روايات وقصص

نيه صافيه ج1.. حكايات منــال عـلـي

“هو إنتِ فاكرانا بناكل البواقي؟!” الكلمة خرجت من “دعاء” أخت جوزي وهي باصة لطبق الحلو اللي كنت لسه حاطاه قدام حماتي “الحاجة فاطمة”. فضلت ثواني أبصلها ومش مستوعبة الكلام اللي سمعته. حماتي بصتلها پصدمة وقالت بعصبية: “إيه الكلام اللي إنتِ بتقوليه ده يا دعاء؟! عيب عليكي!” لكن هي ولا كأنها سمعت أمها.

مسكت المعلقة وقلبت في طبق الحلو وهي مكشرة ومبرطمة، وقالت:
“هو ده مش اللي فضل عندكم فوق؟ ولا إيه يعني؟”
حسيت الكلام نزل على قلبي زي الصخر.
ومع ذلك، بلعت إھانتها، وابتسمت ابتسامة هادية وقلت بكسرة نفس:
“لا يا دعاء… والله العظيم معمول مخصوص عشانكم.”

حكايات

منــال عـلـي
بصتلي بطرف عينها وقالت بسخرية:
“آه طبعًا… مخصوص! على أساس إننا مش عارفين يعني.”
حماتي شدّت الطبق من قدامها وقالت بصوت يرعش من الزعل:
“اخسي عليكي يا بنت قلبي! دي كل ما تعمل حاجة حلوة في بيتها تنزل تعمل حسابنا قبل ما تحط لقمة في بؤها!”
لكن دعاء هزت كتفها ببرود وقالت:
“وهو أنا كنت طلبت منها تعمل حسابي؟”
سكت وما ردتش…
لأني طول عمر أقول لنفسي “اعذريها”.
دعاء مطلقة من كام سنة، وراجعة تعيش مع أمها، ومعاها بنتها الصغيرة “فريدة” اللي عندها تلات سنين.
وكنت دايمًا أقول لنفسي إن الظروف اللي مرت بيها والكسرة اللي شافتها خلوا طبعها حاد، فكنت بأجي على نفسي عشان
أراعي مشاعرها.
عشان كده…
ولا مرة رديت عليها.
ولا مرة أشتكيت منها لجوزي “أحمد”.
ولا مرة زعلت منها قدام حد من العيلة.
رغم إن دي ما كانتش أول مرة ولا عاشر مرة. متوفره على روايات واقتباسات
كل مرة تقريبًا أعمل أكلة حلوة فوق في شقتي…
أقول بدل ما أعمل على قدي أنا وأحمد وابننا، أزود الخير شوية.
لو هجيب فرخة… أخليهم اتنين.
لو هعمل محشي… ألف صينية زيادة للحاجة ودعاء.
لو هعمل كيكة أو بسبوسة أو أي حلو… أقسمه من وهو لسه طالع سخن من الفرن قبل ما حد يمسّه.
مش بعد ما ناكل.
ولا بعد ما يفضل.
أنا أصلًا وأنا بنقي المقادير وبشتريها من السوق، أقول في سري:
“دول أهل جوزي… يعني
أهلي، واللقمة القريبة بتزيد البركة.”
وربنا الشاهد على نيّتي…
عمري ما حسيت إني بتصدق عليهم أو بفضلهم.
ولا مرة حسيت إني بعمل معجزة أو معروف.
بالعكس…
كنت بحس إن ربنا لما يوسعها علينا، لازم النعمة طعمها يبان في البيوت اللي حوالينا، وخصوصًا بيت أم جوزي.
وأحمد جوزي، الحمد لله، ربنا فتحها عليه وشغله ماشٍ كويس، وعمره ما قصر معايا في حاجة. حكايات منــال عـلـي
فكنت أقول لنفسي:
“طالما ربنا قادرنا ومعافينا… ليه نبخل؟”
لكن الغريب والموجع…
إن كل مرة كنت أنزل فيها بحاجة هنيّة…
كنت أرجع شقتي مکسورة الخاطر.
مرة أسمعها بتقول لأمها: “هي بتدينا الفضلات عشان تترسم علينا.”
ومرة تقول: “تلاقيها عملت عزومة فوق وبعتت لنا اللي فاضل.”
ومرة تقول: “هي فاكرة نفسها بتتحسن علينا؟”
وفي كل مرة…
حماتي الحاجة فاطمة كانت تزعل وتزعقلها وتقول:
“إنتِ إيه

اللي ملا قلبك غل كده؟ البنت ملزمة بيكي؟ دي شايلانا في عينيها من يوم ما دخلت البيت!”
وأنا؟
كنت بمسك إيد الحاجة وأقولها:
“خلاص يا ماما عشان خاطري… سيبيها براحتها، أنا مش زعلانة.”
لحد المرة دي…
كنت عاملة صينية حلو هي بالذات بتحبه وبتطلبه بالاسم.
وعديت على الخضري جبت فاكهة طازة، وشفت مانجا من اللي قلبك يحبها، افتكرت “فريدة” بنتها الصغيرة لأنها بتحبها.
اشتريت كيلوات زيادة مخصوص عشان البنت تقعد تاكل وتبسط.
ورتبت كل حاجة في أطباق شكلها شيك، ونزلت بيهم وأنا بتمنى الكلمة الطيبة.
أول ما دخلت الشقة…
“فريدة” الصغيرة جريت عليا وهي بتضحك، وحضنت رجلي وقالتلي: “يا طنط جبتيلي مانجا؟”
ابتسمت وبستها من خدها.
والحاجة فاطمة أول ما شافت الأطباق، وقفت وقالت بابتسامة دافية:
“ربنا يكرمك ويوسعها عليكوا يا بنتي… تعباكِ معانا
دايمًا.”
ضحكت وقلت:
“تعب إيه بس يا حاجة… ده خيركم.”
لكن دعاء قامت من مكانها قربت من طبق الفاكهة…
مسكت خوخة بإيدها… وقلبتها يمين وشمال… وبعدين بصتلي بصة حادة وقالت بصوت عالي هز الشقة:
“هو إنتِ جايبة لنا الفاكهة دي عايزه تخلصي منها عندنا؟!”
وقبل ما ألحق أنطق كلمة…
زقت الطبق بإيدها پعنف على الترابيزة وقالت:
“والحلو ده أكيد كان بايت عندك!”
حكايات منال علي
وبعدين بصتلي من فوق لتحت وقالت الجملة اللي خلت الډم يجمد في عروقي:
“اللي عايز يدي حد حاجة… يدي حاجة عدلة تنفع…”
وفي اللحظة دي…
ولأول مرة من سنين…
حسيت إن السكوت ما بقاش صبر ولا أدب… السكوت بقى إهانة لكرامتي ولربنا اللي يعلم بالنيات.

لقيت نفسي مش قادرة أسكت…
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى