
الجميع كان يخاف من والدة الرئيس الملياردير… حتى نطقت نادلة بست كلمات فقط، فاختفت ابتسامتها وانكشف السر الذي دفنته لعشرات السنين. تحطمت الكأس الزجاجية عند قدمي سارة حسن. —نضفيها، قالت نوال الشاذلي دون أن تخفض صوتها، وبعد ما تخلصي، قولي لمديرك إني مش عايزة أشوفك على ترابيزتي تاني.
توقف مئة وعشرون ضيفًا عن الكلام. واستمرت فرقة الجاز في العزف لثانيتين إضافيتين، قبل أن يدرك عازف الكمان أن شيئًا ما قد حدث، فخفض قوسه ببطء.
نظرت سارة إلى النبيذ الأحمر وهو ينتشر فوق الرخام الأبيض كأنه جرح مفتوح، ثم رفعت عينيها. لم تبكِ، ولم تعتذر، ولم تنحنِ لتنظف شيئًا. كانت نوال الشاذلي قد حطمت عمدًا كأسًا يبلغ ثمنها مئات الدولارات، فقط لأن سارة رفضت أن تطرد من الطاولة امرأة مسنة كانت تنتظر ابنها في المطعم. ونوال لم تكن معتادة أن يقول لها أحد «لا»، خصوصًا نادلة، وخصوصًا أمام مجلس إدارة شركة الشاذلي.
—إنتِ ما سمعتيش؟ سألت نوال.
أخرجت سارة بهدوء منديلًا نظيفًا من فوق صينيتها.
—سمعت حضرتك كويس جدًا يا مدام نوال.
ظهر مدير المطعم بين الطاولات مسرعًا. كان عماد فوزي يدير مطعم الصالون الملكي منذ ستة وعشرين عامًا، وهو واحد من أكثر المطاعم الخاصة حصرية في القاهرة. لكن في تلك اللحظة، بدا عماد كطفل صغير تم استدعاؤه إلى مكتب المدير.
—مدام نوال، أنا هتصرف.
—الأفضل لك. أشارت نوال إلى سارة دون أن تنظر إليها حتى: اطردها.
شحُب وجه عماد. شعرت سارة بعشرات النظرات تستقر على ظهرها؛ معظمها لم يكن يحمل قسوة، بل كان يحمل ارتياحًا لأن الضحية هذه المرة شخص آخر. كانت نوال الشاذلي تبلغ الخامسة والستين، وتمتلك ثروة تقدر بالمليارات، وكانت تمتلك قدرة شبه أسطورية على تغيير حياة أي شخص بمجرد مكالمة هاتفية. كان ابنها، عمر الشاذلي، الرئيس التنفيذي لشركة الشاذلي القابضة. لكن القاهرة كلها كانت تعرف أنه خلف البيانات الرسمية للشركة، كانت نوال لا تزال القوة الحقيقية للعائلة.
كانت سارة في التاسعة والعشرين من عمرها، ترتدي زيًا أسود بسيطًا، وحذاءً مريحًا، وكانت تدفع إيجار شقة صغيرة من غرفة واحدة، وتدرس في المساء. وتحت سريرها، داخل صندوق معدني صغير، كانت تخبئ مستندات قديمة تخص تاريخ الشركة العائلي.
اقترب عماد منها:
—سارة…
لم تنظر إليه، كانت لا تزال تحدق في نوال.
—قبل ما تطردني، يا مدام نوال، عايزة أسألك سؤال.
ظهرت على وجه نوال ملامح ملل:
—إنتِ مش في وضع يسمح لكِ تسألي أي أسئلة.
—إذن اعتبريه آخر تعليق ليا.
همس عماد:
—سارة، بلاش.
وضعت الصينية على طاولة فارغة، وكانت يدها ثابتة تمامًا، ثم قالت:
—لسه محتفظة بمفتاح النحاس بتاع شقة 6C؟
توقفت أنفاس نوال. لم يستمر الأمر سوى لحظة واحدة، لكن عمر الشاذلي لاحظها، وسارة لاحظتها، وكذلك محمود الشاذلي، شقيق مؤسس الشركة الراحل. وضعت نوال أصابعها ببطء فوق مفرش الطاولة:
—إنتِ قلتي إيه؟
انحنت سارة قليلًا لكي يسمعها أفراد الطاولة الرئيسية:
—شقة 6C… شارع النيل… مفتاح النحاس.
تغير وجه نوال قليلًا. امرأة مثلها قضت حياتها كلها تتعلم كيف تخفي القلق، لكن سارة لاحظت إبهامها الأيسر وهو يفرك حافة خاتمها. ملاحظة عمر ذلك أيضًا جعلته يسأل:
—أمي… إيه معنى الكلام ده؟
تجاهلت نوال ابنها وظلت عيناها مثبتتين على سارة:
—إنتِ مين؟
أجابتها سارة دون أن ترفع صوتها:
—اسمي سارة حسن.
هذه المرة اختفي اللون تمامًا من وجه نوال، وأسقط محمود الشاذلي الشوكة من يده. نظر عمر أولًا إلى أمه ثم إلى سارة:
—حسن؟ كرر الاسم وكأنه يحاول فهم شيء مستحيل. هزت سارة رأسها. وقفت نوال بسرعة لدرجة أن كرسيها احتك بالأرض وأصدر صوتًا حادًا:
—العشا انتهى.
لم يتحرك أحد، فصرخت:
—قلت العشا انتهى!
وقف عمر، كان طوله يتجاوز المتر والثمانين، ويرتدي بدلة زرقاء داكنة. لم يكن يصرخ مثل والدته، لكنه نظر إليها مباشرة:
—ماما… مين سارة حسن؟
لأول مرة منذ سنوات طويلة، لم تجد نوال إجابة جاهزة. أما سارة، فوضعت يدها بهدوء داخل جيب زيها وأخرجت شيئًا صغيرًا ملفوفًا بقطعة قماش؛ مفتاحًا نحاسيًا قديمًا وضعته فوق الطاولة.
—أنا مش جاية أطلب منك فلوس. أنا جاية أعرف منك… ليه الحقيقة دي اتمسحت لمدة تلاتين سنة؟
ساد الصمت. رفع عمر عينيه إلى أمه:
—حقيقة إيه؟
نظرت نوال إلى المفتاح ثم إلى سارة، وكان واضحًا أنها أدركت أخيرًا أن الماضي الذي حاولت إخفاءه طوال تلك السنوات عاد ليطظهر من جديد.
بقي المفتاح النحاسي فوق الطاولة يلمع تحت ضوء الثريا. نظر عمر إلى أمه مرة أخرى:
—ماما… أنا بسألك. إيه حكاية شقة 6C؟
لم تجبه نوال، وكانت عيناها على المفتاح فقط. اقترب محمود الشاذلي من الطاولة وصوته خرج مرتجفًا:
—مستحيل…
التفت إليه عمر:
—إنت تعرف حاجة؟
رفع محمود عينيه إلى سارة:
—إنتِ بنت مين؟
أجابته:
—إنت عارف.
ابتلع محمود ريقه:
—لا… لا، الموضوع ده انتهى من زمان.
ابتسمت سارة ابتسامة صغيرة بلا فرح:
—أهو ده اللي أنا جيت أصلحه.
صرخت نوال فجأة:
—اخرسي!
التفت الجميع إليها؛ كانت تلك أول مرة يسمعون فيها نوال تصرخ بهذه الطريقة. قال عمر بهدوء مخيف:
—إنتِ خايفة منها؟
—أنا مش بخاف من حد.
—أمال ليه إيدك بتترعش؟
نظرت نوال إلى يدها، وللمرة الأولى لاحظ الجميع أنها كانت ترتجف فعلًا. وضعت يدها داخل حقيبتها بسرعة، لكن سارة قالت:
—قبل ما تخرجي أي حاجة من الشنطة… اسمعيني. من تلاتين سنة، ليلة 14 نوفمبر، حصلت حادثة كبيرة في شقة 6C.
شهقت امرأة من آخر الطاولة، أما محمود فأغمض عينيه.
—الحادثة دي غيرت حياة ناس كتير، أكملت سارة. وعلى الأقل ده اللي اتسجل في الأوراق الرسمية وقتها.
رفع عمر حاجبه:
—مين؟
نظرت سارة إلى نوال:
—أبويا.
ساد الصمت، ثم قالت:
—لكن أبويا ما ماتش زي ما كنتوا مفكرين.
تجمد عمر:
—إيه؟
—ابتعَد واختفى لسنين طويلة بسبب ظروف غامضة.
تراجعت نوال خطوة:
—كفاية.
—والسبب كان شخص من عيلتك.
ضرب عمر كفه على الطاولة:
—مين؟
لم تجبه سارة، بل أخرجت من جيبها ظرفًا بنيًا ووضعته بجوار المفتاح:
—جوا الظرف ده مستندات وأوراق تثبت الحقوق القديمة.
نظر محمود إلى الظرف وكأنما رأى شبحًا:
—الوراق دي اتفقدت.
—النسخة الأصلية لا.
مد عمر يده نحو الظرف، لكن نوال أمسكت معصمه:
—ما تفتحوش.
نظر إليها عمر بصدمة:
—ليه؟
لم تجب، فسحب يده ببطء من يدها ثم فتح الظرف وأخرج الأوراق وقرأ السطر الأول، ثم الثاني، وتغير وجهه بالكامل:
—ده… تقرير باسم حسن عبد الرحمن.
قالت سارة:
—أبويا.
تابع عمر القراءة ثم رفع رأسه:
—إيه حكاية الشراكة القديمة؟
هزت سارة رأسها:
—أبويا كان شريك مؤسس في الشركة دي، وثروة العيلة دي في الأساس بدأت من مشاريعه وأمواله زمان.
شعرت سارة بأن الحقيقة أخيرًا بدأت تظهر للنور. رفعت عينيها إلى نوال:
—ليه؟ ليه ضيعتونا السنين دي كلها؟
كانت الكلمة بسيطة، لكنها خرجت كأنها تحمل ثلاثين عامًا من الألم. أغمضت نوال عيناها، ولثوانٍ طويلة لم يسمع أحد سوى صوت أنفاس الحاضرين، ثم فتحت عيناها وقالت:
—أنا ما أذيتش أبوكي.
تقدمت سارة خطوة:
—إذن مين المسؤول عن الفراق ده كله؟
نظرت نوال إلى ابنها ثم إلى محمود، وقالت بصوت خافت:
—ظروف الشركة والقرارات القديمة هي اللي فرضت ده.
تجمد عمر:
—أنا مش فاهم حاجة.
هزت نوال رأسها:
—لو الحقيقة ظهرت وقتها، الشركة كلها كانت هتقع.
ضحكت سارة بمرارة:
—وأنا؟ أنا خسرت أبويا وكل سنين عمري وأنا بعيدة عنه.
صمتت نوال، ثم قالت جملة جعلت وجه سارة يتغير:
—لا… أبوكي كان عايش طول السنين دي.
تراجعت سارة خطوة:
—إنتِ بتكدبي؟
—لا.
—فينه؟
لم تجب نوال. اقتربت سارة منها:
—فين أبويا؟
كانت نوال تبكي الآن، ولأول مرة منذ ثلاثين عامًا لم تستطع إخفاء الحقيقة:
—آخر مرة شفته فيها… كان في المستشفى، وكان ماسك صورة ليكي وإنتِ طفلة.
ارتجف صوت سارة:
—وبعدين؟
نظرت نوال إلى المفتاح النحاسي:
—وبعدين اختفى وظل في مكان مجهول.
لكن سارة أخرجت هاتفها:
—عشان كده أنا مشيت ورا كل خيط. وضعت الهاتف أمام نوال. كانت هناك صورة قديمة لرجل يقف أمام باب شقة 6C، وخلفه مباشرة ظهر شخص آخر. نظرت نوال إلى الصورة وانهارت ابتسامتها تمامًا، لأن الشخص الواقف خلف حسن لم يكن غريبًا، بل كان شخصًا ما زال حيًا حتى هذه اللحظة، ويجلس الآن على نفس الطاولة.
حدقت نوال في الصورة وكأنها رأت أسرارًا قديمة تعود للحياة. أما عمر فانتزع الهاتف من يد سارة:
—مين الراجل ده؟
لم تجبه، ونظر عمر إلى محمود:
—إنت تعرفه؟
رفع محمود عينيه ببطء، وكانت الصدمة في وجهه كافية لتجيب بدلًا منه. قال عمر:
—محمود… مين ده؟
اقتربت سارة من الطاولة وأشارت إلى الشخص الموجود في الصورة:
—ده الدكتور فؤاد منصور، طبيب العائلة والشخص اللي كان عارف كل تفاصيل الورق القديم.
رفع عمر رأسه بسرعة:
—بس الأوراق القديمة قالت إنه اختفى في ظروف معينة.
—بالضبط. فتحت سارة ملفًا آخر على هاتفها، وبدأ تسجيل صوتي قديم يخرج من السماعة بصوت مشوش يحكي عن تفاصيل قديمة تخص الشراكة والشركة. أهتزت نوال، بينما تابع عمر سماع التسجيل للنهاية. رفع عمر عينيه إلى أمه:
—يعني هو ما ماتش؟
هزت سارة رأسها:
—لأ، عاش بعيد عن الكل عشان يحمي نفسه ويحميني.


