
ما حاولش يعرف اسمه، ولا سأل عن شغله، ولا اهتم يعرف أي حاجة عن العيلة.
بعدها، في فرحهم، أمه قالت وهي بتبتسم:
— عيلة مريم هادية، صح؟ هادية زيادة عن اللزوم. بس على الأقل مش هتجيب فضايح.
مريم ابتسمت وقتها.
وأبوها، وهو ماسك إيدها قبل ما تمشي، قال لها في ودنها:
— الحياة الهادية مش معناها حياة صغيرة. ما تنسيش ده.
هي ما نسيتش.
لكن آدم نسي يبص أبعد من الحاجة اللي كانت مناسبة له.
رجع آدم يبص للحارس.
— عايز أشوف الملف كامل.
قالها بعصبية، لكن الحارس هز راسه.
— مش مسموح لك.
— أنا جوزها.
— حسب الأوراق، إنت ما جيتش تزورها أثناء احتجازها، ومش مسجل كممثل قانوني ليها. وهي كمان رفضت إنه يتم إبلاغك.
آدم حس إن الأرض بتتحرك تحته.
— هي رفضت يبلغوني؟
— أيوه.
الحارس زق ورقة تانية ناحيته.
«جهة الاتصال للطوارئ السابقة: آدم منصور. تم حذف الاسم بناءً على طلب المحتجزة.»
آدم قبض على الورقة، وضغط عليها بإيده لدرجة إنها اتكرمشت.
— هي فين دلوقتي؟
الحارس هز راسه.
— مش مسموح أديك المعلومة دي.
خرج آدم من مركز الاحتجاز والورد الأبيض لسه في إيده.
كان جايبه عشان «السلام».
لكن دلوقتي، الباقة نفسها بقت في نظره سخرية.
وقف بره واتصل بسلمى.
ردت من الرنة التانية.
— شفتها؟
— مش موجودة.
— يعني إيه؟
— حد طلعها.
سكتت شوية.
— مين؟
بص آدم للورقة اللي لسه ماسكها.
«مكتب المستشار حازم الهاشمي.»
— أبوها.
سلمى اتأخرت في الرد.
— أبوها؟ مش إنت قلت إن عيلتها ناس عاديين؟
الجملة ضايقته.
— أنا كنت فاكر كده.
— آدم، ده معناه إيه؟
— معناه إن مريم بنت حازم الهاشمي.
سكتت أكتر.
وبعدين صوتها اتغير:
— المستشار الهاشمي؟ اللي ماسك التحقيق في قضايا الشركات في المنطقة الشمالية؟
آدم قفل عينه.
طبعًا سلمى عارفة.
— أيوه.
— آدم، الموضوع ده خطير.
— فاكر إني مش عارف؟
— ما تكلمنيش بالطريقة دي. أنا اللي اتضربت.
الجملة كانت هي نفسها اللي صدقها خلال العشرة أيام.
لكن دلوقتي، بقت ناقصة.
أيوه، سلمى كان لسه على وشها علامات.
وأيوه، مريم ضربتها.
لكن قبل الضربات التلاتة، كان فيه ست لابسة بيجامة مراته، واقفة في مطبخ بيته، واستفزاز متعمد، وابتسامة هو اختار وقتها إنه ما يشوفهاش.
آدم فضل ساكت شوية.
وبدأ يراجع الأيام العشرة كلها في دماغه.
في اليوم الأول بعد احتجاز مريم، سلمى فضلت تعيط لحد ما نامت على الكنبة.
آدم غطاها، وعمل لها شاي، واتصل بمحامي.
— أنا مش عايزة أأذي مريم — قالت له وقتها — بس لو مفيش عواقب، عمرها ما هتفهم إنها ما ينفعش تمد إيدها عليا.
صدقها.
أو يمكن حب يصدقها.
في اليوم التاني، أمه اتصلت.
— كان لازم يحط لها حد. الست دي كان دايمًا ورا هدوئها حاجة عدوانية.
آدم ما ردش.
في اليوم التالت، سلمى طلبت تغيير الملايات، وقالت إنها مش مرتاحة في أوضة الضيوف، وإن حاجات مريم لسه حواليها.
آدم عرض عليها فندق.
عيطت.
— يعني عايز تطردني بعد كل اللي حصل بسببي؟
ففضلت.
في اليوم الرابع، المحامي قال إن الموضوع ممكن يتحل باعتذار وتعويض لو الشاكية وافقت.
آدم بص لسلمى.
— أنا مش مستعدة أسامحها.
فقال:
— كمّلوا.
في اليوم الخامس، حاول آدم ما يفكرش في مريم.
لكن لما شاف هدومها في الدولاب، وقف قدامها للحظات، وبعدين قفل الباب بعنف.
في اليوم السادس، سلمى عملت الفطار في مج مريم الأزرق، اللي مكتوب عليه:
«ما تكلمنيش قبل القهوة.»
آدم بص للمج.
عرفه فورًا.
ومع ذلك، ما قالش حاجة.
في اليوم السابع، أمه زارت الشقة.
بصت حواليها، وبعدين قالت لسلمى:
— مريم عمرها ما عرفت تخلي المكان ده يبان مكان راجل ناجح.
آدم ضحك ضحكة خفيفة.
لكن الضحكة اختفت بسرعة، وما عرفش ينام الليلة دي.
في اليوم التامن، سلمى نزلت صورة لركن من بيتهم: الستارة، نبتة اللافندر، والأباجورة اللي مريم اشترتها بأول مكافأة.
وكتبت:
«حتى الأماكن بتخف لما تتملى بالسلام.»
آدم شاف الصورة، وطلب منها تمسحها.
— ليه؟ لسه فارق معاك مريم هتقول إيه؟
ما ردش عليها.
في اليوم التاسع، وصله مسج من رقم غريب:
«يا أستاذ آدم، الأفضل تستعين بمحامي خاص بيك قبل ما مكتب المستشار الهاشمي يتواصل معاك رسميًا.»
اعتبرها تهديد فاضي.
ما كانش عايز يصدق إن الموضوع خرج من إيده.
وفي اليوم العاشر، راح مركز الاحتجاز ومعاه الورد.
وكان متخيل إنه هيشوف مريم، حتى لو لدقايق.
لكن بدل ما يقابلها، عرف إنها خرجت.
ولما وصل الشقة، كانت سلمى في المطبخ، ولابسة شبشب مريم.
آدم وقف مكانه وبص للشبشب شوية.
وبعدين قال بهدوء:
— اخلعي ده.
— إيه؟
— الشبشب. بتاع مريم.
ضحكت.
— رجعت من مركز الاحتجاز لقيت مراتك خرجت، وأول حاجة بتعملها إنك تدافع عن شبشبها؟
— هي ما هربتش. أفرجوا عنها.
— ما تفرقش.
آدم بص لها.
— لأ، تفرق.
سلمى قفلت البوتاجاز، ولفت له.
— إنت بتخوفني يا آدم. أنا اللي اتضربت. أنا اللي دخلت المستشفى.
بص لوشها.
العلامات كانت تقريبًا اختفت.
ولأول مرة من وقت الليلة دي، بدأ يسأل نفسه: هل فعلًا كان شايف الصورة كلها؟
— ليه كنتِ لابسة بيجامتها؟
سلمى رمشت.
— إيه؟
— الليلة دي. البيجامة البيضا. ليه كنتِ لابساها؟
— هدومي اتبلت.
— ما كانش فيه مطر.
— وقعت عليا مية.
— هدومك المبلولة فين؟
سكتت.
آدم قرب خطوة.
— فتشت؟
— فتشت النهارده.
بدأت تحاول تقلب الموضوع عليه، لكنه ما سابهاش.
— إنتِ عرفتي منين إني قلت إن أنا ومريم ما بقاش بينا مشاعر؟
— إنت قلتلي.
— لأ.
نزلت عينيها.
وفي اللحظة دي، افتكر آدم حاجة كان عقله حاول يدفنها.
لحظة وصول الشرطة.
سلمى كانت بتعيط.
لكن لما لف وشه، شافها تبص لمريم وتبتسم.
وقتها ما وقفش عند المشهد.
دلوقتي، الذكرى رجعت كاملة.
— أنا شوفتك — قال.
رفعت عينيها.
— شوفتني إيه؟
— بعد ما اتصلت بالشرطة. بصيتي لمريم وابتسمتي.
الدموع اختفت من وشها.
— إنت بتتخيل.
— لأ.
— آدم، خليك حذر في كلامك.
— بتهدديني؟
قربت منه.
— أنا بفكرك إن شركتك كلها معتمدة على استقرار صورتك قدام الناس. إيه اللي هيحصل لو الناس عرفت إن مراتك ضربت سكرتيرتك لأنها كانت شاكّة إن بينكم علاقة؟
آدم ضحك بمرارة.
دلوقتي فهم.
الحقيقة كانت أوضح من أي وقت فات.
— يعني إنتِ كنتِ مخططة لكل ده.
— أنا ما خليتهاش تضربني.
— بس عملتِ كل اللي تقدري عليه عشان تخليها تضربك.
— هي اللي اختارت تستخدم إيديها. زي ما إنت اخترت تحميني.
آدم حس بالغثيان.
بص ناحية الباب.
— امشي.
— نعم؟
— امشي من بيتي.
— من عشرة أيام كنت بتقول إن الأفضل أفضل هنا.
آدم بص لها.
— من عشرة أيام كنت غبي.
جمعت حاجتها، وفضلت ساكتة لحد ما خلصت.
وقبل ما تخرج، وقفت عند الباب.
— مريم عمرها ما حبتك زي ما أنا حبيتك.
آدم بص لها من غير ما يرد.
كملت:
— ومع ذلك أنا دمرتها عشانك.
الباب اتقفل.
والشقة غرقت في الصمت.
آدم دخل أوضة النوم، وفتح دولاب مريم.
بعد لحظات، لقى علبة كرتون فيها صور وخطابات قديمة.
بدأ يقلب فيها من غير تركيز.
ومن بينها، طلعت صورة لمريم مع أبوها، المستشار حازم الهاشمي، قدام مبنى المحكمة.
وتحت الصورة كان فيه خطاب من حازم لبنته قبل الجواز:
«مريم،

