منوعات

المربيه

ابتسمت.

ـ إني كنت محتاجة أكون هنا أكتر مما كنت فاكرة.

—

مرت سنة كاملة.

ياسين بقى طفل طبيعي.

لسه عصبي أحيانًا.

لسه بيزعل.

لكن بقى بيتكلم.

ولو زعل، يقول.

ولو خاف، يقول.

ولو حد ضايقه، يروح لأبوه.

وفي يوم، كان بيلعب في الحديقة.

وقع.

اتجرح في ركبته.

جري ناحية حمزة.

ـ بابا!

حمزة نزل لمستواه.

ـ مالك؟

ـ وقعت.

ـ وجعتك؟

ـ أيوه.

حمزة ابتسم.

ـ عايز تعيط؟

ياسين هز راسه.

ـ لأ.

ـ ليه؟

ـ عشان أنا كبير.

حمزة ضحك.

ـ لأ يا حبيبي.

ـ إيه؟

ـ عشان لو وجعتك، عيط.

ياسين بص له.

ثم حضنه.

ليلى كانت واقفة بعيد.

ابتسمت.

وفجأة قال ياسين:

ـ بابا؟

ـ نعم؟

ـ ماما كانت بتحبني؟

حمزة اتنفس بعمق.

ـ أكتر من أي حاجة.

ـ وكانت بتحبك؟

ـ أيوه.

ـ وكانت بتحب ليلى؟

حمزة بص لليلى.

ثم قال:

ـ لو كانت شافتها… كانت هتحبها.

ياسين ابتسم.

وبعدين جري.

—

في المساء، ليلى دخلت الجناح الشمال.

كان المكان هادي.

فتحت الشباك.

الهوا دخل.

بصت للصورة الكبيرة لمريم.

وقالت بهدوء:

ـ ابنك بقى كويس.

ابتسمت.

ـ وبقى بيتكلم كتير كمان.

وراءها، جاء صوت حمزة.

ـ هي كانت هتبقى مبسوطة.

ليلى التفتت.

ـ إنت بتسمعني؟

ـ أيوه.

ـ ما ينفعش الواحد يبقى لوحده هنا؟

ـ لأ.

ضحكت.

ـ ليه؟

ـ المكان ده بقى جزء من البيت.

وقف جنبها.

ثم قال:

ـ عايز أقولك حاجة.

ـ إيه؟

ـ أول يوم شفتك فيه وإنتِ قاعدة على الأرض قدام ياسين…

سكت.

ـ افتكرت إنك مش هتكملي يوم.

ليلى ضحكت.

ـ وأنا كمان افتكرت إني مش هكمل يوم.

ـ طب ليه كملتي؟

بصت للصورة.

ـ عشان لما بصيت في عينيه، حسيت إنه مش بيضرب الناس عشان يأذيهم.

حمزة سأل:

ـ عشان إيه؟

قالت:

ـ كان بيحاول يقول لهم إنه خايف.

حمزة سكت.

ثم قال:

ـ وإنتِ فهمتيه.

ليلى ردت:

ـ هو اللي فهمني.

—

بعد سنة ونصف، كان القصر فيه حفلة صغيرة.

مش حفلة كبيرة.

مجرد أهل وأصدقاء.

ياسين كان لابس بدلة صغيرة.

وواقف جنب أبوه.

حمزة قال له:

ـ جاهز؟

ـ أيوه.

ـ خايف؟

ـ شوية.

ـ عادي.

ياسين بص ناحية ليلى.

كانت داخلة بفستان محتشم بسيط.

ابتسم لها.

ثم جري عليها.

ـ ليلى!

ـ نعم؟

ـ بابا قال إني أقدر أقول لك حاجة.

ـ قول.

وقف قدامها.

ومسك إيدها.

ـ أنا عايزك تفضلي معانا.

ليلى ابتسمت.

ـ هفضل.

ـ للأبد؟

ضحكت.

ـ على قد ما ربنا يقدرني.

ياسين بص لأبوه.

حمزة قال:

ـ وده وعد.

الطفل ابتسم.

ثم حضن الاثنين مع بعض.

—

وفي آخر الليل، بعد ما كل الناس مشيت، حمزة وقف في الحديقة.

ليلى خرجت له.

قال:

ـ فاكرة أول ليلة؟

ـ ليلة الجناح الشمال؟

ـ أيوه.

ـ فاكرة.

ـ لو ما كنتيش نزلتي على ركبتك قدامه…

ليلى قاطعته:

ـ ما كنتش ههرب.

ـ ليه؟

قالت:

ـ لأنه كان طفل.

حمزة سكت.

ـ 18 مربية هربوا منه.

ـ أيوه.

ـ وإنتِ الوحيدة اللي فضلتي.

ـ عشان أنا ما كنتش شايفة طفل بيضرب.

ـ كنتِ شايفة إيه؟

ليلى بصت ناحية الشباك.

ياسين كان واقف ورا الستارة، بيراقبهم.

قالت:

ـ طفل بيصرخ من غير صوت.

حمزة ابتسم.

ـ وهو دلوقتي صوته عالي جدًا.

ليلى ضحكت.

ـ جدًا.

ياسين فتح الشباك وصرخ:

ـ ليلى!

ـ نعم؟

ـ بابا!

ـ نعم؟

ـ أنا جعان!

حمزة ضحك.

ـ وده أكتر صوت كنت مستنيه أسمعه.

دخلوا.

وفي اليوم اللي بعده، اتقفل الجناح الشمال.

لكن المرة دي مش عشان يخوفوا ياسين.

اتقفل لأن كل ذكريات الوجع اتحولت إلى صور محفوظة، وكل سر اتقال، وكل شخص ظلم اتكشف، وكل خوف كان مستخبي ورا باب بقى معروف.

أما ياسين، فكبر وهو عارف حاجة واحدة:

إن اللي بيخاف مش لازم يضرب.

واللي بيتوجع مش لازم يسكت.

وإن حضن واحد في الوقت الصح ممكن ينقذ طفل من سنين كاملة من الوحدة.

أما ليلى، فبعد ما أخوها اتعالج وبقى كويس، ما رجعتش تشتغل خادمة.

حمزة عرض عليها تكمل تعليمها، وساعدها تدخل كلية كانت نفسها فيها من زمان.

كانت بتدرس الصبح، وترجع القصر العصر.

وياسين كان مستنيها كل يوم على الباب.

كل ما يشوفها، يجري عليها بنفس الطريقة.

ـ ليلى!

فتفتح دراعها.

ـ تعالى.

ويجري يحضنها.

وفي مرة، وهو عنده سبع سنين، سألها:

ـ إنتِ ليه ما خفتيش مني أول يوم؟

قالت:

ـ خفت.

اتصدم.

ـ خفتي؟

ـ آه.

ـ أمال ما هربتيش ليه؟

ابتسمت وقالت:

ـ عشان الخوف مش معناه إننا نهرب.

ـ أمال معناه إيه؟

ـ معناه إننا نفهم إحنا خايفين من إيه.

فكر شوية.

وقال:

ـ وأنا كنت خايف من إيه؟

ليلى بصت له.

ـ كنت خايف تخسر كل الناس اللي بتحبهم.

سكت ياسين.

وبعدين قال:

ـ بس أنا خسرت ماما.

ليلى مسحت على شعره.

ـ أيوه.

ـ ولسه بحبها.

ـ وهتفضل تحبها.

ـ من غير ما أخاف؟

ـ من غير ما تخاف.

بص لها.

ـ عشان إنتِ هنا؟

ابتسمت.

ـ عشان ربنا رزقك بناس تفضل جنبك.

ياسين حضنها.

ومن بعيد، كان حمزة واقف.

لم يتدخل.

كان عارف إن ابنه لم يعد يحتاج أن يحميه من العالم كله.

لأنه أخيرًا تعلم كيف يطلب الأمان.

وكيف يقول “أنا خايف”.

وكيف يقول “أنا موجوع”.

وكيف يقول “أنا محتاجك”.

وفي ليلة هادية، وقف حمزة قدام صورة مريم.

وقال:

ـ سامحيني إني ما سمعتكيش بدري.

ثم ابتسم.

ـ بس وعد… ابنك بخير.

وفي الغرفة المجاورة، كان صوت ياسين عاليًا وهو بيضحك مع ليلى.

ضحكة طفل.

مش صرخة.

ولا غضب.

ولا خوف.

ضحكة حقيقية.

والقصر اللي كان الناس زمان بيدخلوا بوابته وهم مرعوبين من طفل صغير، بقى بعد سنين مكان الطفل نفسه فيه يستقبل الناس ويقول لهم:

ـ ادخلوا… ما تخافوش.

أنا بطلت أخاف.

وعند الباب، كانت ليلى واقفة تبتسم.

لأنها كانت عارفة إن الجملة دي هي النهاية الحقيقية لكل اللي حصل.

مش إن سر الجناح الشمال اتكشف.

ولا إن الحقيقة ظهرت.

ولا إن اللي ظلموا اتحاسبوا.

لكن إن الطفل اللي قضى سنتين بيحاول يبعد كل الناس عنه، بقى هو بنفسه يفتح لهم الباب.

وفي آخر يوم قبل ما تبدأ ليلى دراستها الجديدة، لقت ياسين واقف قدامها ماسك صندوق صغير.

قال:

ـ ده ليكي.

فتحته.

جواه الخاتم البسيط اللي كانت مريم بتلبسه.

ليلى بصت له بدهشة.

ـ ده كان بتاع ماما؟

ياسين هز راسه.

ـ بابا قال لي أديهولك.

ـ ليه؟

ياسين قال:

ـ عشان ماما كانت بتحب الناس اللي بتحمي اللي بتحبه.

ليلى دمعت.

وفي نفس اللحظة، ظهر حمزة عند الباب.

قال:

ـ مريم كانت دايمًا بتقول إن أغلى حاجة ممكن نديها لحد هي الأمان.

ليلى بصت للخاتم.

ثم قالت:

ـ أنا مش عارفة أقول إيه.

حمزة رد:

ـ ما تقوليش حاجة.

ياسين جري حضنها.

ـ بس ما تمشيش.

ضحكت وهي بتعيط.

ـ مش همشي.

ـ وعد؟

مسكت إيده.

ـ وعد.

وفي البيت اللي بدأ بقصة طفل لا يتكلم ويضرب كل من يقترب منه، انتهت الحكاية بصوت طفل بيضحك، وأب استعاد ابنه، وبنت دخلت القصر محتاجة فلوس علاج أخوها، وخرجت منه وهي عارفة إنها أنقذت طفلًا…

لكن الحقيقة كانت إن الطفل هو كمان أنقذها.

لأن أحيانًا، الناس اللي بنفتكر إننا داخلين حياتهم عشان نساعدهم، بيكونوا هما السبب إن حياتنا نفسها تتغير.

والجناح الشمال فضل موجود.

لكن بابه اتفتح.

والخوف اللي كان وراه اختفى.

ولأول مرة من سنين، دخل ياسين المكان بنفسه، وقف قدام صورة أمه، وقال:

ـ أنا كويس يا ماما.

ثم مسح دموعه.

وأضاف:

ـ بابا كويس.

وبص ناحية الباب.

ـ وليلى لسه هنا.

وبعدها خرج يجري.

من غير ما يبص وراه.

لأن الطفل اللي كان يومًا ما بيخاف من كل باب مقفول، أخيرًا فهم إن مش كل باب مقفول وراه خطر…

وأحيانًا، فتح الباب هو أول خطوة للحياة.

8 من 8التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى