منوعات

فخ المطار

كنت مسافرة مع جوزي أحمد نقضي أسبوع إجازة بره مصر.

وإحنا واقفين قدام كاونتر الوزن في المطار، الموظفة قالتله إن شنطته زايدة حوالي خمسة كيلو، ولازم يا إما يدفع وزن إضافي، يا إما يطلع منها شوية حاجات.

أحمد ضحك وبصلي وقال:

“بسيطة… شنطتك أصلًا خفيفة.”

فتح شنطته وطلع منها كيس قماش صغير، جواه أربع عبوات مقفولة ومغلفة بعناية، شكلها زي عبوات شاي وأعشاب.

ومدهم ناحيتي.

“حطي دول عندك بس لحد ما نعدي التفتيش، وبعدها هاخدهم منك.”

مديت إيدي آخدهم من غير ما أفكر.

ده جوزي.

الراجل اللي عايشة معاه بقالى ست سنين.

إيه اللي ممكن يخليني أشك فيه؟

ماكنتش أعرف إن أحمد بقاله شهور بيجهز لليوم ده.

ولا إن الرحلة اللي كنت فاكرة إنه حاجزها عشان نصفي خلافاتنا ونبدأ من جديد…

كانت معمولة من البداية عشان أخرج من المطار متهمة في قضية ممكن تغير حياتي كلها.

والأهم…

ماكنتش أعرف إن فيه ست تانية مستنياني أختفي من حياته عشان تدخل بيتي مكاني.

حطيت أول عبوتين في شنطتي.

لكن قبل ما أحط التالتة، الموظفة اللي على الكاونتر بصت لأحمد وسألته:

“حضرتك قلت إن الشنطة زيادة خمسة كيلو تقريبًا، صح؟”

قال:

“أيوه.”

قالت:

“ممكن تدفع فرق الوزن هنا عادي.”

أحمد ابتسم:

“لا خلاص، هنوزع الحاجات بيننا.”

الموظفة بصت للعبوات اللي في إيدي، وبعدها بصتلي وقالت جملة عادية جدًا:

“بس حضرتك اتأكدي إنك عارفة كل حاجة موجودة في شنطتك، لأن كل مسافر مسؤول عن محتويات شنطته بنفسه.”

ابتسمت وقلت:

“طبعًا.”

لكن لسبب مش عارفاه…

الجملة وقفتني.

بصيت للعبوات في إيدي.

وسألت أحمد:

“هو ده إيه أصلًا؟”

قال بمنتهى العادية:

“شاي.”

“شاي إيه؟”

سكت ثانية.

وبعدين قال:

“أعشاب يعني… واحد صاحبي طلب مني أوصلهاله.”

رفعت عيني وبصيتله.

“صاحبك مين؟”

ابتسامته اختفت للحظة.

“واحد هنعرفه لما نوصل، إنتِ مالك مكبرة الموضوع ليه؟”

ماكنتش مكبرة الموضوع.

أنا أصلًا كنت على وشك أقفل الشنطة.

لكن وأنا بحط آخر عبوة…

لاحظت حاجة أغرب.

أحمد كان شايل اللابتوب بتاعه بإيده.

والشنطة الصغيرة اللي على ضهره كان فيها مساحة تكفي العبوات الأربعة وزيادة.

فقلتله:

“طب ما تحطهم عندك؟”

رد بسرعة:

“لأ، خليهم عندك أحسن.”

“ليه؟”

“عشان شنطتي تقيلة.”

ضحكت:

“يا أحمد ما إحنا خلاص طلعناهم من الشنطة الكبيرة. شنطة الضهر مش بتتوزن.”

لأول مرة…

مالقاش رد جاهز.

بصلي ثانيتين، وبعدها قال:

“يا سارة، إحنا هنقف نناقش في أربع علب شاي؟ حطيهم وخلاص عشان مانتأخرش.”

وقتها ابتسمت وقفلت شنطتي.

لكن جوايا حاجة صغيرة بدأت تقلقني.

مش بسبب العبوات.

بسبب إصراره.

مشينا ناحية التفتيش.

وقبل ما نوصل بكام متر، أحمد وقف فجأة وقال:

“استني… أنا هدخل الحمام بسرعة. إنتِ ادخلي التفتيش وأنا هحصلك.”

بصيتله باستغراب.

“أستناك عادي.”

“لأ، لأ… ادخلي إنتِ عشان مانتأخرش.”

وهنا قلبي دق أسرع.

من خمس دقايق كان خايف نفوّت الطيارة لدرجة إنه مستعجلني في كل خطوة.

وفجأة، قبل جهاز التفتيش تحديدًا…

عايزني أدخل لوحدي.

قلت:

“طب خد الشاي بتاعك معاك لحد ما تخرج.”

وش أحمد اتغير.

تغيير بسيط جدًا…

لكن أنا شوفته.

قال:

“سارة، ما هو خلاص اتحط عندك. هطلعه تاني ليه؟”

مديت إيدي ناحية سوستة الشنطة.

“عادي، ثواني.”

مسك إيدي.

مش بعنف.

لكن بقوة كفاية تخليني أبصله.

وقال:

“سيبيه.”

سكتنا إحنا الاتنين.

وبعدين هو ساب إيدي بسرعة وابتسم:

“قصدي ماتعطليش نفسك. ادخلي وأنا جاي وراكي.”

ماكنتش فاهمة ليه…

لكن في اللحظة دي افتكرت حاجة حصلت قبل ما ننزل من البيت بساعتين.

موبايل أحمد كان على الشاحن.

وجاله اتصال.

أنا ماكنتش بتجسس عليه، لكن الشاشة نورت قدامي وأنا بعدي.

الرقم ماكانش متسجل باسم.

لكن صورة الواتساب كانت لست.

وتحت الرقم ظهرت رسالة صغيرة:

“طمني أول ما تخلص.”

وقتها افتكرتها رسالة شغل.

لكن دلوقتي…

وأنا واقفة على بعد خطوات من جهاز التفتيش، وأربع عبوات مجهولة في شنطتي، وجوزي رافض يدخل معايا…

الجملة رجعت ترن في دماغي.

“طمني أول ما تخلص.”

بصيت لأحمد.

كان واقف بعيد خطوتين.

ومستني.

مش مستني ندخل سوا.

مستني أنا أدخل الأول.

فتحت سوستة شنطتي فجأة.

أحمد اتحرك ناحيتي فورًا.

“بتعملي إيه؟”

طلعت واحدة من العبوات.

وقلت:

“ولا حاجة… هسأل الأمن إذا كانت العبوات دي مسموح تدخل ولا لأ.”

وشه ابيض.

وفي أقل من ثانية مد إيده وأخذ العبوة مني.

وقال بعصبية:

“إنتِ اتجننتي؟!”

اتجمدت.

لأن أحمد عمره ما اتكلم معايا بالشكل ده قدام الناس.

بصيتله وقلت:

“إيه المشكلة؟ ما هي شاي.”

سكت.

قلت:

“لو شاي، إيه اللي مخوفك إن الأمن يشوفه؟”

عينيه اتحركت ناحية أفراد الأمن القريبين مننا.

وبعدين رجعتلي.

وفجأة صوته هدي جدًا.

“سارة… إنتِ مراتي. معقول شاكّة فيا؟”

الجملة دي بدل ما تطمني…

خوفتني أكتر.

لأن لأول مرة أخدت بالي من حاجة.

هو ما قالش:

“دي فعلًا شاي.”

قال:

“إنتِ مراتي.”

رجعت خطوة لورا.

وقلت:

“تمام. بما إني مراتك… شيلهم إنت.”

ومديتله شنطتي عشان يطلع باقي العبوات.

لكنه ما مدش إيده.

فضل واقف.

بيبصلي.

وفي اللحظة دي بالذات، موبايله رن.

نفس الرقم اللي شوفته الصبح.

أحمد رفض المكالمة بسرعة.

لكن قبل ما الشاشة تطفي…

لمحت أول سطر من الرسالة الجديدة:

“دخلت؟”

حسيت إن الدم نشف في عروقي.

رفعت عيني لأحمد.

وقلت بهدوء:

“مين دي؟”

رد بسرعة:

“واحدة من الشغل.”

“واحدة من الشغل مستنية تعرف أنا دخلت التفتيش ولا لأ؟”

ملامحه اتجمدت.

وفي اللحظة دي أنا ماكنتش لسه أعرف إن الست اللي بتراسله مش زميلته.

ولا مجرد معرفة.

دي كانت زوجته الثانية.

ومتجوزها من سنة ونص في السر.

والرحلة دي كلها…

من أول التذاكر، لحد الوزن الزيادة، لحد العبوات اللي حطها بإيده في شنطتي…

ماكنتش صدفة.

أحمد كان عامل حسابه إني أعدي من التفتيش لوحدي.

والأمن يلاقي الحاجة في شنطتي.

والكاميرات تثبت إني أنا اللي شايلة العبوات.

وهو؟

كان هيقف بره الصورة تمامًا.

لكن الغلطة الوحيدة اللي ماحسبش حسابها…

إن موظفة عادية على كاونتر المطار تقوللي جملة واحدة:

“كل مسافر مسؤول عن محتويات شنطته.”

جملة خلتني ما أدخلش التفتيش.

وخلت الخطة اللي أحمد حضّرها شهور…

تبدأ تنكشف قدامه.

الجزء الثاني

وقفت قدام أحمد وأنا ماسكة شنطتي بإيد، والموبايل بالإيد التانية.

وقلت:

“مين اللي باعتلك دخلت؟”

ضحك ضحكة قصيرة ومتوترة.

“يا سارة، بلاش أفلام. دي موظفة في الشركة بتسألني دخلت الطيارة ولا لأ عشان عندنا شغل متعلق بالسفر.”

قلت:

“هي عارفة رقم الرحلة كمان؟”

سكت.

مد إيده ياخد مني الشنطة.

“يلا بقى عشان هنتأخر.”

رجعتها لورا.

“لأ.”

وشه اتغير.

“يعني إيه لأ؟”

“يعني أنا مش هتحرك من هنا قبل ما أعرف إيه اللي في العبوات دي.”

قال بعصبية:

“أنا قلتلك شاي.”

قلت:

“خلاص. تعالى نفتحه قدام الأمن.”

أحمد بص حواليه بسرعة.

وبعدين قرب مني وقال بصوت منخفض:

“إنتِ مصممة تعملي مشكلة في المطار؟”

بصيتله باستغراب.

“نعمل مشكلة من إيه لو دي فعلًا شاي؟”

ما ردش.

وفي اللحظة دي، موظفة الأمن اللي كانت واقفة قريب لاحظت إن صوتنا بدأ يعلى، فقربت وسألت:

“فيه مشكلة؟”

أحمد رد قبل مني:

“لا، سوء تفاهم بيني وبين مراتي.”

لكن أنا قلت فورًا:

“فيه حاجات جوزي حطها في شنطتي وبيقول إنها شاي، وأنا مش عارفة مصدرها وعايزة أتأكد منها قبل التفتيش.”

أحمد لفلي بحدة.

“سارة!”

الموظفة بصت للكيس اللي في إيده وقالت:

“الحاجة دي بتاعة مين؟”

رد:

“بتاعتي.”

قلت:

“من دقيقتين كان مصر إني أشيلها أنا وأعدي بيها.”

الموظفة بقت أكثر جدية.

وقالت:

“حضرتك ممكن تستنى هنا دقيقة؟”

أحمد اتوتر فورًا.

“لا لا، مش محتاجين. إحنا خلاص مش هناخدها معانا.”

أنا بصيتله.

“مش من شوية كنت بتقول غالية ومينفعش تترمي؟”

قال:

“غيرت رأيي.”

هنا أنا اتأكدت إن فيه مشكلة كبيرة.

لأن أحمد طول عمره لما بيبقى واثق من موقفه، بيجادل للآخر.

إنما دلوقتي كل دقيقة بيغير كلامه.

الموظفة طلبت مننا نتحرك ناحية مكتب جانبي.

وأحمد لأول مرة قال بصوت واطي:

“سارة، ممكن نتكلم لوحدنا؟”

قلت:

“لأ.”

“اسمعيني بس.”

“قدامهم.”

اتنفس بعنف.

وقرب مني أكتر.

“الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.”

قلت:

“وأنا لسه ما قلتش إني فاهمة حاجة.”

سكت.

وساعتها عرفت إني لمست نقطة حساسة.

دخلنا المكتب.

أحد أفراد الأمن طلب من أحمد يحط العبوات على الترابيزة.

أحمد حطهم.

إيده كانت بترتعش.

مش رعشة واضحة.

لكن أنا أعرف إيده.

عشت معاه ست سنين.

وشوفته وهو متوتر في شغله، وهو غضبان، وهو تعبان.

الرعشة دي كانت خوف.

الموظف سأله:

“مصدر العبوات؟”

“هدية.”

“من مين؟”

“واحد صاحبي.”

“اسمه؟”

أحمد سكت.

نفس السؤال اللي أنا سألته قبل كده.

ونفس الصمت.

الموظف كرره.

أحمد قال:

“محمود.”

“محمود إيه؟”

“محمود… عادل.”

رفعت عيني له فورًا.

أنا أعرف معظم صحاب أحمد.

وعمري ما سمعت عن محمود عادل.

الموظف سأله:

“رقم تليفونه؟”

“مش معايا.”

“عنوانه؟”

“هو مسافر بره.”

كل إجابة كانت أسوأ من اللي قبلها.

وفجأة موبايل أحمد رن تاني.

بص للشاشة.

وقفل المكالمة بسرعة.

لكن موظف الأمن قال:

“افتح المكالمة.”

أحمد اتصدم.

“نعم؟”

“بما إن الشخص بيتصل بشكل متكرر وإحنا بنسألك عن مصدر الحاجة، افتح المكالمة على السماعة.”

قال:

“دي مراتي…”

وبصلي.

اتجمدت.

قلت:

“مراتك مين؟”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى