
وقفت متصلبة ورا الباب، قلبي كان بيدق في وداني لدرجة حسيت إن الصوت هيتسمع برة في الصالة. عيني كانت ثابتة في فتحة الباب والأنوار كلها مطفية، ما عدا ضوء خافت جدًا جاي من شباك المطبخ منور طرف الطرقة.
شفت حماتي واقفة، وقدامها حد طويل وضهره ليا، بس أول ما لف وشه في الضوء الخافت، اتسعت عيني ومسكت في أوكرة الباب عشان ما أقعش… ده كان سامح، أخو وائل الكبير، اللي مفروض إنه مسافر شغال في دولة تانية ومحدش متوقع رجوعه إلا بعد شهور!
كان ماسك شنطة جلد في إيده وبيوطي صوته على الآخر، وحماتي عمالة تطبطب عليه وهي مبتسمة ابتسامة أنا عمري ما شفتها بتضحكها في وشي ولا حتى في وش وائل. قربت ودني من شق الباب عشان أسمع الهمس المكتوم اللي داير بينهم.
حماتي بتقوله بصوت واطي: “حمد الله على سلامتك يا حبيبي، جيت في ميعادك بالضبط… البيت كله نايم ومحدش حس بحاجة. عملت إيه في موضوع الشقة التحتانية؟”
سامح حط الشنطة على الترابيزة وقال بصوت هادي: “كل حاجة تمام يا أمي، المحامي جهز العقود القديمة، بس فاضل وائل يمضي على التنازل اللي اتفقنا عليه عشان البيعة تتم رسمي من غير مشاكل، وإنتِ عارفة وائل مبيفهمش في الأوراق دي وكلمتك عنده سيف.”
حماتي ضحكت بخبث وقالت: “سيبلي وائل، ده سهل التعامل معاه، بس المشكلة مراته… دماغها ناشفة وبدأت تسأل في المصاريف والفلوس، وكل شوية تقولي فين حقنا ومصروفنا مش مكفي! النهارده عملتلي حكاية عشان كيلو لحمة ونزلتها ورجعتها مرتين عشان أكسر عينها وأوريها إنها ولا حاجة في البيت، ووائل زي الألف رفع إيده عليها وكان هيتصرف معاها بعصبية، يعني ضامنين سكوتها ومش هترفع راسها بكلمة في أي ورقة هو هيمضي عليها!”
سامح ضحك وقال: “تسلم إيدك يا ست الكل، إنتِ دايمًا حاسبة كل خطوة. الشقة دي لو اتباعت للمقاول بالسعر اللي اتفقنا عليه، هطلع أنا بنصيبي كامل، ووائل يا دوب يفضل قاعد هنا في شقة السطوح يساعدك من غير ما يحس إنه خسر نصيبه في ورث أبويا.”
الكلام نزل عليا كأنه صدمة! الشقة اللي تحت، اللي هي أصلًا مفروض ورث وائل وأخوه من أبوهم الله يرحمه، واللي كان وائل دايمًا واعدني إننا هننزل نجددها ونعيش فيها بدل الأوضتين اللي فوق السطوح، حماتي وسامح متفقين يبيعوها ويأخذوا نصيب وائل، والمخطط كان مبني على إني أتعرض للضغط عشان وائل يفضل متوتر ويسلم كل أوراقه لأمه من غير مراجعة!
حسيت بدمي بيفور، والضعف اللي كان في قلبي طول اليوم والخوف والدموع اتقلبوا فجأة لقوة وإصرار. مسكت نفسي بالعافية، رجعت على أطراف صوابعي للسرير، قعدت جنب بنتي وضميتها، بس المرة دي ما عيطتش… مسحت دموعي بإيدي الاتنين، وعرفت إن الإنسان لما يعرف الحقيقة لازم يقف على حيله ويحافظ على حقه وكرامته.
فضلت صاحية طول الليل، أعد الدقايق والثواني لحد ما الفجر أذن. سمعت سامح نزل في هدوء زي ما جه، وبعدها صوت حماتي دخلت أوضتها وقفلت بابها. قمت اتوضيت وصليت ركعتين لله، دعيت فيهم إن ربنا يقويني ويدلني على التصرف الصح من غير ما أضيع نفسي ولا بنتي.
الساعة تمانية الصبح، وائل صحي وخرج يغسل وشه. لبست إسدالي وخرجت وراه، لقيته قاعد في الصالة بيفرك في عينه وبيجهز عشان ينزل الشغل، ووشه متجهم كالعادة ومستني مني كلمة عتاب عشان يبدأ نقاش جديد.
وقفت قدامه وقلت: “صباح الخير.” طلعت من لساني هادية وباردة زي التلج. بصلي باستغراب من نبرتي، وقال بجفاء: “أمي صحيت ولا لسه؟”
قلتله: “نايمة جوة، كانت سهرانة شوية بالليل وشكلها تعبانة.”
عين وائل رمت لورا، وحسيت إنه اتوتر شوية، كأنه كان عارف بوجود أخوه أو عنده خبر ومش عايزني أعرف. مد إيده ولبس ساعته، وقبل ما ياخد مفاتيحه، طلعت التليفون بتاعي وحطيته قدامه على الترابيزة.
بص للتليفون وقال بضيق: “إيه ده؟ عايزة إيه ع الصبح؟”
قلتله بصوت واطي وواثق: “افتح التسجيل ده يا وائل… اسمع كده وركز في الصوت.”
شغّلته… كنت مسجلة بصوت واضح كلام حماتي مع سامح وهي بتقوله: “سيبلي وائل ده سهل في التعامل… والشقة لو اتباعت للمقاول بالسعر اللي اتفقنا عليه هطلع أنا بنصيبي كامل ووائل يفضل هنا في السطوح يساعدني!”
ملامح وش وائل اتحولت في ثانية! من التكبر والتعالي للصدمة والذهول، عينه وسعت، وإيده بدأت ترتعش وهو ماسك التليفون، وشه بهت تمامًا ولونه اتغير. رفع عينه وبصلي وهو مش قادر ينطق.
قلتله وأنا باصة جوة عينه بكل قوة: “الصوت ده مش غريب عليك صح؟ ده صوت أمك اللي كنت هتتعصب عليا امبارح عشان ترضيها… وده صوت أخوك سامح اللي بيرتب معاه موضوع الشقة اللي مفروض حقك وحق بنتك ومستقبلها، وكل ده بحيلة مدروسة عشان تفضل إنت شغال ليل نهار وتجيب الفلوس، والخير يروح لغيرك!”
وائل وقف فجأة وهو بيقول بصوت مهزوز: “إنتِ… إنتِ جبتي الكلام ده منين؟! سامح مسافر أصلًا!”
قلتله: “سامح كان هنا امبارح الساعة اتنين بالليل، وكان مع أمك في الصالة دي، والمحامي مجهز ورق التنازل عشان تمضيه وإنت مش واخد بالك على أساس إنها أوراق روتينية للبيت! شفت بقى يا وائل كيلو اللحمة كان معمول عليه قصة ليه؟ شفت الإهانة اللي شلتها امبارح كانت تمن إيه؟ كانت تمن إنك ما تشوفش اللي بيحصل من وراك!”
في اللحظة دي، باب أوضة حماتي اتفتح وخرجت وهي رابطة راسها بطرحة وبتقول: “إيه الصوت العالي ده على الصبح؟ ما بتعرفوش تبطلوا كلام كتير؟!”
وائل لف وشه لأمه، والنظرة اللي كانت في عينه ما شفتهاش في حياتي، نظرة خذلان ووجع من أقرب الناس ليه. مسك التليفون وعلا الصوت وقال: “الكلام ده صح يا أمي؟! سامح كان هنا امبارح؟! إنتوا متفقين تبيعوا الشقة وتخلوني أمضي على تنازل من ورا ضهري؟!”
حماتي اتفاجئت، وشها اتغير، بس حاولت بسرعة تسترجع هدوءها وقالت وهي بتبصلي: “إنتِ بتسجلي في بيتي؟! إنت تصدق كلام التسجيلات دي يا وائل؟! أخوك محتاج يقف على رجله والشقة أصلًا ملكي أنا وأبوك…”
قاطعها وائل بصوت رج الصالة كلها: “الشقة مش ملكك لوحدك! الشقة ورثي أنا وأخويا من أبويا! وأنا اللي دافع نص تمنها من تعبي قبل ما أتجوز! بتتصرفي فيها من ورايا؟! وأنا اللي هنا بسمع كلامك وبضغط على مراتي عشانك، تطلعيني سهل التحكم فيه؟!”
حماتي اتلخبطت ولسانها تقل، بصت لوائل وقالت: “أنا أمك يا وائل… عيب تعلي صوتك عليا! كل اللي بعمله عشان مصلحتك، الشقة دي المقاول هيهد البيت كله ويبنيه برج وإنت هيكون ليك…”
سكتها وائل بإيده وقال بحسم: “ولا كلمة زيادة! الورق مش همضيه، وسامح لو جه هنا تاني البيت ده ملوش قعاد فيه، والشقة دي هتتجهز ليا ولبنتي النهاردة قبل بكرة!”



