
قالت نوال بصوت مكسور:
—كفاية يا سارة.
—لسه ما خلصناش. أخرجت سارة ورقة أخرى:
—بعد فترة، رجع أبويا وراح على شقة 6C.
تراجعت نوال:
—لا…
—كان عايز ياخد مستنداته القديمة، وكان عارف إن في ناس بتراقبه عشان تمنعه من استرداد حقه.
سأل عمر:
—وبعدين؟
قالت سارة:
—اتصل بواحدة فقط… أمي.
شهقت نوال:
—أمك؟
—أيوه.ابتسمت سارة بمرارة:
—أبويا قال لها إنه خايف عليّ، وإنه لو حصل له أي حاجة، لازم تبعدني عن المشاكل دي للأبد.
سأل عمر:
—وإيه اللي حصل بعد كده؟
أخرجت سارة صورة أخرى لامرأة شابة تحمل طفلة صغيرة:
—أمي أخدتني وهربت عشان تحميني من الصراعات دي كلها.
ثم نظرت إلى نوال مباشرة:
—لكن قبل ما نهرب… إنتِ وصلتي لنا.
تغير وجه نوال، وقالت سارة:
—إنتِ حذرتي أمي من خطورة البقاء في المكان ده.
تدخل محمود:
—نوال…
صرخت فيه:
—اسكت! ثم نظرت إلى سارة:
—كنت بحاول أحميكِ إنتِ وأمك من بطش الناس اللي كانت طמعة في ثروة أبوكي.
ضحكت سارة بمرارة:
—تحميني من مين؟ من حقنا الشرعي؟
ساد الصمت، وقالت نوال:
—حسن ما كانش ملاك، وكان مستعد يقلب الطاولة على الكل لو حس إن حقوقه بتضيع.
سألت سارة:
—وليه اختفى تمامًا؟
أخفضت نوال رأسها:
—لأنه عرف إن البقاء في العاصمة بقى يشكل خطر حقيقي على حياته وحياة أسرته.
تجمدت سارة:
—أنا؟
—كان شايف إن وجودك في وسط عائلة الشاذلي هيعرضك للمخاطر.
—ليه؟
—لأنك الوريثة القانونية لحصة أبوكي الكبيرة في الشركة.
رفع عمر رأسه فجأة:
—وريثة؟
قالت نوال:
—قبل ما تبعد الظروف بيننا، حسن نقل جزء كبير من حقوقه باسم ابنته.
نظر عمر إلى سارة وكأنه يراها للمرة الأولى:
—يعني…
أكملت نوال:
—أنتِ تملكي قانونيًا نسبة مؤثرة جدًا من الشركة القابضة.
لم تتحرك سارة؛ ثلاثون عامًا من حياتها وهي تعيش في شقة صغيرة، تعمل نادلة وتدرس ليلًا، بينما كانت تملك حقًا أصيلًا في إمبراطورية تبلغ قيمتها مليارات. لكنها لم تهتم بالمال، وقالت:
—أنا مش عايزة الشركة، أنا عايزة أعرف إيه اللي حصل بجد.
في تلك اللحظة، انفتح باب المطعم على مصراعيه، ودخل رجل مسن يتكئ على عصا. توقفت سارة عن التنفس، لأنها تعرف ذلك الوجه جيدًا؛ الشعر الأبيض، والندبة الصغيرة فوق الحاجب، والعينان اللتان حفظتهما من صورة قديمة ظلت تحتفظ بها منذ طفولتها.
—بابا؟
خرجت الكلمة منها كأنها سؤال خائف. الرجل لم يجب، فقط فتح ذراعيه، وانهارت سارة بينهما وسط دموع الشوق التي تعوض ثلاثين عامًا في لحظة واحدة.
—كبرتي يا بنتي…
بكت سارة:
—إنت كنت فين كل السنين دي؟
أغمض حسن عينيه:
—كنت بدور عليكي في كل مكان.
ابتعدت عنه قليلًا ووجهها غارق في الدموع:
—كل السنين دي؟
—كل يوم وكل ساعة.
ثم نظر إلى نوال، وتوقفت دموعه:
—إلا هي…
تراجعت نوال خطوة:
—حسن…
—ما تنطقيش اسمي كأنك كنتِ بتدوري عليا بجد.
قالها بهدوء جعل القاعة كلها تصمت. تقدم عمر:
—أنا عمر الشاذلي.
نظر حسن إليه طويلًا ثم قال:
—عارف.
—إنت كنت تعرفني؟
—كنت أعرفك من قبل ما تولد.
صمت عمر:
—ليه اختفيت الفترات دي كلها؟
نظر حسن إلى سارة:
—لأن الظروف كانت أكبر بكتير مما تتخيل.
تدخل عمر:
—لكن أمي قالت…
ضحك حسن بمرارة:
—أمك ساعدت في وقت من الأوقات، لكن الصراعات كانت أقوى.
نظر عمر إلى نوال:
—إيه الحكاية؟
قال حسن:
—البعض كان عايز يستولي على كل حاجة وينهي أي أثر لحقوقنا.
ثم أضاف:
—لكن نوال تدخلت في الوقت المناسب عشان تنقذ ما يمكن إنقاذه.
خفضت نوال راسها:
—كنت عارفة إنهم لو لقوك، هيقضوا على كل شيء يخصك.
سأل عمر:
—ليه؟
أجاب حسن:
—لأن المستندات اللي معايا كانت تكشف عيوب وفضائح كبيرة في إدارة الشركة زمان.
تدخل محمود بصوت خافت:
—وأنا كنت جزء من محاولة ضبط الأمور.
التفت حسن إليه بغضب:
—بل كنت تحمي مصالحك الشخصية مع باقي الكبار.
ثم أخرج ملفًا أسود من حقيبته:
—وهنا كل الإثباتات والورق الرسمي.
اقترب عمر وفتح الملف؛ كانت هناك تحويلات مالية، وتسجيلات، وتوقيعات قديمة. وفي آخر صفحة كان هناك اسم محمود الشاذلي واضح وصريح. رفع عمر رأسه ببطء:
—إنت خنت الثقة دي يا محمود؟
قال محمود:
—كنت بنفذ تعليمات الإدارة العليا وقتها.
—وكنت طرف في إخفاء الحقيقة؟
صمت محمود طويلًا ولم يجب.
قالت سارة بصوت حازم:
—المهم دلوقتي مش الماضي لوحده، المهم إن الحقيقة ظهرت ولن يتم طمسها تاني.
وفي تلك اللحظة، وصل إشعار إلى هاتف سارة؛ رسالة من رقم مجهول تحتوي على صورة حديثة لمكان مجهول وتحتها جملة قصيرة: “لو فتحتي الباب الأخير… كل الأسرار هتتكشف.”
بدأت الأحداث تتسارع، واكتشف الجميع أن هناك شبكة مصالح قديمة كانت تحرك كل الخيوط من خلف الستار. قرر الفريق الصغير المكون من سارة وحسن وعمر مواصلة الطريق حتى النهاية لكشف المستور واستعادة الحقوق المسلوبة دون العودة للوراء.
توجه الجميع إلى المكان المذكور في الرسالة، وهي الشقة القديمة التي شهدت البدايات الأولى لكل تلك الصراعات. وبمجرد فتح الباب باستخدام المفتاح النحاسي القديم، ظهرت الغرفة السرية التي احتوت على الصندوق الذي يضم الدليل القاطع والملفات النهائية لكل التحويلات والمستندات المخفية.
تحدث حسن وهو ينظر للجميع:
—دلوقتي وقت الحساب، وكل واحد هيأخد جزاءه بالقانون وبالوثائق اللي لا يمكن إنكارها.
وفي النهاية، أُغلق ملف الصراعات القديمة بعد أن تم تسليم كافة المستندات الرسمية للجهات المختصة، لتنهار الإمبراطورية المبنية على التستر والظلم، وتعود الحقوق لأصحابها الشرعيين. حصلت سارة على حقها الكامل واستعادت والدها وتاريخها، وبدأت صفحة جديدة بعيدة عن طمع الماضي وأسراره المظلمة، لتثبت أن الحق مهما طال الزمن لابد أن يظهر ويعود لأصحابه.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”


