روايات وقصص

جوزي دخل الحجز محمد نور

— قدامك 15 دقيقة.

بصلي.

— أنا آسف.

— إنت كتبت ده.

— عايز أقوله وأنا ببص في عينك.

— تمام.

سكت لحظات.

— مش عارف أبدأ منين.

— ابدأ بالمطبخ.

قفل عينه.

— سلمى ما كانش ينفع تكون هناك.

— إنت اللي ما كانش ينفع تسمح لها تكون هناك.

— عندك حق.

— ما كانش ينفع تلبس هدومي.

— لأ.

— ما كانش ينفع تطبخ في بيتي كأنه بيتها.

— لأ.

سكت.

وبعدين قلت:

— بس ده مش أسوأ حاجة.

رفع عينه.

— أسوأ حاجة إنك لما خرجت من أوضة النوم، ما بصتش لي كمراتك. بصيت لي كإني العقبة اللي أذت الست اللي إنت عايز تحميها.

ما ردش.

وبعد لحظات قال:

— أيوه.

— وبعدها اتصلت بالشرطة.

— سلمى لعبت في دماغي.

بصيت له بثبات.

— ما تقولش كده.

فهم قصدي.

— أنا اللي اخترت أصدقها. ده ذنبي أنا.

— أيوه.

— واخترت ما اتصلش بيكي.

— أيوه.

— واخترت أسيبك تقضي الليلة هناك.

هزيت راسي.

— مش ليلة يا آدم.

وشه اتغير.

— عارف.

— إنت نمت في سريرنا. وأنا نمت على مرتبة تحت نور ما كانش بيطفي. إنت أكلت أكل سخن. وأنا كنت بعد الساعات بصوت الأبواب وهي بتتقفل.

عينيه احمرت.

— مريم…

— أسوأ حاجة إني فهمت إن لو أبويا ما كانش هو أبويا، يمكن كنت هتسيبني هناك لحد ما أخرج ندمانة، وأطلب منك السماح عشان إحراجك.

غطى وشه بإيده.

أنا بصيت له.

وما حسيتش بمتعة.

إنك تشوف شخص كنت بتحبه بيتألم مش دايمًا بيشفيك.

بعد لحظات، نزل إيده وقال:

— هوقع على الطلاق.

ما رديتش.

كمل:

— ومش هعترض.

— عارفة.

— هتعاون في التحقيق ضد سلمى، وضدي أنا لو استدعى الأمر.

— عارفة.

سكتنا شوية.

وبعدين قلت:

— أنا مش بدمر حياتك عشان أبويا يقدر يعمل كده. أنا بس بطلت أحميك من عواقب أفعالك.

سكت.

وبعدين سألني بصوت واطي:

— إنتِ حبيتيني بجد في يوم؟

بصيت له.

— أيوه. لدرجة إني صدقت إن لو حاولت أكتر، هترجع تشوفني.

— أنا كنت شايفك.

هزيت راسي.

— لأ. كنت شايف البيت المرتب، والعشا الجاهز، والزوجة المريحة. لكن ما كنتش شايفني أنا.

سكت.

قلت:

— وأنا كمان. عشان ما كنتش أتجوزك.

فضل ساكت.

وانتهى الاجتماع.

آدم وقع على اتفاق مبدئي.

—

الطلاق اتوثق بعد شهرين.

سلمى اتفصلت من الشركة بسبب الاحتيال الداخلي واستخدام موارد الشركة، وواجهت اتهامات بتزوير مستندات، والتلاعب بأدلة، وتقديم بلاغ كاذب بشكل مشدد.

زميلة قديمة قدمت رسائل كانت سلمى بتتباهى فيها إنها «عرفت إزاي تخلي البيت يبقى ليها».

آدم خسر عقدين مهمين، ومجلس الإدارة أجبره يبعد مؤقتًا عن منصب المدير التنفيذي.

أمه بعتت جواب اعتذار عام.

أمي قريته وفرمته.

أما أنا، فبدأت علاج نفسي.

الحياة الحقيقية ما فيهاش مشهد انتقام مثالي.

بتسيب لك فزع من صفارات الشرطة، وذكرى الكلبش، وغضب من نفسك عشان فقدت السيطرة، وسؤال بيفضل يرجع في أوقات ما تتوقعيشها:

«ليه اختارني بالشكل القليل ده؟»

المعالجة قالت:

— السؤال مش ليه هو ما اختاركش. السؤال ليه إنتِ حاسة إن قيمتك متوقفة على اختياره ليكي؟

كرهت الجملة في البداية.

حسيت إنها بتلومني على حاجة هو عملها.

لكن مع الوقت، بدأت أفهم معناها.

رجعت لشغلي بعد 6 أسابيع.

قبل الجواز كنت مستشارة قانونية في أخلاقيات الشركات، وكنت سيبت عقود عشان أساعد آدم.

رجعت لطريقي.

وفي أول اجتماع دخلته من غير لقب «زوجة آدم منصور»، افتكرت إني كنت بعرف أعمل حاجات كتير قبل ما أحبه.

ولسه بعرف.

أبويا عرض عليا مساعدته وعلاقاته وحمايته، لكنه كان دايمًا يقول:

— القرار قرارك.

كان بيرجع لي حق إني أقرر.

أمي غيرت الأقفال، واشترت أكل، ورمت البيجامة البيضا.

اعترضت وأنا بضحك:

— ماما!

ردت بمنتهى الجدية:

— القماشة دي شافت بلاوي كفاية.

ضحكت غصب عني.

وفي يوم، لقيت القميص الأزرق اللي اشتريته لآدم.

مسكته.

وافتكرت الست اللي اشترته وهي بتفكر في شكل الياقة والمقاس، وهي لسه مؤمنة إن الراجل ده هيكون بيتها.

قعدت وعيطت عليها.

مش على آدم.

عليها هي.

وبعدين تبرعت بالقميص.

بعد 3 شهور من الطلاق، بعت آدم:

—

وبعدها بعت:

«سيبت منصب المدير التنفيذي. وأنا بدأت علاج. بحاول أفهم إزاي قدرت أعمل فيكي اللي عملته.»

ما رديتش.

مش عشان ما صدقتش إنه بيحاول يتغير.

لكن لأن تغييره ما بقاش مسؤوليتي.

في ليلة، أبويا لقاني في المكتبة.

— هو كتب؟

هزيت راسي.

— هتردي؟

بصيت للموبايل.

— مش عارفة.

سكت شوية، وبعدين قال:

— لما كنت صغير، ارتكبت أخطاء باسم العدالة. كنت فاكر إن طالما أنا صح، يبقى من حقي أكون قاسي. أمك سابتني مرة بسبب ده.

بصيت له بدهشة.

— ماما سابتك؟

ابتسم ابتسامة صغيرة.

— 3 شهور.

— وعملت إيه؟

— اتعلمت إن التغيير ما ينفعش يبقى فاتورة تستخدمها عشان تطلب من الشخص يرجع لك. أمك رجعت لأنها اختارت، مش لأني استاهلت مكافأة.

بصيت للموبايل تاني.

— أنا مش هرجع.

— يبقى ما ترجعيش.

— حتى لو اتغير؟

— حتى لو اتغير.

— حتى لو ندم بجد؟

— حتى وقتها.

وبعدين قال:

— ندم الشخص ممكن يكون حقيقي، ومع ذلك ما يصلحش اللي كسره جواكي.

فضلت ساكتة.

وفي النهاية، رديت على آدم:

«أتمنى إنك تتغير، لكن مش عشاني.»

وبعدين عملت له حظر.

مش كراهية.

إغلاق باب.

—

بعد سنة، القضية ضد سلمى انتهت باتفاق قضائي، وحكم مخفف، وغرامات، ومنعها من الاقتراب مني.

آدم شهد ضدها بوضوح ومن غير أعذار.

أنا ما حضرتش.

وافقت أدير برنامج للمساعدة القانونية للستات اللي بيتعرضوا لاتهامات ظالمة في نزاعات أسرية معقدة.

في أول اجتماع، وقفت قدام مجموعة من الستات، وقلت:

— أنا كمان فقدت السيطرة مرة وضربت ست. وكان لازم أتحمل مسؤولية اللي عملته. لكن تحمل المسؤولية مش معناه إننا نسمح لحد يستخدم غلطتك عشان يمحيك كإنسانة.

—

بعد سنتين، عدّيت بالصدفة قدام العمارة القديمة بسبب إن التاكسي غير طريقه.

المكان رجع لي ذكرى الكلبش.

رجعتلي صورة الباب.

صوت القفل.

واللحظة اللي فهمت فيها إن الشخص اللي كنت مستنية ينقذني هو نفسه اللي سلّمني.

وقفت قدام المدخل للحظات.

وفجأة شفت آدم في الناحية التانية من الشارع.

كان لابس هدوم بسيطة وماسك شنطة كتب.

عدى الشارع، لكنه وقف بعيد عني، وما حاولش يقرب أكتر.

— مريم.

— آدم.

سكت لحظة.

وبعدين قال:

— بعتها من سنة. ما كنتش قادر أدخلها من غير ما أفتكر اللي حصل.

بصيت له.

— أنا شغال دلوقتي مع مؤسسة بتساعد رجالة في قضايا العنف الأسري والإساءة النفسية. بتعلم أكتر مما بعلم.

بصيت له شوية، وبعدين قلت:

— أتمنى إنك تسمع أكتر ما تتكلم.

ابتسم بحزن.

— بحاول.

سكتنا.

ما كانش فيه حاجة نرجع نقولها.

ولا حاجة نقدر نغيرها.

وبعد لحظة، سأل:

— إنتِ كويسة؟

قلت:

— أيوه. مش كل يوم، بس أيوه.

بان عليه الفرح.

— مبسوط.

ولأول مرة، صدقته.

مش لأنه قال كلام كبير.

لكن لأنه ما حاولش يستخدم اللحظة عشان يطلب مني حاجة.

قلت:

— أتمنى إنك تبقى كويس.

— شكرًا.

ودعته.

— خد بالك من نفسك يا آدم.

— وإنتِ كمان يا مريم.

ومشيت.

—

في البيت، اتصلت بماما.

— شوفته.

— وبعدين؟

بصيت من الشباك.

— ما حسيتش إني عايزة أرجع. وبرضه ما حسيتش إني عايزة أشوفه منهار.

سكتت أمي شوية، وبعدين قالت:

— يبقى اتعافيتي أكتر مما كنتِ فاكرة.

بيتي الجديد كان صغير ومليان نور وكتب ونباتات.

ومطبخ محدش بيدخله من غير إذن.

وكان عندي مج أحمر مكتوب عليه:

«آه، ممكن تكلمني قبل القهوة… بس باحترام.»

عملت شاي، وقعدت جنب الشباك.

فكرت في سلمى.

آدم.

الزنزانة.

أبويا.

أمي وهي بترمي البيجامة.

القميص الأزرق.

وكل نسخة مني ماتت عشان النسخة دي تعرف تعيش.

ما حسيتش إني انتصرت.

حسيت إني حرة.

الانتصار بيبص وراه ويعدّ الناس اللي وقعوا.

أما الحرية…

فبتبص لقدام وتفتح الشبابيك.

قبل ما أنام، فتحت قائمة جهات الاتصال للطوارئ:

أبويا.

أمي.

كلارا.

وصديقة ليا.

محدش ممكن أخلطه بالواجب، ومحدش محتاج يشوفني مدمرة عشان يصدقني.

قفلت الموبايل.

البيت غرق في الصمت.

مش صمت زنزانة بارد.

ولا صمت جواز مسموم، الست فيه بتترجى إنها تتشاف.

ده كان صمتي أنا.

آمن.

كامل.

ولأول مرة من وقت طويل، نمت من غير ما أحلم بأبواب بتتقفل.

لأني اتعلمت حاجة عمرها ما هتتنسى:

اللي بيحبك ما بيسلمكيش للعقاب عشان يحمي شخص تاني.

واللي بيحبك ما بيستخدمش القانون كسوط.

واللي بيحبك ما يستناش عشرة أيام عشان يسأل إذا كنتِ لسه بتتنفسي.

وأحيانًا الست اللي بتزقها ناحية الزنزانة مش محتاجة حد ينقذها…

هي بس محتاجة تفتكر مين اللي معاه المفتاح.

النهاية

خاص لصفحة روايات وحكايات محمد نور و وردة احمد
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى