
العيال فيهم حاجة تعبانة؟ محتاجة سلفة من المرتب وأنا تحت أمرك؟
ربنا يبارك في عمرك يا حاج ويصلح حالك، لا والله العيال بخير ونعمة الحمد لله.. بس هي الدنيا وضغوطها.
كانت على تكة وهتسأله.. كان لسانها هياكلها عشان تقوله يا حاج، متعرفش حد بيفهم في التحف والأنتيكات بتاعة زمان؟
بس مسكت نفسها في آخر لحظة.
الحاج عبد الرازق راجل طيب، بس برضه كلمة تجر كلمة، وسرها لو خرج برة باب بيتها مش هتعرف ترجعه تاني.
رجعت العصر على الخانكة، شايلة في إيدها كيس فيه شوية بطاطس وخضار، ونفسها رايقة شوية إنها هتدخل تطبخ لعيالها وتشوف هيتصرفوا إزاي في الدولاب.
أول ما دخلت الشارع الصغير بتاعهم، حست بحاجة مش طبيعية.
كان فيه عربية تاكسي بيضا واقفة قدام مدخل البيت القديم، وشوية نسوان من الجيران واقفين في البلكونات بيبصوا وبيتساسروا، وعيال الحارة ملمومين بيتفرجوا.
قلب أسماء اتقبض.
سرّعت خطواتها، وأول ما عدت البوابة بتاعة البيت ولقت باب شقتها مفتوح على مصراعيه، سمعت الصوت اللي مكنتش تتمنى تسمعه في أحلامها:
أنا بقولك أهو يا نرجسية، الشقة دي اتدفعت من تعب ابني ومن مجهوده، وإنتي هنا قاعدة تتهني وتنعنشي وتشتري وتبيعي من ورانا؟!
نيفين.
حماتها كانت واقفة في نص الصالة، لابسة عبايتها السودا ونضارتها الشمسية شايلاها على راسها، وجنبها واقف مدحت، ابن أختها، شاب عاطل وشغال بعربية كبوت في الموقف، عينه بتلف في الصالة كأنه بيثمن العفش.
وكريم كان واقف قدامهم، فارغ دراعاته وحابس إخواته ورا ضهره، وعروق رقبته باينة من الغضب.
اخرجي برة يا ستي ومتقلّيش أدبك على أمي في بيتنا!
بيتك مين يا ابن طارق؟! الشقة دي لولا قرشين التأمين بتوع أبوك المرحوم مكانتش أمك عرفت توفر تمنها! جايبانا في المكان ده ومستخبية وفاكرة إن محدش هيعرف يوصلك؟
أسماء رمت كيس الخضار على الأرض ودخلت بثبات.
وقفت قدام نيفين، وكان في عينيها قوة نيفين نفسها اتفاجأت بيها.
خير يا نيفين هانم؟ إيه اللي جابك لحد هنا، وإزاي تدخلي بيتي وأنا مش فيه؟!
نيفين رجعت نص خطوة لورا، بس استعادت جبروتها بسرعة.
جيت أخد حق ابني اللي سرقتيه! طارق طول عمره كان مديون لي بمية ألف جنيه كنت مدياهم له سلف لما جه يجدد عربيته، واتوفى ومسددهمش! وإنتي بفلوس التأمين نزلتي استوليتي عليها واشتريتي شقة وسيبتيني أنا أتحمل كل حاجة!
مدحت قرب خطوة وقال بصوت رخيم:
يا مرت خالي.. الست خالتو مغلطتش، والفلوس دي حق في رقبة طارق، وإحنا مش خارجين من هنا إلا لما نتفق، يا تدفعوا المبلغ يا تبيعوا الشقة دي وناخد نصيبنا بالمعروف بدل ما ندخل في محاكم وإجراءات طويلة!
أسماء ضحكت بسخرية، ضحكة وجع ممزوجة بقهر.
حق مين يا نيفين؟ طارق كان بيديكي نص مرتبه وإنتي عارفة، ولما جيت أستأذنك نقعد في شقتك شهر واحد بس لحد ما أدبر حالي، رمتينا بالشنط الزبالة في نص الليل وطردتي عيال ابنك كأنهم شحاتين!
جاية دلوقتي تدوري على ورث ملوش وجود؟!
هتدفعي يا أسماء.. هتدفعي غصب عنك! نيفين زعقت، ومش هسيبك تتهني بأي حاجة طارق سابهالك، ده أنا هخلي الموضوع ده يوصل للمحكمة!
وهي بتزعق وبتلوح بإيدها، عينيها لفت ناحية الحوش الصغير المفتوح على الصالة.
شافت الدولاب القديم الضخم، وشافت ضلفته المواربة اللي خارج منها طرف قماش حرير كحلي.
مدحت عينيه لقطت المنظر هو كمان.
إيه ده يا مرت خالي؟ ده إنتوا بتفرشوا أنتيكات أهو ومعاكم فلوس تجيبوا دواليب من بتوع الباشوات في الحوش، وبتقولوا مش لاقيين ناكل؟
مدحت مد رجله وخطى ناحية الحوش عشان يدخل يتفرج.
كريم مفكرش مرتين. وقف قدامه ومنعه من الدخول بكل حزم.
متدخلش الحوش ده يا مدحت.
مدحت اتفاجئ وبص لخالته وهو مرتبك.
شوفي الواد بيمنعني أدخل بيت خالته إزاي!
أسماء دخلت في النص، ووقفت بوشها لنيفين ومدحت.
اخرجوا برة.. اخرجوا من غير كلام عشان الحارة كلها سامعة.
ولو عندكم حق، المحكمة موجودة.
نيفين شافت نظرة الجيران اللي بدأوا يتجمعوا على باب المدخل فعلاً، وقالت بقرف:
هنشوف يا أسماء.. المحاكم ما بيننا، ومدحت بكره هيجيبلك محامي من الزقازيق يطالب بحقه في الشقة دي!
خرجت نيفين وهي بتجرجر مدحت وراها، وفضل التوتر مسيطر على البيت.
٥. قرار تحت ضغط الظروف
أول ما الباب اتقفل وراهم بالمفتاح والترباس، أسماء حيلها اتهد وقعدت على الأرض قدام الباب، ودموعها نزلت من غير صوت.
كريم قرب منها وحضنها.
متبكيش يا أمي.. والله محدش هيقدر يخرجنا من هنا طول ما إحنا واقفين مع بعض!
منة كانت بتعيط ومتبتة في هدوم حسن وهناء اللي كانوا مرعوبين.
أسماء مسحت دموعها بإيد خشنة متشققة من تراب المشتل وشوك الورد، وقامت وقفت.
الضعف خلاص مبقاش له مكان.
نيفين مش هتسكت، وابن أختها ده عينه مش هتسيب البيت بعد ما لمح طرف الدولاب والحرير اللي جواه.
بصت لكريم وقالت بصوت قاطع وثابت:
كريم.. الدولاب ده لازم يتصرف فيه قبل الجمعة الجاية.
هنعمل إيه يا أمي؟
الورق اللي في السحارة بيقول إن العرايس دي تمنها يسد عين الشمس لو وصلت للإيد الصح.. بس إحنا مش هننزل بيهم الشارع كدة عيني عينك زي بتوع الروبابيكيا.
بكره أنا هاخد إجازة نص يوم من المشتل، وأنت هتيجي معايا.
على فين؟
وسط البلد.. عند الناس اللي بتفهم في الحاجات دي.
هناخد شهادات الأصالة اللي مكتوبة بالفرنساوي، وهاخد صور للعرايس بالموبايل بتاعك، وهاخد أصغر حتة فيهم.. الإيد البورسلين الصغيرة اللي مفكوكة بتاعة العروسة الرابعة اللي متغطية بالقطيفة.
٦. شوارع وسط البلد والخواجة ألبير
تاني يوم الصبح بدري، والشمس يدوب بتبعت خيوطها الدافية فوق كباري القاهرة، ركبت أسماء ومعاها كريم مترو الأنفاق من المرج ونزلوا في محطة السادات.
القاهرة في وسط البلد كانت عالم تاني خالص غير الخانكة والمرج.
عمارات عالية بطراز إيطالي وفرنسي من أيام الخديوي إسماعيل، بلكونات حديد فورفورجيه مشغولة بفن قديم، وواجهات محلات أكل عليها الدهر وشرب بس لسه محتفظة بهيبتها.
أسماء كانت رابطة كيس القماش الصغير في حزام وسطها تحت الجلابية، وجواه شهادات الأصالة وحتة البورسلين الملفوفة في قطن، وكريم كان ماسك تليفونه ومطمن إن الصور واضحة.
فضلوا يلفوا في الشوارع الضيقة المتفرعة من شارع طلعت حرب وقصر النيل، يدوروا على يافطة قديمة لمحلات التحف والأنتيكات.
كان معظم المحلات الكبيرة اللي في الواجهة عارضة نجف كريستال وساعات حائط وشغل مدهب رخيص معمول في الورش الجديدة، وأسماء بفطرتها كانت عارفة إن دي مش الأماكن اللي تدور فيها.
لحد ما دخلوا ممر ضيق متفرع من شارع هدى شعراوي.
في آخر الممر، تحت عمارة ضخمة سقفها عالي، كان فيه محل واجهته خشب أرو بني قديم، الفترينا بتاعته عليها تراب ناعم، ومعروض فيها تماثيل نحاس صغيرة، وجرامافون قديم، وكتب بجلود طبيعية.
ويافطة نحاسية ممسوحة يدوب باين منها:
ألبير كوستندي لترميم وتقدير التحف والنوادر تأسس عام ١٩٤٨
أسماء وقفت قدام الباب، قلبها كان بيدق بسرعة، بصت لكريم.
اقرأ آية الكرسي في سرك يا ابني.. وتوكلنا على الله.
زقوا الباب الخشب، فرنت جرس نحاس صغير متعلق فوق الباب بصوت هادي ورنان.
جوة المحل، كانت الريحة نفس ريحة الدولاب بالضبط!
خشب قديم، وزيوت تلميع، وورق مصفر، وهوا تقيل محمل بالتاريخ.
من ورا مكتب خشب ضخم متغطي بجلد أخضر، رفع راجل عجوز راسه.
كان راجل في أواخر السبعينات، شعره أبيض زي القطن، لابس بدلة صوف كلاسيكية بفيست كحلي، ولابس نضارة مكبرة بعدسة واحدة على عينه اليمين، وماسك في إيده ملقاط دقيق بيصلح بيه عقرب ساعة جيب ذهبية.
بص لأسماء ولابنها كريم، شاف عبايتها البسيطة وطرحتها القطن ولبس كريم المتواضع.
مكانش في عينيه أي تكبر ولا استعلاء، بالعكس، بص لهم باهتمام هادي وقال بنبرة صوت رخيمة ومثقفة:
أهلاً وسهلاً يا مدام.. شرفتينا. أقدر أساعدكم بإيه؟
أسماء بلعت ريقها، وقربت خطوة من المكتب.
صباح الخير يا خواجة.. أنا جاية في استشارة، ولو مفيهاش إساءة أدب، محتاجة أمانتك في كلمة حق.
الخواجة ألبير نزل النضارة المكبرة على المكتب، وسند ضهره لورا وهو مبتسم ابتسامة خفيفة.
الأمانة مبتتباعش ولا بتتشري يا بنتي، وإحنا في المكان ده بقالنا تلات أجيال مبنقولش غير الكلمة الحق. اتفضلي استريحي.
أسماء قعدت على طرف الكرسي الجلد، وكريم فضل واقف ورا ضهرها كأنه بيساندها.
مدت إيدها تحت الجلابية، طلعت الدوسيه الكرتون والكيس القماش، وحطتهم على المكتب بالراحة.
أنا عندي حاجة قديمة.. وعايزة أعرف أصلها وفصلها، وهل الورق ده له قيمة ولا مجرد ورق بايت ملوش لزمة.
الخواجة ألبير فتح الدوسيه بهدوء، بس أول ما عينه لمحت الورقة الأولى، والأختام الشمعية الحمرا بتاعة باريس سنة ١٩٣٦، حواجبه اترفعت ببطء شديد.
سحب عدسة مكبرة تانية بإيد سريعة غير متوقعة لراجل في سنه، وقرب الورق من عينيه.
فضل يقرا، وشفاه كانت بتتحرك بكلمات فرنساوي مش مفهومة، وعينيه كانت بتوسع مع كل سطر.
مستحيل… أختام دار Jumeau الأصلية؟! ومختومة من مصلحة الجمارك الملكية المصرية في ميناء الإسكندرية سنة ١٩٣٨؟!
بص لأسماء فجأة، والنظرة الهادية اللي كانت في عينيه اتبدلت بدهشة كاملة.
الورق ده أنتي جبتيه منين يا ستي؟ ده ورق رسمي لقطع متحفية نادرة جداً!
كريم طلع التليفون بسرعة ومد إيده.
ودي صور العرايس يا خواجة.. شوفهم بنفسك.
الخواجة ألبير مسك التليفون، وبدأ يقلب الصور بصوابعه وهو بيكبر على الوشوش، على العيون الزجاجية، على مفاصل الخشب والكتان، وعلى الفساتين والتطريز.
وفجأة، إيده بدأت تترعش وهو بيكبر صورة العروسة اللي لابسة فستان مخملي كحلي.
دي.. دي مجموعة نادية ذو الفقار؟! أنتوا لقيتوا الدولاب بتاع شريفة هانم؟!
٧. الصدمة التي هزت المحل
أسماء وكريم اتسمروا مكانهم!
أنت.. أنت تعرف الست شريفة ونادية؟! أسماء قالتها وهي مش مصدقة ودنها.
الخواجة ألبير شال نضارته تماماً، وفرك وشه بكفيه، وتنهد تنهيدة كأنها شايلة ذكريات أربعين سنة فاتوا.
أعرفهم؟
شريفة هانم كانت زبونة المحل هنا عند والدي الله يرحمه في الستينات!
والدي هو اللي كان بيعمل صيانة للعرايس دي لما شعرهم يتبهدل أو مفصل ينكسر!
وفيلتها في مصر الجديدة اتقفلت بعد وفاتها في أواخر السبعينات، ومن سنين طويلة وورثة العيلة بيتناقشوا في المحاكم على الفيلا والأرض.
وكل بتوع الأنتيكات في مصر القديمة والزمالك كانوا عارفين إن شريفة هانم كانت محتفظة بمجموعة عرايس من الخزف والبورسلين نادرة الوجود، تمنها لوحدها يقدر بملايين دلوقتي في مزادات لندن وباريس، بس اختفت ومحدش لقاها في الفيلا يوم ما اتفتحت!
م.. ملايين؟!
كريم صوته طلع مخنوق، وحس بدوخة خفيفة خلته يسند على طرف المكتب.
الخواجة ألبير بص لهم بتركيز شديد، وقال بنبرة صوت خفيضة ومليانة تحذير:
اسمعيني كويس يا ست أسماء.. أنا مش هسألك الدولاب ده وصل لبيتك إزاي، ولا هسألك مين اللي رماه أو سابه.. بس لازم تفهمي الموقف اللي أنتي واقفة على حافته.
أسماء بلعت ريقها بصعوبة.
موقف إيه يا خواجة؟ إحنا ناس غلابة وملناش في المشاكل.. والله ده كان مرمي في مقلب زبالة جنب المشتل ومحدش كان يعرف فيه إيه!


