
هو قالك كده بالظبط؟
— أيوه، كريم يبان هادي وتقيل، بس في الحقيقة بيقدر العيلة أكتر من أي حد.
ماقدرتش أمنع نفسي إنه تطلع مني ضحكة مكسورة.
لأن بابا لما كان بيموت، أنا كلمت كريم.
خمس مرات.
وفي المرة الأخيرة رد عليا.
قلتله:
“الدكاترة بيقولوا بابا ممكن ما يكملش للصبح… تقدر ترجع؟”
سكت شوية وبعدين قال:
“نادية، أنا مش هسيب مشروع بملايين عشان حاجة إحنا مش عارفين هتطلع إمتى ولا هيحصل إيه.”
بابا مات في نفس الليلة الفجر.
وكريم جه البيت بعد 11 يوم.
حضنني وقال إنه آسف… وأنا اللي انتهى بيا المطاف بعزيه وأخفف عنه!
في اللحظة دي تليفوني اهتز جوه الشنطة.
رسالة.
من كريم.
“انزليلي عند العربية تحت، لازم نتكلم.”
رفعت عيني.
ومن خلال الأبواب الزجاج شفته واقف مستنيني جنب عربيتي.
ملامحه مكنتش ملامح “النسيب الحنين” اللي الكل كان لسه بيمدح فيه من شوية.
كانت ملامح راجل اكتشف فجأة إن مراته هي كمان بتعرف تكدب.
شلت التليفون في الشنطة.
وقبل ما أخرج، مريم قربت مني وقالت جملة خلت رجلي تتسمر في أرضها:
— على فكرة يا مدام نادية… كريم كان حكالي إن مراته ماتت السنة اللي فاتت.
بصلتها بالراحة.
ومريم كملت كلامها:
— قال إنها توفت بعد وفاه باباها على طول.
ساعتها بس فهمت حاجة مهمة أوي.
أنا مكنتش الست الوحيدة اللي لسه دفنة جوزها وهو لسه على وش الدنيا وبيتنفس.
الجزء الثاني والأخير
خرجت لراكن العربيه (الباركينج) من غير ما أستعجل.
كريم كان واقف جنب عربيتي، زانق فكه وعاصر إيده جوه جيوب بدلته السودة.
أول ما باب دار المناسبات اتقفل ورايا، مشي ناحيتي بخطوات سريعة.
— انتِ إيه القرف اللي بتعمليه ده؟!
بصلته ببرود:
— بقدم واجب العزا في والد واحدة زبونتي.
— انتِ فاهمة كويس أوي أنا بتكلم عن إيه!
— بتكلم عن إني قلت إن جوزي مات؟
وشه اتشنج وقالي:
— نادية!
— حاجة غريبة أوي.. يعني انت عادي تقول إن مراتك ماتت، لكن لما أنا أقول نفس الجملة عن جوزي، تحس إنها إهانة؟
لسانيات ومردش.
والسكون ده كان كفاية أوي بالنسبة لي.
— يعني طلعت بجد..
— الموضوع مش زي ما انتِ فاهمة!
طلعت مني ضحكة قصيرة مكسورة.
حاجة تجنن.. بعد 15 سنة مع بعض، منهم 6 سنين جواز، لسه الجملة دي هي هي اللي بتقال!
“الموضوع مش زي ما انتِ فاهمة”.. الجملة المفضلة لكل واحد بيتقفش متلبس بنفس الحقيقة اللي الكل فاهمها!
كريم وطي صوته وهو بيبص حواليه:
— مش هنا.. بابا مريم لسه ميت.
— عشان كده بالظبط أنا مش هعملك فضيحة هنا.
جيت أفتح باب العربية، حط إيده على الباب ومنعني.
— اسمعيني بس!
بصيت لإيده على الباب وقلتله:
— شيل إيدك.
— يا نادية..
— شيل إيدك يا كريم.
نبرة صوتي خلته يتراجع بسرعة.
— أنا ومريم..
— مش محتاج تشرحلي أي حاجة.
— لا محتاج!
— تشرحلي إيه؟ هتقولي إن الموضوع مش زي ما يبان؟ ولا إنك كنت بتواسيها مجرد مواساة؟ ولا إنك بقيت خطيبها بالصدفة؟ ولا إنك بالخطأ حددت ميعاد الخطوبة الشهر الجاي؟!
كريم غمض عينيه لحظة وقال:
— الأمور اتعقدت مني..
— 3 شهور في المستشفى أكيد يبانوا معقدين أوي!
بصلي وهو متفاجئ.. فهم إني خلاص اتكلمت مع العيلة وعرف كل حاجة.
— الحاج الله يرحمه كان تعبان أوي.
— وبابا الله يرحمه كان تعبان برضه.
المرة دي القذيفة صابته في قلبه بجد.. شفت الوجع في وشه.
— نادية..
— لما بابا كان بيموت أنا كلمتك.. قلتلي مش هقدر أسيب مشروع بملايين عشان حاجة مش عارفين ميعادها إمتى.
صوتي كان هادي جداً.. وده اكتر حاجة جننته.
كان متوقع دموع، صريخ، قلم على وشه.. أي حاجة تخليه يقول إني مجنونة ومش في وعيي.
بس بعد ما سمعت إنه كان بيقضي ليلة ورا ليلة سهران جنب سرير والد مريم، ما بقاش فاضل جواه نقطة دموع واحدة أعيطها عليه.
— والنهاردة باكتشف إنك بتعرف تسيب كل حاجة عشان تقعد جنب راجل كبير في أيامه الأخيرة..
بلعت ريقي وكملت:
— بس للأسف.. اخترت الراجل الغلط.
كريم وطى راسه في الأرض.. ولفترة فضيلنا سامعين صوت عربيات الراكنة وهي داخلة وخارجة.
— موضوع باباكي كان مختلف..
— طبعاً!
— أنا كنت في نص مفاوضات ومصالح مهمة جداً!
— والـ 3 شهور دول.. كنت فين؟
ما ردش.
— في ألمانيا؟
سكون.
— في فرانكفورت؟
ولا كلمة.
— ولا كنت على بعد 20 دقيقة من بيتنا؟
— مش طول الوقت..
الجملة دي خلتني أبتسم بسخرية:
— شكراً أوي.. كده أنا ارتحت نفسياً!
— نادية، أنا أقدر أفهمك كل حاجة..
— طب ابدأ بحاجة سهلة.. من إمتى؟
كريم جز على سنانه وقال:
— مش وقته خالص..
— تمام، أظن كده الإجابة وصلتني.
فتحت باب العربية، والمرة دي محاولش يمنعني.
بس قبل ما أركب، قال جملة:
— أنا مش عاوز أتطلق.
لفيت راسي وبصلته.. دي كانت أول جملة تذهلني بجد من ساعة ما شفته.
— أفندم؟!




