورة أو أدراج قديمة الناس رامياها جنب المقالب، تاخدهم وتصلحهم وترجع فيهم الروح بلون دهان جديد.
وفي عصر يوم وهي راجعة من المشتل، عينيها لمحت حاجة مرمية جنب صناديق الزبالة الكبيرة.
دولاب قديم وضخم جداً، من طراز زمان… خشبه كان أرو غامق وتقيل، والحلايا بتاعته محفورة يدوي بدقة، وضلفه منقوش عليها أشكال ورسومات كانت ملامحها هربانة من كتر السنين والتراب.
أسماء وقفت قدامه مبهورة.
مين اللي يرمي تحفة زي دي في الزبالة؟!
ندهت على كريم، ونادت على راجل جارهم اسمه عم شحاتة، وبخمسين جنيه رضي يساعدهم يزقوه على عربية كارو ويدخلوه حوش البيت الصغير المسقوف بصاج.
الدولاب كان تقيل كأنه خزنة حديد مش خشب.
وكان مقفول بترباس وقفل محكوم.
أسماء فضلت تدور حواليه، شافت تحت القوايم، بين الشقوق، مسحت بضوافرها كل فتحة… مفيش ولا حس لمفتاح.
مرت أسابيع ورا أسابيع… دوامة الشغل والمدارس والطلبات نستها الدولاب، ومقربتش منه لحد ما دخل برد الشتا.
في يوم جمعة، جابت مفك عادي ومطرقة صغيرة وقعدت قدامه عشان تفك طبلة الكالون.
أما نشوف إيه سرك وإيه اللي مستخبي جواك، همست لنفسها.
عافرت مع الخشب براحة عشان ميتجرحش…
تكة حديد فرقعت، وصوت تزييق خشب قديم ملأ الحوش الصغير.
الباب اتفتح بالراحة وببطء شديد.
أسماء بصت جوة، وإيدها سابت المفك وقع رن على البلاط.
رجعت لورا فجأة لحد ما ضهرها خبط في الحيطة ونَفَسها اتقطع.
جوة الدولاب، كان في كذا مجسم بشري… ثابتين وساكتين، متلبسين هدوم من زمن قديم ومحشورين جنب بعض بالعافية.
واحدة منهم كانت عينيها مفتوحة على وسعها وبتبص في عتمة الدولاب.
وكانت باصة لأسماء بالظبط، كأنها بتستنجد بيها.
أسماء حاولت تصرخ وتستغيث، بس صوتها اتحبس في زورها.
يدوب نطقت بصوت بيترعش:
يا ساتر يا رب… يا لهوي، أنا دخلت بيتي إيه؟!
ومكنتش تعرف لسه إن الخشب القديم ده شايل وراه سر هيقلب حياتها كلها رأساً على عقب.
الجزء الثاني
١. خضة المفاجأة ونور الكشاف
فضلت أسماء متسمرة في مكانها وضهرها لازق في حيطة الحوش، رجلها مش شايلاها، والعرق البارد بينزل من قفاها مع كل نفس مقطوع.
الحوش الصغير المسقوف بألواح الصاج كان كاتم الصوت، بس خبطة المفك والمطرقة على البلاط عملت صدى عالي جوة الشقة.
ماما؟! أنتي كويسة؟
صوت كريم جه من المطبخ، وجري على الحوش وبإيده قماشة كان بيمسح بيها إيده من الفول والزيت.
أول ما لمح أمه ساندة على الحيطة وشفايفها بيضا وعينيها مبحلقة في ضلفة الدولاب المواربة، اترعب ورمى القماشة على الأرض.
مالك يا أمي؟! في إيه حصلك؟ تعبانة؟
أسماء رفعت صباعها اللي كان بيترعش في الهوا، وشاورت على الدولاب.
مقدرتش تطلع غير صوت متقطع:
ج.. جوة.. يا كريم.. يا لهوي يا ابني.. اخرج برة وخد إخواتك!
كريم وشه اتخطف، ورجع خطوة لورا من شدة المفاجأة، بس إحساسه بالمسؤولية تجاه أمه وإخوته خلاه يثبت مكانه.
بص حواليه يدور على أي حاجة، مسك مقشة خشب كانت مركونة جنب قفص البصل، وقرب من الدولاب بحذر.
مين جوة؟! مين هنا؟!
مفيش رد.
غير صمت تقيل وهوا ساقع كأنه خارج من مكان مقفول من سنين.
كريم طلع تليفونه القديم من جيبه، شاشته المكسورة يدوب منورة، وشغّل كشاف الموبايل.
وجه النور الأبيض الضعيف جوة الفتحة اللي انفتحت بين الضفتين.
الظل اتحرك على الخشب.
النور ضړب في وش أول حاجة جوة الدولاب.
كريم جسمه اتنفض ورجع لورا نص خطوة وهو بيقول بصوت مخنوق:
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. بسم الله الرحمن الرحيم!
شوفت يا ابني؟! شوفت المصيبة اللي جريتها برجلي لبيتنا؟!
أسماء عيطت، والدموع نزلت على خدودها وهي بتفتكر عيالها ومستقبلهم.
هنروح في داهية.. الناس هتفهم الموضوع غلط!
كريم ركز في النور أكتر.
مكنش في ريحة عفن ولا ريحة غريبة.
الريحة اللي طالعة كانت غريبة أوي.. ريحة خشب صندل قديم، مع ريحة نفتالين قوية نفاذة، وشوية تراب متخزن من نص قرن.
الولد دقق عينيه أكتر في الوش اللي عينيه مفتوحة ومتبت في كشاف الموبايل.
وفجأة، كريم وطى المقشة اللي في إيده، وقرب خطوة تانية.
أوعى يا كريم! أوعى تلمس حاجة يا ابني!
استني يا أمي.. استني بس وبصي معايا كدة.
كريم مد إيده ومد كشاف التليفون لآخر دراعه جوة الضلفة.
النور وضح التفاصيل اللي العتمة كانت خافياها.
الوش الأبيض الصافي مكنش شكل شخص حقيقي.. كان بورسلين ناعم ومصقول، بلمعة غريبة كأنها شمع.
العينين اللي كانت باصة لأسماء مكنتش عيون بني آدم، دي كرات زجاجية زرقا معمولة بحرفية تخوف، والرموش شعر طبيعي رفيع جداً ملزوق شعرة شعرة.
والشعر اللي نازل على الكتاف كان كستنائي تقيل، متضفر على الطريقة القديمة بتاعة زمان.
دي مش شخصية حقيقية يا أمي.. دي.. دي عروسة!
أسماء بصت له بذهول كأنها مش مستوعبة.
عروسة إيه اللي بحجم البني آدم دي يا كريم؟! أنت بتضحك عليا عشان تهديني؟
والله العظيم عروسة! تعالي شوفي بنفسك.
أسماء مسكت نفسها وقامت على حيلها بالعافية، رجليها كانت بتخبط في بعض، وقربت جنب ابنها وهي ماسكة في كتفه.
كريم مد إيده بجرأة ولمس طرف الإيد المتدلية.
مكنتش إيد لحم ودم، كانت إيد معمولة من عجين الخشب والبورسلين المبطن بقماش محشو قطن وكتان.
واللبس اللي عليها كان فستان مخملي كحلي منفوش، مطرز بسيرما دهبي تقيلة شغل يدوي بتاع هوانم زمان، وتحته جيبونة كذا طبقة تيل ودانتيل أبيض مقلوب لونه للبيج من كتر الركنة.
أسماء مسكت صدرها وخدت نفس طويل كأن روحها كانت هتتوقف من الخضة.
أستغفر الله العظيم وأتوب إليه.. وقعت قلبي في رجليا!
ده أنا شوفت أسوأ احتمال في ثانية واحدة!
٢. سر الضلف المقفولة
لما المفاجأة هديت، الفضول خد مكانها.
كريم ساعد أمه وفتحوا الضلفة التانية على وسعها.
الدولاب مكنش فيه عروسة واحدة؛ كان فيه أربع عرايس كبار، طول الواحدة يجي متر أو أكتر شوية، معمولين بحجم أطفال حقيقيين، وكل واحدة فيهم ليها ملامح ولبس مختلف تماماً عن التانية.
واحدة لابسة فستان سواريه حرير من موضة الأربعينات ومطرز بلولي صغير، وواحدة لابسة لبس بناتي قديم زي اللي كانوا بيلبسوه بنات الذوات في مدارس الراهبات زمان، وواحدة رابعة نايمة في قاع الدولاب، متغطية بقماش قطيفة نبيتي، وشها متغطي بمنديل تل أبيض رقيق.
مين اللي يعمل عرايس بالحجم ده ويحطهم في دولاب مقفول؟ كريم قالها وهو بيهرش في راسه.
شكلهم يقلق يا أمي.. عينيهم دي كأنهم هينطقوا ويقوموا يمشوا.
ده شغل خواجات يا ابني.. مش لعب عيال من اللي بتتباع في العتبة والموسكي بثلاثين جنيه، أسماء قالتها وهي بتمشي صوابعها بحذر على القماش الناعم اللي كأنه لسه جديد.
شوفي التطريز والخياطة.. مفيش فتلة طالعة برة، والبورسلين ده نقي جداً.
أنا ياما شوفت مجلات قديمة عند صاحب المشتل اللي بشتغل عنده، كان بيجيب كتب عن الديكورات الفرنساوي عشان الحدائق، التحف دي ليها ناسها.
في اللحظة دي، الباب بتاع الشقة اتوارب، وطلت منه منة وهي شايلة طبق فيه غسيل ناشف، ووراها هناء وحسن بيجروا ورا بعض.
ماما! إيه الصوت اللي كان برة؟ كريم عمل إيه…
منة سكتت والطبق وقع من إيدها على عتبة الحوش، والهدوم اتنطرت.
التوأم جريوا يستخبوا ورا ضهر أختهم الكبيرة وهما بيشاوروا على الدولاب.
عرايس غريبة يا ماما؟! في عرايس جوة الدولاب؟!
تعالوا هنا بس ومتبقوش خوافين، أسماء ندهت عليهم بنبرة هادية وبتربت على كتافهم.
دي عرايس خشب ولعب قديمة.. محدش يخاف.
الأطفال قربوا بالراحة، الفضول غلب الخوف عندهم، وبدأت هناء تمد إيدها الصغيرة تلمس طرف فستان العروسة اللي لابسة كحلي.
شعرها حقيقي يا ماما.. شكلها زي سندريلا بتاعة الكرتون، بس حزينة أوي.
أسماء اتنهدت، وفي وسط الزحمة دي لاحظت حاجة في أرضية الدولاب.
لما كريم حرك العروسة المغطاة بالقطيفة النبيتي عشان يعدلها، سمعوا صوت خشب بيتحرك تحتها.
استنى يا كريم.. متنزلهاش.
أسماء وطت بجسمها، ولمست القاع الخشبي بتاع الدولاب.
كان فيه لوح خشب أرو سميك، بس لما ضغطت عليه من طرفه الشمال، الطرف اليمين ارتفع سنتيمتر لفوق.
ده سحارة سرية! كريم قالها وعينيه وسعت.
أسماء رفعت اللوح الخشبي بحرص شديد عشان متكسرش المجرى بتاعته.
وتحت اللوح، مكنش فيه دهب ولا مجوهرات زي ما كريم اتخيل في أول لحظة..
كان فيه علبة سجائر نحاس قديمة أوي متأكسدة بلون أخضر، وجنبها كيس قماش كتان مربوط بدوبارة، وجواهم دوسيه كرتون مقوى مربوط بشريطة ستان بهت لونها وبقى رمادي.
قلب أسماء دق تاني، بس المرة دي دقات فضول وخوف من المجهول.
شالت العلبة والدوسيه، وقعدت على كرسي خيزران قديم في الصالة، والعيال كلهم اتلموا حواليها على الطبلية زي الفراشات حوالين اللمبة.
فتحت الدوسيه الكرتون بالراحة، طلعت منه أوراق كتيرة.. شهادات مكتوبة بالفرنساوي ومختومة بأختام شمع أحمر بيضاوي، وعليها تواريخ قديمة جداً، أقدم تاريخ فيهم كان سنة ١٩٣٦.
كانت شهادات أصالة من شركة فرنسية مشهورة في باريس اسمها Jumeau، وشهادات تانية ألمانية عليها رسمة نسر وكلمات مش مفهومة.
لكن في وسط الأوراق دي كلها، كان في جواب مكتوب على ورق أبيض مسطر ومكتوب بحبر سائل أزرق، خط عربي رقعة منمنم ومنسق جداً، كأن اللي كاتبه كان بيكتب رسالة ملكية.
أسماء عدلت نضارة القراءة الضعيفة بتاعتها، وبدأت تقرأ بصوت واطي والكل ساكت بيسمع.
٣. حكاية الست شريفة هانم
إلى من يقع هذا الدولاب بين يديه.. أياً كنت وأياً كان الزمان الذي تقرأ فيه هذه الكلمات.
أعلم أنك قد ترتعب حين ترى هذه الوجوه الصامتة، لكن أرجوك باسم الإنسانية وباسم كل أم فقدت فلذة كبدها، لا تؤذِ هذه الدمى ولا تدع يد الجهل تمزقها أو تلقي بها إلى النيران.
هذه الدمى لم تكن يوماً مجرد خشب وشعر مستعار وبورسلين ناعم.
هذه كانت روح ابنتي الوحيدة نادية، التي اختطفها مرض السل وهي في سن الحادية عشرة، في خريف عام ١٩٥٢، قبل أن ترى حلمها في أن تصبح فنانة تشكيلية يتحقق.
بعد وفاتها، أظلمت الدنيا في عيني، وضاقت بي جدران فيلتي في حي مصر الجديدة.
لم يبقَ لي من ذكراها إلا هذه الدمى النادرة التي كان والدها، المغفور له كمال باشا ذو الفقار، يجلبها لها من رحلاته إلى باريس وفيينا وبرلين.
كانت نادية تمضي الساعات تحيك لهن الفساتين، وتصفف شعورهن، وتتحدث إليهن كأنهن شقيقاتها اللاتي لم تلدهن أمها.
بي المرض وعلمت أن أيامي باتت معدودة، ورأيت أعين الورثة من أقارب زوجي تتربص بكل ركن في البيت، ولا يبحثون إلا عن مقتنيات العائلة وعقود الأراضي والسيارات، وأيقنت أنهم سيهملون غرفة ابنتي ويبيعون ذكرياتها بثمن قليل، لم أجد ملاذاً لستر هذا الإرث إلا أن أودعه في هذا الدولاب.
أمرت النجار الأرمني أرتين أن يصنع له قفلاً مستعصياً، وسحارة مخفية لا يعلم سرها إلا الله، وأوصيت حارس العقار الأمين أن يخرجه من الفيلا فور وفاتي إلى مخزن قديم بعيد عن أعينهم.
إن وصلت إليك هذه الدمى، فاعلم أن قيمتها التاريخية والمادية كفيلة بأن تبدل حال أسرة بأكملها من الفقر إلى الغنى، فالشهادات المرفقة تثبت أنها من أندر مجموعات الخزف الفرنسي من القرن التاسع عشر وبدايات العشرين.
خذها.. بعها لمن يقدرها.. أطعم بها أولادك واستر بها بيتك، لكن تذكر في صلاتك ودعائك روح ابنتي نادية، وترحم على أم لم تجد في خريف عمرها من تودعه سرها غير الخشب والأوراق الصامتة.
شريفة عبد الحميد ذو الفقار
شتاء ١٩٧٨
سكتت أسماء، وكان صوت شخير خفيف طالع من الشارع مع صوت بياع روبابيكيا بعيد بينادي على الحديد القديم.
منة كانت حاطة إيدها على خدها والدموع بتلمع في عينيها.
يا حبيبتي يا نادية.. يعني هي توفت وهي صغيرة كدة زينا؟ والست دي فضلت حابسة العرايس دي كلها السنين دي كلها عشان مفيش حد يرميهم؟
كريم مكانش مركز في الدراما والدموع قد ما ركز في جملة واحدة في الجواب.
أمي.. قريتي الجملة دي؟! كفيلة بأن تبدل حال أسرة بأكملها من الفقر إلى الغنى! أنتي فاهمة ده معناه إيه؟!
أسماء بصت للجواب وللأوراق بحيرة وخوف.
معناه إيه يا كريم؟
معناه إن الدولاب ده مكنش مرمي في الزبالة صدفة! أكيد المخزن اللي الست شريفة كانت شايلاه فيه اتهد، أو الورثة الجداد باعوا العمارة القديمة، والعمال رموا الكراكيب في المقلب بتاع الزبالة وهما مش عارفين إن جواه كنز!
يا أمي العرايس دي تمنها يجيب ألوفات.. يمكن عشرات الألوفات!
وطي صوتك يا ولد! أسماء نترته بحدة وهي بتبص على شباك الصالة اللي بيبص على المنور.
الحيطان ليها ودان، وإحنا يدوب لسه داخلين المنطقة على قشر بيض.
لو حد سمعك ولا شم خبر إن دخل بيتنا حاجة ليها قيمة، مش هنخلص من كلام الناس ولا من طمع اللي يسوى واللي ميسواش!
حسن الصغير شد طرف جلابية أمه وقال ببراءة:
يعني يا ماما هنشتري شيبسي ولحمة كل يوم ومش هتاكلي عيش حاف؟
كلام الواد نزل على قلب أسماء زي المية الساقعة.
فكرت في كل جنيه كانت بتشيله من يوميتها في المشتل، في الشتا اللي داخل والعيال معندهمش غير كوتشيات مقطعة وبناطيل دايبة ومرقوعة، في حيطة الصالة اللي بتنقط مية من الرطوبة ومحتاجة تتقشر وتتعالج بمحارة وأسمنت، في فواتير الكهربا والمية اللي طالعة ونازلة، وفي كرامتها اللي دست عليها حماتها لما طردتها في نص الليل ورمت شنطهم في الشارع.
بس الخوف كان أكبر.
محدش يفتح بقه بكلمة برة البيت، أسماء بصت للعيال الأربعة بعينين حازمة.
اللي هيجيب سيرة الدولاب ولا العرايس دي قدام جار، ولا في مدرسة، ولا حتى قدام ابن عمه.. هعتبره مش ابني! فاهمين؟
العيال هزوا روسهم برهبة، حتى كريم بلع ريقه وسكت.
٤. صدمة من الماضي
يوم الأحد الصبح، نزلت أسماء على شغلها في المشتل زي العادة، بس عقلها مكانش معاها.
كانت ماسكة المقص بتقلم شجر الفيكس وبتسقي أحواض الصبار، بس عينيها بتسرح كل دقيقة.
صاحب المشتل، الحاج عبد الرازق، راجل ستيني طيب وله هيبة، كان تاجر نباتات قديم وشاطر، وعنده زباين من أتقل هوانم وباشوات القاهرة اللي بيحبوا يفرشوا جناين الفلل بتاعتهم في التجمع وأكتوبر والشيخ زايد بنباتات ظل نادرة.
وهو بيمر عليها، لاحظ إنها بتقص فرع سليم من شجرة دراسينا.
جرى إيه يا ست أسماء؟ الشجرة عملت فيكي إيه عشان تقصي قلبها كدة؟
أسماء انتبهت بسرعة ورجعت المقص لورا باعتذار.
حقك عليا يا حاج عبد الرازق.. السهو خدني بس وغصب عني.
اللي واخد عقلك يتهنى به.. بس إنتي مش عوايدك تسرحي.


